رمضان «يوّحد» السوريين... والحرب الأوكرانية تفاقم معاناتهم

«الشرق الأوسط» ترصد الأوضاع المعيشية في «مناطق النفوذ» الثلاث

محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)
محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)
TT

رمضان «يوّحد» السوريين... والحرب الأوكرانية تفاقم معاناتهم

محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)
محل لبيع الخضراوات في العاصمة السورية دمشق في 18 مارس الماضي (رويترز)

حل شهر رمضان المبارك هذا العام على السوريين في مناطق «النفوذ» الثلاث، وسط تفاقم الأزمة المعيشية، بحيث «وحدتهم» المعاناة بصرف النظر عن مواقفهم السياسية ومنطقة وجودهم. كما أن الحرب الأوكرانية التي أثرت على خطوط الإمداد وإنتاج المواد الغذائية وفاقمت معاناة السوريين ورفعت أسعار المواد الرئيسية.

دمشق
وعشية بداية شهر رمضان المبارك، شهدت أسعار المواد الغذائية والأساسية في دمشق ارتفاعاً غير مسبوق في البلاد، فقد وصلت أسعار الخضراوات والفواكه لأسعار قياسية
ومنذ منتصف الشهر الماضي، قفزت الأسعار بشكل كبير لعموم المواد الغذائية والاستهلاكية بسبب ارتفاع أجور النقل، كما ارتفعت أسعار الخضراوات والفواكه بسبب الأحوال الجوية التي مرت على سوريا منذ بداية شهر مارس (آذار). وقال أبو إبراهيم، وهو تاجر خضراوات في سوق دمشق المركزي للخضراوات: «ارتفعت أسعار عموم أنواع الخضراوات وخاصة الزراعات المحمية القادمة من المنطقة الساحلية، وذلك بسبب موجة البرد التي شهدتها سوريا خلال شهر مارس الماضي مما دفع المزارعين إلى تشغيل أجهزة التدفئة التي تتطلب مازوت – ديزل، مما أدى لرفع أسعار عموم الخضراوات».
وأضاف أبو إبراهيم لوكالة الأنباء الألمانية: «مع موجة الجفاف، تحتاج المزروعات للري بواسطة المحركات، وأدى عدم قدرة الحكومة على تأمين المحروقات للمزارعين، لوجود سوق سوداء لأسعار المواد النفطية، مما انعكس على تكاليف الإنتاج والنقل».
وترى في سوق دمشق يقوم عدد من الأشخاص بتحميل سيارة نقل صغيرة بالخضراوات والفواكه، لنقلها إلى أحياء العاصمة دمشق. ويقول محيي الدين حسن من حي الميدان الدمشقي: «أقوم بشراء الخضراوات والفواكه من التجار بشكل مباشر، لبيعها بسعر معقول للمستهلكين رغم تكلفة النقل، ومع ذلك تبقى الأسعار مرتفعة جداً ووصلت إلى أرقام قياسية». وأكد محيي الدين أنه خلال شهري فبراير (شباط) ومارس انخفضت كمية البيع من 50 إلى 70 في المائة من حجم البيع الاعتيادي، في حين اختفت بعض المواد أو بقيت عند الحد الأدنى».
ويقول عدنان عيسى الذي يملك محلاً لبيع المواد الغذائية في منطقة المزة بدمشق: «خلال اليومين الماضيين شهدت السوق تحركاً بسيطاً، وخاصة المواد الغذائية المطلوبة في شهر رمضان وهي التمور، ولكن هي في الحدود الدنيا قياساً بالأعوام السابقة». ويضف عيسى: «أسعار المواد الغذائية أصبحت لا تتناسب ودخل الموظف الشهري، وأن الأغلبية من المتسوقين يعتمدون على الحوالات الخارجية».
وتقول ميساء علي، وهي موظفة في حي المزة بدمشق: «ارتفعت أسعار عموم المواد الغذائية والخضراوات بشكل كبير جداً، والأنواع الرخيصة من الأرز اليوم لا يقل سعر الكيلو عن 4 آلاف ليرة سورية، وارتفع سعر كيلو الزيت من 8500 ليرة إلى 15 ألف ليرة سورية والمؤسسات الحكومية تقدم للعائلة في الشهر نحو 2 لتر ماذا نعمل بهذه الكمية، هل تكفي للطبخ لمدة أسبوع، ماذا نعمل بعدها، ليست لدينا القدرة على شراء مواد بسعر السوق، راتبي الشهري وراتب زوجي لا يتجاوز 200 ألف ليرة سورية واحتياجاتنا الشهرية تتجاوز الـ500 ألف ليرة في الحد الأدنى عدا تكاليف الملابس والعلاج والمناسبات».
وتشير دراسات وتقارير سورية غير رسمية إلى أن معدل احتياجات الأسر من 3 - 5 أشخاص في الشهر يتجاوز الـ600 ألف ليرة سورية عدا إيجار المنزل إذا كانت تملك الأسرة منزلاً. في حين تبلغ معدلات الرواتب الشهرية الحكومية والخاصة في سوريا بين 100 ألف إلى 250 ألف ليرة سورية.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا نهاية شهر فبراير الماضي، ارتفعت أسعار مواد غذائية وخاصة الزيوت ومشتقات الحبوب ووصل سعر كيلو زيت الذرة وعباد الشمس إلى أكثر من 18 ألف ليرة سورية، وسط عجز حكومي عن تأمين احتياجات الأسواق السورية عبر الدعم الحكومي وحاجة السوق عموماً.
وفيما يتعلق بالعملة الأجنبية، فقد وصل سعر صرف الدولار في الأسواق السورية السوداء إلى حدود 4 آلاف ليرة سورية، في حين يبلغ سعره الرسمي نحو 2500 ليرة.

درعا
لرمضان في محافظة درعا كغيرها من المدن السورية طقوس خاصة، لكن هذه الطقوس باتت حكراً للعائلات الميسورة الحال، لأنها طقوس تستلزم سيولة مالية.
ولم تعد هذه الطقوس ضمن آمال الكثير من العائلات محدودة الدخل، فالوضع الكارثي والغلاء الذي خيم على كل مستلزمات الحياة وحتى الأساسية، جعلا معظم العائلات لا يفكرون سوى بكيفية تأمين مستلزمات مائدة الإفطار كل يوم بيومه.
يقول أبو نضال أحد سكان ريف درعا إن موجة الغلاء التي تشهدها سوريا اليوم لم تمر على البلاد رغم سنوات الحرب الماضية. وأضاف أن معدل الحاجيات اليومية في شهر رمضان لكل أسرة يصل إلى 25 ألف ليرة سورية يومياً، ومعظم سكان المنطقة يعتمدون على رواتب الموظفين التي تساوي مع كل الزيادات الأخيرة التي قدمتها الحكومة السورية من 80 - 100 ألف ليرة سورية، وأجور اليد العاملة في القطاع الخاص، وخاصة الزراعي، لا تكفي لسد احتياجات الأسرة لأول أيام شهر رمضان فقط. وأصبح شاغل الأهالي حساب قيمة الإنفاق الكبير على الطعام والشراب؛ بسبب الغلاء الكبير في أسعار السوق قبيل قدوم شهر رمضان.
وبحسب أحمد أحد تجار درعا، فإن المواد الغذائية متوفرة لكن ثمنها أضعاف ما كانت عليه في رمضان العام الماضي، و«تتجاوز القدرة الشرائية للمواطنين أصحاب الدخل المحدود»، بسبب غلائها من المصدر الأساسي في محلات «الجملة» في دمشق، نتيجة قلة وندرة المحروقات في البلاد كالمازوت والبنزين والغاز؛ وشرائها من السوق السوداء بسعر يساوي ثلاثة أضعاف سعرها الحقيقي، إذ وصل سعر اللتر الواحدة من البنزين إلى 4 آلاف ليرة سورية، واللتر الواحد من مادة المازوت وصل إلى 5 آلاف ليرة سورية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار البضاعة في المعامل وارتفاع أجرة نقلها.
ويقول الناشط مهند العبد الله من درعا إنه نتيجة التأثر بالأزمة الاقتصادية التي أصابت معظم مناطق العالم بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، شهدت الأسواق السورية ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، خاصة الطحين والزيت النباتي والسكر، ونتيجة موجات الصقيع والبرد التي ضربت المحاصيل الزراعية في المنطقة وعموم سوريا وأدت إلى إتلاف مشاريع وبساتين كثيرة، ارتفعت أسعار الخضراوات.

إدلب وحلب
استقبل أهالي محافظة إدلب ومناطق بريف حلب، والنازحون في المخيمات، اليوم الأول من شهر رمضان هذا العام، بأجواء وطقوس رمضانية مثل نشر الزينة في الشوارع والأسواق وتنظيف المساجد، اعتاد السوريون على ممارستها منذ زمن بعيد، خلال شهر رمضان من كل عام، وشهدت مناطق كثيرة في إدلب والمخيمات، حملات مبادرات إنسانية وتطوعية لمساعدة الفقراء.
وقالت أم حمزة (34 عاماً)، نازحة من ريف حماة وتعيش في مخيم الوردة شمال إدلب، إن «شهر رمضان هذا العام هو الشهر الخامس الذي تقضيه وأسرتها في مخيمات النزوح، بعد أن نزحت من بلدتها كفرزيتا بريف حماة، وقضاء شهر رمضان بعيداً عن المنزل والموطن الأصلي يتسبب بحالة حزن في أعماقنا، إلا أن التراحم الذي نشهده بين الناس خلال الشهر المبارك، يخفف من أحزاننا، وشوقنا لبلادنا، حيث بادر البعض من أصحاب الخير، بجمع مبالغ مالية وجرى توزيعها قبل بدء شهر رمضان بيوم واحد على الأسر الفقيرة، لمساعدتهم في توفير الغذاء، إضافة إلى توزيع التمور من قبل بعض المؤسسات الإنسانية في المنطقة».

مبادرات إنسانية
وأعلن مشفى «الشفاء» في محافظة إدلب عن استقبال كافة المرضى المحتاجين لإجراء عمليات القسطرة القلبية وتقديم التشخيص بشكل مجاني للمرضى خلال أيام شهر رمضان المبارك، واستعداده لاستقبال كافة المرضى المحتاجين لإجراء عمليات زرع شبكات بشكل مجاني للحالات الإسعافية.
ولاقت المبادرة حالة رضا كبيرة بين الأهالي، تدفع للتخفيف من معاناتهم خلال شهر رمضان المبارك في ظل الظروف المعيشية الصعبة، التي يعانون منها.
من جهتهم، أعلن نحو أكثر من 40 شخصاً من أصحاب المنازل المأجورة في مدن أريحا وإدلب، خلال اليوم الأول من شهر رمضان، إعفاء المستأجرين من أجور المنازل خلال الشهر، للتخفيف من أعباء تكاليف الحياة المعيشية الصعبة، والغلاء في أسعار السلع الغذائية.
وقال أبو عبدو (55 عاماً): «شهدت أسواق مدينة إدلب خلال اليوم الأول إقبالاً جيداً من قبل المواطنين على التسوق وشراء المأكولات، بعد أن بادر عدد كبير من أصحاب المحال التجارية والجزارين، إلى تخفيف نسبة الأرباح المضافة على أسعار السلع الغذائية واللحوم.

القامشلي
وشهدت الأسواق المركزية في مدينة القامشلي ازدحاماً غير مسبوق وإقبالاً شعبياً في أول أيام شهر رمضان، تزامنت مع ارتفاع شديد في الأسعار بشكل عام والسلع الغذائية والمواد الخاصة بالشهر الفضيل.
ويواجه سكان المنطقة أسوأ أزمة اقتصادية على مدار الأعوام الماضية جراء انخفاض العملة السورية وتصاعد الأسعار بشكل كبير بعد الغزو الروسي لأوكرانيا الشهر الماضي، ونقل تجار إن الحرب الروسية تسببت في زيادة الأسعار بنحو 30 في المائة، مما أضعف الأجواء الاحتفالية عند الناس التي عادة ما يخلقها شهر رمضان.
وقال سعد الدين (48 سنة) صاحب محل سمانة يقع في السوق المسقوفة وسط مدينة القامشلي: «أكثر المواد التي شهدت ارتفاعاً كانت الزيوت والسمنة والأرز والبرغل والبقوليات عموماً، أما التمور ارتفعت كثيراً لتباع علبة 5 كيلو بنحو 35 ألفاً»، ما (تعادل 10 دولارات أميركية)، فيما أشار خضر (55 عاماً) والذي يمتلك متجراً للغذائيات إلى أن أغلب زبائنه هذا العام بشهر رمضان فضلوا شراء كميات أقل بسبب ارتفاع الأسعار ليقول: «سابقاً الناس كانت تشتري بالجملة في رمضان لكن هذا العام يشترون بالكيلو ونصف كيلو بسبب الغلاء الفاحش»، ويعزو التجار ارتفاع السلع والمواد الأساسية إلى زيادة تكاليف النقل وطول الطرق وعدم استقرارها، إضافة لتقلب سعر صرف العملات الأجنبية وسجل الدولار الأميركي في الأسواق المحلية بحدود 3800 ليرة وكان قبل 2011 يتراوح سعره 47 ليرة سورية.
وحاولت منال (35 سنة) المتحدرة من القامشلي وتعمل موظفة في دائرة تابعة للإدارة الذاتية شراء متطلبات المنزل من مواد أساسية وبعض اللحوم لإعداد وجبة الإفطار. وبعد استفسار عن سعر كيلو اللحم الذي تجاوز 20 ألف ليرة سورية وسعر كيلو الفروج الذي ارتفع إلى 7 آلاف ليرة، خفضت من الكمية التي كانت مقررة شراءها وأثناء حديثها ارتسمت علامات الحيرة على وجهها وهي تدفع النقود للحام، لتقول: «لا أشتري اللحمة إلا في أطعمة محددة وآخذ بالوقية من أجل تغيير نكهة الطعام، عكس ما كنت عليه سابقاً حيثُ كنت أشتري اللحمة بالكيلوغرامات شهرياً».
وبحسب أصحاب مذابح الدجاج فقد ارتفعت أسعار المنتجات الحيوانية والدواجن بمتوسط نحو 500 في المائة، إذ وصل سعر الفرّوج الحي إلى حدود 7100 ليرة سورية، وطبق البيض ارتفع إلى 10 آلاف ليرة، وهذه الأسعار شهدتها المنطقة لأول مرة منذ بداية الأزمة السورية.



هجمات الحوثيين تدفع آلاف اليمنيين لعبور البحر غرباً

صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)
صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)
TT

هجمات الحوثيين تدفع آلاف اليمنيين لعبور البحر غرباً

صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)
صبي يمني يمر جوار مساعدات غذائية في مخيم للفارين من هجمات الحوثيين قرب عدن (رويترز)

لم يعد عبور خليج عدن بالنسبة إلى آلاف اليمنيِّين مجرد رحلة محفوفة بالمخاطر، بل تحوَّل بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى طريق اضطراري بحثاً عن الأمان، بعد سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي واتساع نطاق المواجهات غرب تعز وأطراف لحج؛ حيث مرتفعات شرق باب المندب.

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أعداد اليمنيِّين الواصلين إلى جيبوتي تجاوزت أعلى معدل يومي سُجِّل منذ عام 2015، مشيرة إلى أنها وشركاءها يستعدون لاستقبال أكثر من 10 آلاف لاجئ، مع توقُّع تحسُّن الظروف البحرية بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بما قد يتيح مزيداً من عمليات العبور.

ومع تجدُّد العنف، لم تعد تداعيات الأزمة محصورة داخل اليمن، إذ أدت المواجهات إلى زيادة حركة التنقل عبر الحدود، لا سيما باتجاه منطقة القرن الأفريقي، حيث يبحث الفارون عن ملاذ آمن خارج البلاد.

توقعات بوصول 10 آلاف لاجئ يمني إلى جيبوتي نتيجة تصعيد الحوثيين (الأمم المتحدة)

وحتى 18 سبتمبر (أيلول)، سُجِّل وصول 3601 شخص جديد من اليمن إلى جيبوتي، بينما تستضيف الدول المجاورة آلاف اللاجئين وطالبي اللجوء اليمنيِّين، بينهم نحو 4 آلاف شخص في جيبوتي و8 آلاف في الصومال.

وتعكس هذه الأرقام اتساع البُعد الإقليمي للأزمة اليمنية، والحاجة إلى استمرار الدعم الإنساني وجهود الحماية في اليمن والدول المجاورة على حد سواء.

مناشدة أممية

قالت المفوضية الأممية إن مكتبها في جيبوتي لم يتلقَّ سوى 15 في المائة من التمويل المطلوب، وناشدت توفير 13.5 مليون دولار بصورة عاجلة لضمان حصول الوافدين الجدد على التسجيل والاستقبال والحماية والخدمات الأساسية الأخرى.

واستجابة للتطورات الأخيرة، أعلنت المفوضية حالة طوارئ من المستوى الأول في اليمن وجيبوتي والصومال، بما يتيح حشد الموارد والكوادر بسرعة، وتعزيز الاستجابة الإنسانية من خلال المساعدات النقدية والمأوى وخدمات الحماية.

وحذَّرت المفوضية من أن احتدام القتال في اليمن قد يؤدي إلى موجات نزوح واسعة النطاق، مع توقع فرار أعداد متزايدة من السكان داخل البلاد وعبر باب المندب إلى جيبوتي والصومال ودول أخرى.

وأعربت عن بالغ قلقها إزاء التأثير المتزايد للنزاع على المدنيِّين، بما في ذلك تسارع حركة النزوح وما يرافق ذلك من معاناة واحتياجات إنسانية متزايدة.

مخيم للنازحين من الساحل الغربي اليمني أُقيم في ضواحي مدينة عدن (إعلام حكومي)

وبحسب المفوضية، اتسع القتال عبر جبهات متعددة؛ ما أدى إلى تفاقم أزمة النزوح، ودفع أكثر من 130 ألف شخص إلى الفرار من منازلهم منذ بداية سبتمبر الحالي. وقالت إن المدنيِّين يتحملون العبء الأكبر من النزاع، إذ أُبلغ عن سقوط ما لا يقل عن 110 ضحايا، بينهم 28 قتيلاً.

وأبدت المفوضية قلقها من احتمال ارتفاع أعداد الضحايا والنازحين خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يزيد الاحتياجات الإنسانية في وقت تعيق فيه الأوضاع الأمنية والقيود المفروضة على الوصول جهود الإغاثة.

تعز في الواجهة

تظلُّ محافظة تعز (جنوبي غرب) في قلب الأزمة، إذ سجَّلت أكثر من 60 في المائة من إجمالي حالات النزوح القسري. ولا تزال كثير من الأسر النازحة داخل المحافظة نفسها عاجزةً عن الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً؛ بسبب استمرار القتال وإغلاق الطرق ونقص وسائل النقل والوقود.

كما سُجِّلت حالات نزوح في محافظات الجوف ومأرب والحديدة، في انعكاس لاتساع رقعة المواجهات وتعدد جبهات القتال.

وفي المقابل، وجدت غالبية الأسر النازحة حديثاً ملاذاً في محافظات عدن ولحج وأبين والضالع، إضافة إلى مأرب، حيث استقبلت هذه المناطق أكثر من 90 ألف شخص.

70 % من الأسر اليمنية النازحة تقيم في أماكن غير ملائمة للسكن (إعلام محلي)

لكن الوصول إلى هذه المناطق لا يعني انتهاء المعاناة؛ فكثير من الأسر تصل إلى مواقع نزوح مكتظة أصلاً، وهي بحاجة عاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية والحماية، ما يضيف ضغوطاً جديدة على الخدمات والبنية التحتية الهشة.

وحتى قبل التصعيد الأخير، كان أكثر من 5.2 مليون شخص نازحين داخلياً في اليمن، بينما يعيش أكثر من 22 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة الإنسانية، بينهم النازحون داخلياً، ونحو 65 ألف لاجئ وطالب لجوء، معظمهم من الصومال وإثيوبيا.

ونظراً إلى أن أكثر من 70 في المائة من الأسر النازحة تقيم في خيام هشة أو أماكن غير ملائمة للسكن، تم تأمين التمويل اللازم لتقديم مساعدات نقدية تساعد 500 أسرة نازحة في عدن ولحج على الحصول على سكن مؤقت، وفق البيانات الأممية.


إفشال تسلل حوثي لقطع شريان تعز الوحيد إلى عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
TT

إفشال تسلل حوثي لقطع شريان تعز الوحيد إلى عدن

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الهجمات الحوثية في جبهات تعز (إعلام عسكري)

انتقلت المواجهات بين القوات الحكومية اليمنية وجماعة الحوثيين إلى محيط طريق «هيجة العبد» الرابط بين تعز وعدن، بعدما أحبطت القوات محاولات تسلل حوثية في جبهتي حيفان، والمقاطرة، وأعلنت تأمين الطريق أمام حركة المواطنين، والمسافرين.

وتشير التطورات الميدانية إلى سعي الجماعة الحوثية إلى الضغط على خطوط الحركة جنوب شرقي تعز، بعدما واجهت صعوبة في تحقيق تقدم عبر الجبهات الغربية للمحافظة، حيث تصدت القوات الحكومية والمقاومة لمحاولات التوغل خلال الأسابيع الماضية.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية، الخميس، تأمين منطقة وادي المقاطرة في جبهة حيفان، والطريق الحيوي الرابط بين عدن ولحج وتعز، عقب كسر محاولات تسلل حوثية في المنطقة. وقال الناطق باسم القوات المسلحة العقيد الركن ماجد النزيلي إن وحدات من محور تعز ومحور طور الباحة وألوية العمالقة، بإسناد من المقاومة الشعبية، تصدت للمهاجمين، وأجبرتهم على التراجع.

وأضاف النزيلي أن القوات أحبطت كذلك هجوماً حوثياً على عزلة الأحكوم في مديرية حيفان، وألحقت بالمهاجمين خسائر بشرية، ومادية، قبل أن تنسحب العناصر المهاجمة من المنطقة من دون تحقيق تقدم ميداني، وفق الرواية العسكرية الحكومية. وأشار إلى أن القوات عززت انتشارها في كامل جبهة حيفان عقب المواجهات.

خط «هيجة العبد» الطريق الوحيد الذي يربط تعز بالمناطق اليمنية المحررة (فيسبوك)

وفي مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، أفادت مصادر عسكرية بإحباط محاولة تسلل أخرى في منطقة الأشبوط وهيجة العبد، بعد اشتباكات مع عناصر حوثية حاولت الاقتراب من الطريق، والتمركز في مواقع قريبة منه. وأكدت المصادر أن القوات تمكنت من تأمين المنطقة، وفتح الطريق أمام حركة المسافرين بعد انتهاء المواجهات.

وبحسب الرواية العسكرية، حاولت العناصر الحوثية التقدم عبر سائلة هيجة العبد من جهة الأكبوش، في محاولة لتهديد الطريق، وقطع حركة المسافرين. وتكتسب هذه المحاولة أهمية ميدانية نظراً إلى أن الطريق يمثل أحد خطوط الربط الرئيسة بين تعز والمناطق الجنوبية، ويتيح حركة المدنيين والبضائع بين تعز، ولحج، وعدن.

تغيير اتجاه الهجمات

تأتي هذه التطورات بعد أسابيع من المعارك التي امتدت على الجبهات الغربية والجنوبية الغربية لتعز، وفي مناطق الساحل الغربي المؤدية إلى باب المندب. ومع استمرار القتال في تلك المحاور، برزت جبهة حيفان والمقاطرة كمسار آخر للضغط على خطوط الحركة المرتبطة بمدينة تعز.

وكانت القوات الحكومية قد أعلنت خلال الأيام الماضية استعادة مواقع، وصد هجمات حوثية في عدد من الجبهات المحيطة بتعز، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت تجمعات ومواقع عسكرية للجماعة في البرح، والوازعية، فضلاً عن إسقاط طائرات مسيّرة استخدمتها الجماعة في محيط الكدحة، والجبهات القريبة من المدينة.

وفي الساعات الأربع والعشرين الماضية، قالت مصادر عسكرية إن المواجهات تركزت في الأحطوب، والكدحة، والضباب، والصلو، والجبهة الشرقية لمدينة تعز، واستخدمت خلالها أسلحة مختلفة.

ضربات جوية تستهدف القدرات الحوثية والتعزيزات في جبهات تعز (إعلام عسكري)

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ غارات جوية على مواقع وتجمعات حوثية في المحافظة، بينها غارات على تجمعات ومخازن أسلحة في البرح، وأخرى استهدفت اجتماعاً لقيادات حوثية في الوازعية، وفق المصادر العسكرية الحكومية.

وتأتي هذه العمليات في سياق أوسع من المواجهات التي تشهدها تعز منذ أسابيع، مع انتقال ثقل المعارك بين أكثر من محور، ومحاولة كل طرف الحفاظ على خطوط الإمداد، والحركة، والمواقع المرتفعة المطلة على الطرق الرئيسة.

طريق تحت الضغط

يمثل طريق هيجة العبد أهمية خاصة بالنسبة إلى تعز، باعتباره ممراً حيوياً للحركة بين المحافظة والمناطق الجنوبية، خصوصاً في ظل التغيرات التي طرأت على خطوط الوصول إلى المدينة ومحيطها خلال المعارك الأخيرة.

وكانت القوات الحكومية قد واجهت خلال الفترة الماضية محاولات حوثية للتقدم في مناطق غرب تعز، والريف الجنوبي، في وقت أدى فيه اتساع نطاق المواجهات في الساحل الغربي إلى زيادة أهمية الطرق الداخلية التي تربط تعز بالمناطق الواقعة جنوباً.

ومن ثم، فإن محاولة الاقتراب من هيجة العبد لا تقتصر على استهداف موقع عسكري، بل ترتبط كذلك بالضغط على طريق يستخدمه المدنيون، والمسافرون، وحركة الإمداد بين المحافظات.

جندي من قوات الحكومة اليمنية داخل عربة عسكرية في إحدى جبهات تعز (أ.ف.ب)

وتقول القوات الحكومية إن محاولات التسلل الأخيرة جاءت بعد إخفاق الحوثيين في تحقيق أهدافهم عبر المواجهة المباشرة في عدد من جبهات حيفان، والأحكوم، وإن الجماعة تبحث عن ثغرات يمكن من خلالها تهديد خطوط الحركة، والطرق الحيوية.

وفي المقابل، عززت القوات الحكومية انتشارها في حيفان، والمقاطرة، وأعلنت استمرار عمليات التأمين على امتداد الطريق، في محاولة لمنع تحول المواجهات الجبلية إلى تهديد مباشر لحركة المدنيين.

وبالتزامن مع المعارك البرية، استمر الطيران الحربي في استهداف مواقع الحوثيين في محيط تعز. وقالت المصادر العسكرية إن الغارات طالت تجمعات ومخازن أسلحة في منطقة البرح، إضافة إلى مواقع في الوازعية، بينما تعاملت القوات مع محاولات استخدام الطائرات المسيّرة في الكدحة، والجبهات المحيطة بالمدينة.


التعبئة الحوثية تمتد إلى تجنيد عمال النظافة

الحوثيون أخضعوا عمالاً في قطاع النظافة بتعز للتعبئة القتالية (فيسبوك)
الحوثيون أخضعوا عمالاً في قطاع النظافة بتعز للتعبئة القتالية (فيسبوك)
TT

التعبئة الحوثية تمتد إلى تجنيد عمال النظافة

الحوثيون أخضعوا عمالاً في قطاع النظافة بتعز للتعبئة القتالية (فيسبوك)
الحوثيون أخضعوا عمالاً في قطاع النظافة بتعز للتعبئة القتالية (فيسبوك)

أخضعت الجماعة الحوثية مئات العاملين في قطاعي النظافة والتحسين بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وأجزاء من محافظة تعز لحملات تعبئة عسكرية، أجبرتهم خلالها على ترك أعمالهم والالتحاق بدورات تدريبية قتالية، في وقت أدى فيه غياب عدد من عمال النظافة إلى تراكم المخلفات في أحياء من صنعاء.

وخلال الأيام الأخيرة، دفعت الجماعة بنحو 700 موظف وعامل نظافة في صنعاء وتعز إلى المشاركة في دورات عسكرية مفتوحة، نُظمت في مناطق محيطة بالعاصمة ومواقع جبلية في أجزاء من تعز، تحت مسمى «دورات التعبئة العسكرية»، وبإشراف قيادات ميدانية ينحدر معظمها من محافظة صعدة، معقل الجماعة.

وفي صنعاء، أفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» بأن عشرات عمال النظافة، غالبيتهم من أبناء الفئة المهمشة، تمكنوا من مغادرة العاصمة والانتقال إلى مناطق أخرى، خشية إخضاعهم لحملات التعبئة والتجنيد، تاركين أعمالهم وذويهم.

وأرغمت الجماعة نحو 500 موظف وعامل في صندوق النظافة بصنعاء على المشاركة في تدريبات عملية على استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة. ووفق المصادر، صدرت توجيهات إلى الأجهزة الأمنية التابعة لها بتعقب العمال المتغيبين عن دورات التعبئة وملاحقتهم.

قطاع النظافة والتحسين في اليمن مستهدف حوثياً بالتجنيد والحشد (فيسبوك)

وأضافت المصادر أن الجماعة أوقفت عشرات الموظفين في الإدارة العامة لصندوق النظافة بصنعاء عن العمل وأحالتهم إلى التحقيق، على خلفية رفضهم المشاركة في الدورات التعبوية منذ انطلاقها.

وانعكست مغادرة العاملين على مستوى خدمات النظافة في العاصمة، مع تراجع أعمال رفع المخلفات وتراكم كميات من القمامة في مناطق متفرقة.

وشكا سكان في مديريات صنعاء القديمة والوحدة ومعين وآزال والثورة من تراكم أكوام النفايات منذ أيام، وقالوا إن المخلفات غطّت أجزاء من شوارع رئيسية وأحياء سكنية، بالتزامن مع اختفاء عمال النظافة من عدد من المناطق.

وأبدى السكان مخاوف من أن يؤدي استمرار تراكم النفايات إلى تفاقم المخاطر الصحية والبيئية، خصوصاً في ظل انتشار الأمراض والأوبئة في البلاد، مطالبين الجماعة الحوثية بتحمل مسؤولياتها تجاه الخدمات الأساسية والإسراع في رفع المخلفات من الشوارع ومحيط المنازل.

تعبئة في تعز

وفي محافظة تعز، التي يُسيطر الحوثيون على أجزاء منها، استهدفت حملات التجنيد خلال الفترة الأخيرة أكثر من 200 موظف وعامل في قطاعات النظافة والتحسين والصرف الصحي، وفق مصادر محلية، في مسعى لتعويض النقص في أعداد مقاتلي الجماعة والدفع بعناصر جديدة إلى جبهات القتال، خصوصاً في المناطق الغربية من المحافظة.

وبثت قناة «المسيرة» التابعة للجماعة مشاهد مصورة تظهر مئات من عمال النظافة والتحسين والصرف الصحي في تعز وهم يخضعون لتدريبات قتالية وأخرى على استخدام الأسلحة في إحدى المناطق الجبلية، وسط استعدادات للدفع بعدد منهم إلى خطوط التماس في جبهات تعز ومواقع أخرى.

مديرو إدارات في صندوق النظافة بصنعاء يخضعون لتدريبات عسكرية (إعلام حوثي)

وقال عاملون في قطاعي النظافة والصرف الصحي بتعز إن قيادات حوثية ألزمتهم في وقت سابق بحضور دورات عسكرية ميدانية وبرامج ومحاضرات ذات طابع تعبوي، تضمنت الترويج لأفكار الجماعة وتمجيد زعيمها، وتأكيد أحقيته في حكم اليمن.

وقال «أدهم»، وهو أحد المشرفين على عمال النظافة في تعز، إنه تعرّض، إلى جانب زملائه، لضغوط وتهديدات لإجبارهم على المشاركة في الدورات العسكرية والتعبوية.

وأضاف أن الأولى كان توجيه هذه الجهود إلى تحسين مستوى النظافة ورفع المخلفات من الشوارع والأحياء حفاظاً على صحة السكان، بدلاً من إخضاع العاملين في القطاع لتدريبات عسكرية.

واتهم أدهم الجماعة بعدم إيلاء الأوضاع الصحية والخدمية للسكان الاهتمام الكافي، وقال إن سياساتها أدَّت إلى مزيد من التدهور في الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها النظافة والصرف الصحي، في حين تُوجه موارد هذه القطاعات إلى ما تسميه الجماعة «المجهود الحربي».

خدمات تحت الضغط

ويعاني عمال النظافة في المناطق الخاضعة للحوثيين منذ سنوات أوضاعاً معيشية ووظيفية صعبة، في ظل تراجع الأجور وتدهور ظروف العمل وغياب الحماية الكافية.

ومع استمرار هذه الظروف، يواجه العاملون في القطاع ضغوطاً إضافية نتيجة إخضاعهم لحملات التعبئة والتجنيد، الأمر الذي يُهدد بمزيد من التراجع في مستوى خدمات النظافة داخل المدن.

سكان في صنعاء يشكون من تراكم النفايات وسط حملة تجنيد عمال النظافة (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية وتكثيف الجماعة جهودها لاستقطاب فئات اجتماعية تعاني الفقر والهشاشة الاقتصادية، مستفيدة من حاجتها إلى العمل ومصادر الدخل بهدف إمداد صفوفها بعناصر جديدة.

ويرى مراقبون أن استهداف العاملين في قطاعات النظافة والتحسين والصرف الصحي يعكس اتساع نطاق حملات التجنيد الحوثية، ووصولها إلى قطاعات مدنية وخدمية يفترض أن تبقى بعيدة عن الصراع العسكري.