المفوضية: لا مؤشرات بين دول أوروبا على مواجهة مشكلات في إمدادات الغاز

شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)
شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)
TT

المفوضية: لا مؤشرات بين دول أوروبا على مواجهة مشكلات في إمدادات الغاز

شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)
شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي (يمين) وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل بدء القمة (إ.ب.أ)

استبقت مصادر رسمية فرنسية القمة الأوروبية - الصينية، التي التأمت أمس عن بعد، وضمت من الجانب الأوروبي رئيس المجلس شارل ميشال ورئيسة المفوضية أورسولا فون دير لايين ووزير الخارجية جوزيب بوريل، بالكشف عن الرسالتين الرئيسيتين اللتين يشدد عليهما القادة الأوروبيون. وقوام الرسالة الأولى، في أول قمة تلتئم بين الطرفين منذ عامين، الطلب من بكين استخدام «العلاقة الخاصة» التي تربطها بموسكو من أجل دفع الرئيس فلاديمير بوتين إلى وضع حد للحرب على أوكرانيا التي دخلت يومها الـ38، والرسالة الثانية التأكيد على أن لا مصلحة للصين في استمرار الحرب لأنها، إلى جانب ما تحمله من اهتزاز للنظام الدولي وضرب الأسس التي يقوم عليها، فإنها تصيب الاقتصاد العالمي والحركة التجارية وبالتالي فإن بكين متضررة منها كما بقية الدول وعلى رأسها الدول الأوروبية. وتعتبر المصادر المشار إليها أن «لا مصلحة للصين» في الالتصاق بروسيا وأن تحليل مواقفها في مجلس الأمن والأمم المتحدة تبين أنها تريد المحافظة على «مسافة محددة» من روسيا والدليل أنها امتنعت عن التصويت ضد أول مشروع قرار طرح في مجلس الأمن الذي يدين موسكو ويدعوها لوقف الحرب كما أنها التزمت الخط نفسه في الجمعية العامة، أكثر من مرة، حيث لم تنضم إلى الدول الأربع التي وقفت إلى جانب موسكو وهي سوريا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية وإثيوبيا والتزمت الامتناع عن التصويت. ولدى سؤاله الأربعاء عما تتوقعه القيادة الصينية من القمة، لم يتطرق متحدث باسم الخارجية الصينية أبداً لموضوع أوكرانيا بالاسم. وقال المتحدث وانغ وينبين: «إن الوضع الدولي غير مستقر ومتوتر، والغموض يتزايد»، مضيفاً: «إن الصين والاتحاد الأوروبي قوتان أساسيتان لإرساء السلام في العالم»، لكن مسؤولاً كبيراً في الاتحاد الأوروبي شدد على ضرورة «أن تدرك الصين أن (...) للغزو الروسي لأوكرانيا تأثيراً على علاقات الاتحاد الأوروبي مع الصين».

أوروسولا دير فون لاين رئيسة المفوضية الأوروبية وإلى جانبها في القمة الافتراضية رئيس الوزراء الصيني لي كه شيانغ (إ.ب.أ)

وقال الوزير الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية كليمان بون: «نحث الصين على ممارسة دورها، أي أن تكون إلى جانب مبادئ القانون الدولي دون غموض، وأن تمارس كل التأثير والضغط الضروريين على روسيا». وأضاف: «لم يكن هذا هو الهدف الأساسي للقمة لكنه طبعاً أصبح واحداً»، مشدداً على أن مواضيع أخرى مثل المناخ والتجارة «لن تكون غائبة». وتُعقد القمم الصينية الأوروبية عادة لتعزيز العلاقات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي، لكن فرض عقوبات متبادلة العام الماضي على خلفية معاملة الصين لأقلية الأويغور المسلمة، والتي تلاها حظر الواردات من ليتوانيا للصين على خلفية فتح بعثة دبلوماسية لتايوان في فيلنيوس، أفسد الاستعدادات للاجتماع في حينها. وجاء تراجع العلاقات مفاجئاً بعد أن كان الاتحاد الأوروبي والصين قد أبرما صفقة استثمارية في أواخر العام 2020 سعت إليها ألمانيا منذ فترة طويلة.
وبدأت أوروسولا دير فون لاين رئيسة المفوضية الأوروبية وشارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي وجوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي المحادثات عبر الإنترنت مع رئيس الوزراء الصيني لي كه شيانغ. ومن المقرر أن يتحدثوا في وقت لاحق إلى رئيس الصين شي جين بينغ. وكان قد قال وزير خارجية الصين وانغ لي الأربعاء في اجتماع مع نظيره الروسي سيرغي لافروف إن «تعاون الصين - روسيا لا حدود له»، مكرراً جملة استخدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ، لكنه كرر دعوة بلاده لإجراء محادثات سلام قريباً، مضيفاً أنه يتعين مراعاة المخاوف المشروعة لكل الأطراف. وكانت العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي متوترة بالفعل قبل الحرب الأوكرانية. وضغط قادة الاتحاد الأوروبي في الأمس على بكين لتقديم ضمانات بأنها لن تمد روسيا بالأسلحة ولن تساعدها في التحايل على العقوبات الغربية المفروضة عليها بعد غزوها أوكرانيا. وفي لهجة صريحة بخلاف المألوف، قال مسؤولون أوروبيون مطلعون إن أي مساعدة لروسيا ستضر بسمعة الصين على الساحة الدولية وستفسد العلاقات مع أكبر شريكين تجاريين، وهما الولايات المتحدة وأوروبا.
ومنذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، يسعى الغربيون، بكافة الوسائل، إلى منع الصين من الوقوف جدياً إلى جانب روسيا تجارياً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً رغم وعيهم للعلاقة «الاستراتيجية» التي تربط الطرفين. وفي أي حال، ترى باريس أن الحرب الجارية على الأراضي الأوروبية لا تهم أوروبا وحدها بل «كافة دول العالم» لأن أساسها انتهاك سيادة وحدود دولة مستقلة بقوة السلاح وتهديم للبناء الذي أقيم في أوروبا منذ عام 1945 أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وأفادت المصادر الدبلوماسية الفرنسية أن أحد اهتمامات الأوروبيين، إلى ما سبق، دفع الصين للمشاركة في الجهود الآيلة إلى التخفيف من وقع الأزمة الغذائية العالمية التي بدأت مؤشراتها تظهر تباعاً بسبب الحرب وصعوبة استمرار أوكرانيا في تصدير القمح والذرة والحبوب الأخرى ما يعني وجود نقص في السوق وارتفاع الأسعار واحتمال اندلاع «ثورات الجوع» في العديد من الدول. ويقدر برنامج الغذاء العالمي أن الحرب الجارية يمكن أن تتسبب بمجاعة قد تصيب 400 مليون نسمة في أنحاء كثيرة من العالم أهمها في أفريقيا. وما تريده باريس أن تسهم الصين في التخفيف من وطأة الأزمة عن طريق الإفراج عن بعض احتياطيها من القمح المقدر بعشرة ملايين طن. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس ماكرون أطلق الأسبوع الماضي، عقب انتهاء اجتماعات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، مبادرة تضم الـ27 الأوروبيين ومجموعة السبع والاتحاد الأفريقي إضافة إلى دول أخرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند والمنظمات الدولية «منظمة الغذاء والزراعة الدولية والبنك الدولي والمنظمات الإقليمية». وتقوم هذه المبادرة، كما شرحتها مصادر الإليزيه، على ثلاثة أعمدة: تجاري «تحرير الاحتياطي من الحبوب ورفع العقبات أمام التصدير» وتضامني «زيادة الإنتاج وتوزيع الفائض على الدول المحتاجة» وأخيراً زراعي «زيادة مساحة الأراضي المزروعة...». وثمة من يقيم مقارنة بين المبادرة الأوروبية وبين آلية «كوفاكس» التي ترعاها منظمة الصحة الدولية لتمكين الدول المحتاجة من الحصول على اللقاحات ضد فيروس (كوفيد - 19).
تنظر باريس بكثير من الشك إلى ما يصدر عن موسكو إن بخصوص المفاوضات الجارية مع أوكرانيا أو بخصوص التحركات الميدانية للقوات الروسية. وقالت مصادر دبلوماسية إنه من الواضح أن الجانب يوظف ما يعلنه عن المفاوضات في إطار «حملة علاقات عامة» وأن الشروط الضرورية لمفاوضات ناجحة ليست متوافرة. وتشدد باريس على الحاجة أولاً إلى وقف لإطلاق النار ورفع الحصار عن المدن المحاصرة وتسهيل خروج السكان وإيصال المواد الغذائية والأدوية. وقالت المصادر الدبلوماسية إن ما تقترحه موسكو «حالة الصمت» أي وقف إطلاق النار لأربع ساعات لمدينة ماريوبول المحاصرة وإقامة «ممر آمن» غير كافٍ للاستجابة للمبادرة التي أطلقها الرئيس ماكرون بالتعاون مع تركيا واليونان.
وكان ماكرون قد عرض الثلاثاء الماضي للرئيس بوتين، خلال اتصال هاتفي، الشروط لنجاح «إجلاء آمن» للمواطنين الراغبين في الخروج، إلا أن مسعى الرئيس الفرنسي لم يلاق تجاوباً من نظيره الروسي. وقالت المصادر الرئاسية إن الشروط الثلاثة التي طلبها ماكرون من الجانب الروسي «أي وقف إطلاق النار وحرية تحرك المدنيين وحرية إيصال المساعدات الإنسانية» «لم تتوافر» وبالتالي فإن عرض موسكو لا يمكن اعتباره استجابة للطلب الثلاثي الذي نقله ماكرون. وبأي حال، تلاحظ المصادر الدبلوماسية الفرنسية أن موسكو «تعيد استخدام التكتيكات التي كانت تلجأ إليها القوات الروسية في سوريا «لجهة الإعلان عن ممرات آمنة ثم إلصاق تهمة تعطيلها بالطرف الآخر». وترى في البيان الصادر الأربعاء عن وزارة الدفاع الروسية تأكيداً لتحليلها؛ إذ رمى سلفاً تهمة التعطيل على المجموعات القومية النازية.
أما في الجانب العسكري، فإن المصادر الفرنسية تعتبر أنه حتى اليوم «ليس هناك ما يؤكد وجود تغير استراتيجي في المقاربة الروسية أو أن أهداف الحرب قد تبدلت حقيقة». وتتوافق التقديرات الفرنسية مع ما صدر عن الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في الأيام القليلة الماضية بشأن ما تشهده الساحة الأوكرانية. وتتساءل باريس عما إذا كانت التحركات العسكرية التي يمكن رصدها ميدانياً سواء أكانت في محيط كييف وشمال البلاد أو في الجنوب الشرقي والشرق بمثابة «إعادة تموضع» أو «استبدال وحدات بأخرى» أم أنها انسحاب حقيقي لها خصوصاً أن لا هدنة قائمة ولا حتى وقف لإطلاق النار. وتميل المصادر الفرنسية إلى اعتبار ذلك بمثابة «بروباغندا» ذات أهداف دعائية ليس غير.
يبقى أن باريس تنظر بكثير من الارتياح إلى أداء الدولة الأوكرانية التي بقيت واقفة على قدميها ولم يصبها الانهيار بعد أكثر من شهر من المعارك حيث إن الإدارة ما زالت تقوم بمهامها. كذلك نوهت بأداء القوات المسلحة الأوكرانية ميدانياً وباستمرار تماسك التسلسل الهرمي والقيادة حيث ما زال الجيش الأوكراني يتصرف كجيش نظامي وليس كمجموعات مقاتلة متشرذمة.
وأمس اتصل الرئيس ماكرون مجدداً بنظيره الأوكراني في اليوم التالي لتواصل مماثل بين وزيري خارجية البلدين. واستقبل الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه عمدة مدينة مليتوبول إيفا فيديروف مصحوباً بأربعة نواب نساء للاستماع لشهاداتهم والتعرف منهم على حقيقة الوضع الميداني.


مقالات ذات صلة

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

وقّعت أوكرانيا وألمانيا صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار للمساعدة في التصدي للهجمات الروسية، فيما تزامنت زيارة للمستشار الألماني ميرتس مع ضربات جديدة في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف (الكرملين - د.ب.أ) p-circle

ميدفيديف يحذر من «حرب فضائية» حال تعطيل الأقمار الاصطناعية الروسية

حذر نائب رئيس مجلس الأمن دميتري ميدفيديف من «حرب فضائية شاملة» وسط دعوات أوكرانية لحجب خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الروسية الجديدة «راسفيت».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا يتفقد عناصر الشرطة الأضرار الناجمة عن هجوم بطائرة مسيّرة روسية استهدف «الجسر الشمالي» في كييف (أ.ف.ب)

روسيا ستكثّف ضرباتها على أوكرانيا رداً على تهديدات زيلينسكي

أعلنت روسيا أنها ستكثّف ضرباتها على البنى التحتية الأوكرانية، رداً على تصريحات للرئيس فولوديمير زيلينسكي توعّد فيها بزيادة هجمات كييف على مصافي النفط الروس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس لدى وصوله إلى كييف (د.ب.أ)

استهداف جسر في كييف خلال زيارة المستشار الألماني

وصل المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، إلى كييف، اليوم (الأحد)، برفقة رؤساء تنفيذيين لشركات دفاع ألمانية، في بادرة دعم للرئيس الأوكراني مع تصاعد الهجمات الروسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا زحمة سير في كييف بعد قصف جسور (رويترز) p-circle

روسيا تجدد دعوة الدبلوماسيين والأجانب إلى مغادرة كييف

جددت روسيا، السبت، دعوتها الدبلوماسيين والأجانب الموجودين في كييف إلى المغادرة، محذرةً من أنها ستواصل شنّ «ضربات انتقامية واسعة النطاق» على العاصمة الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
TT

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)

قدم رئيس وزراء ساموا اعتذارا الاثنين، بعد انتشار مقطع فيديو له يظهره وهو يهتف «هايل هتلر» (يحيا هتلر) ويؤدي تحية نازية.

وقال لاأولي ليواتيا شميدت في بيان إن اللقطات تعود لتجمع عائلي جرى قبل نحو 20 عاما، ولم يكن مفترضا أبدا أن تظهر للعلن. وأوضح «تُظهر اللقطات ترديدي لعبارة هايل هتلر وقيامي بحركة مرتبطة بألمانيا النازية خلال تجمع عائلي خاص (...) لم يكن موجها للعامة».

وأضاف «مهما كان السياق أو القصد خلال هذا التجمع قبل عشرين عاما، فإنني أدرك أن تلك الكلمات والحركة كانتا غير لائقتين ومن شأنها أن تسببا الإساءة والألم، ولذا فإنني أعتذر عن استخدامها».

وكان شميدت قد أعرب سابقا عن دعمه القوي لإسرائيل، وتعهد بفتح سفارة في القدس قبل نهاية العام. وقال «أنا أرفض النازية ومعاداة السامية والعنصرية وجميع أشكال التطرف السياسي».

وكان شميدت قد ارتدى شال الصلاة اليهودي عند أدائه اليمين الدستورية رئيسا للوزراء عام 2025، حيث دخل القاعة على وقع صوت بوق الشوفار الاحتفالي. وقال حينها وفقا لوسائل إعلام محلية «أنا أقف إلى جانب إسرائيل، أرض الله». وتابع «ستقف ساموا وتدعم أرض الله المقدسة».

وتؤمن دول المحيط الهادئ الشديدة التدين مثل ساموا، بنبوءات العهد القديم التي تقول إن اليهود مقدر لهم أن يعودوا يوما ما إلى أرض إسرائيل.


النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.