مشهد سياسي جديد و«معركة شرعيات»... بعد حل البرلمان التونسي

مع إعادة فتح ملفات «التآمر على أمن الدولة»

مشهد سياسي جديد و«معركة شرعيات»... بعد حل البرلمان التونسي
TT

مشهد سياسي جديد و«معركة شرعيات»... بعد حل البرلمان التونسي

مشهد سياسي جديد و«معركة شرعيات»... بعد حل البرلمان التونسي

تباينت ردود الفعل على قرار الرئيس التونسي قيس سعيّد حلّ البرلمان التونسي، الذي سبق أن أمر بتجميده وغلق مقراته منذ أكثر من 8 أشهر. إذ رحّب بالقرار عدد من السياسيين، بينهم رئيسة الحزب الدستوري البرلمانية عبير موسي، في حين عارضه زعماء كبرى الأحزاب والكتل المعارضة ومقربون سابقون من الرئيس سعيّد، بينهم زعماء «الكتلة الديمقراطية» مثل الوزير السابق غازي الشواشي، والقيادي في حزب الشعب القومي العربي الوزير السابق سالم الأبيض، والحقوقي والوزير السابق المحسوب على «اليسار الراديكالي» محمد عبو وزوجته البرلمانية والمحامية سامية عبو حمودة.
لكن من بين المفاجآت أن كان من بين المرحّبين بقرار حل البرلمان سياسيون وبرلمانيون يعارضون بقوة قرارات الرئيس، لكنهم كشفوا عن أن هدفهم كان «دفعه» نحو إصدار قرار حل البرلمان قصد إنهاء «الإجراءات الاستثنائية» المعتمدة منذ 25 يوليو (تموز) الماضي؛ بحجة أن الدستور ينص على ذلك وعلى تنظيم انتخابات مبكرة في أجل أقصاه 3 أشهر.
وتعاقبت ردات الفعل على خطوة حل البرلمان التونسي، وعلى قرار غالبية النواب الذين حضروا جلسة عامة افتراضية إلغاء كل القرارات الرئاسية «الاستثنائية» التي صدرت خلال الأشهر الثمانية الماضية، بدعوة مخالفتها للقانون والدستور.
ردّ قصر قرطاج الرئاسي والسلطات الأمنية والقضائية في تونس على ردات الفعل ضد حل البرلمان، بما فيها قرارات نواب «الجلسة الافتراضية»، بخطوات شملت فتح تحقيق رسمي ضد عشرات من النواب والسياسيين بتهم «التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي» و«التواطؤ مع الخارج» و«التورط في أكثر من مائة ألف من الهجمات الإلكترونية على مواقع رسمية للدولة».
ورغم بعض بيانات المعارضين التي انتقدت قرار حل البرلمان «لأسباب دستورية وقانونية» كشف عدد كبير من قادة المعارضة عن تفاؤلهم بتغيير المشهد السياسي قريباً، وبقرب انتقال تونس من مرحلة «النزاع حول شرعية قرارات 25 يوليو» إلى طور تشكيل «جبهات سياسية» و«مشهد حزبي وطني جديد» للمشاركة في الانتخابات المبكرة التي من المقرر تنظيمها دستورياً في ظرف 3 أشهر.
وكان من بين مفاجآت ما بعد قرار حل البرلمان أن صدرت تصريحات عن نائب رئيس البرلمان طارق الفتيتي، وهو من بين خصوم حزب «حركة النهضة» الإسلامي ورئيسه راشد الغنوشي، أورد فيها أن «الهدف من الجلسة العامة الافتراضية التي نظمت الأربعاء 30 مارس (آذار)، والتي تولى رئاستها، كان (حلحلة الوضع) و(تغيير المشهد السياسي) و(استفزاز رئيس الدولة حتى يصدر قرار حل مجلس النواب ثم الدعوة إلى انتخابات مبكرة، فتنتهي مرحلة الاستثناء)».
انتخابات بعد 3 أشهر
لكن الرئيس قيس سعيّد استبعد «سيناريو» تنظيم الانتخابات في ظرف 3 أشهر، كما ينص على ذلك الفصل الـ89 من الدستور، علماً بأنه سبق له أن أصدر قراراً في سبتمبر (أيلول) الماضي أعلن فيه تجميده ما عدا الفصلين الأول والثاني حول الصبغة الجمهورية للدولة والهوية الوطنية العربية الإسلامية والحريات.
كذلك، تهجّم الرئيس سعيّد على بعض المعارضين الذين روّجوا لفصول القانون والدستور التي تنصّ على تنظيم انتخابات مبكرة في أجل يتراوح بين 45 يوماً و3 أشهر، وقال عنهم «إنهم واهمون». وتمسك بخريطة الطريق التي سبق أن أعلن عنها في العام الماضي، وهي تنص على تنظيم استفتاء شعبي على تعديل دستور 2014 يوم 25 يوليو، ثم انتخابات تشريعية يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين.
هذا، ورحبت أطراف سياسية ونقابية بتلك المبادرة بينما عارضتها قيادات النقابات وأحزاب عدة، وطالبت بالاستعاضة عنها بـ«خريطة طريق توافقية» يُتوصل إليها بعد «حوار وطني» و«مسار تشاركي». ويتزعم معارضي «مبادرة سعيّد» أمين عام نقابات العمال نور الدين الطبوبي ورئيسة الحزب الدستوري عبير موسي وزعماء المعارضة «الديمقراطية الاجتماعية» أحمد نجيب الشابي وخليل الزاوية وغازي الشواشي وعصام الشابي، إلى جانب قيادات «الائتلاف البرلماني الحاكم» قبل 25 يوليو، وخاصة أحزاب «قلب تونس» و«حركة النهضة» و«ائتلاف الكرامة» و«تحيا تونس».
تحسين شروط التفاوض

                                                      قيس سعيّد (أ.ف.ب)

هنا تُطرح بضعة أسئلة في الشارع التونسي حول المستقبل... بعد إصدار البرلمان «المجمَّد» قراراً بإلغاء كل الأوامر الرئاسية منذ 25 يوليو، ثم إصدار الرئيس «قرارات طوارئ» بحل البرلمان واتهام بعض النواب على القضاء بـ«التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي». وهل يتعلق الأمر بمجرد «تصعيد ظرفي بهدف رفع سقف المطالب»، أم تتجه الأوضاع نحو القطيعة والصدام بين السياسيين في مرحلة تمر فيها تونس بأكبر أزمة مالية واقتصادية في تاريخها؟
قادة اتحاد نقابات العمال ورجال الأعمال والفلاحون وعدد من قادة الأحزاب السياسية طالبوا مجدداً بـ«حوار وطني» يسفر عن توافق حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحة، وأيضاً حول تنظيم انتخابات مبكرة وتشكيل «حكومة تصريف أعمال قوية» أو «حكومة إنقاذ» تشرف على تنظيم الانتخابات مع «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات». إلا أن الرئيس التونسي كشف مراراً عن أن لديه تحفظات على هذه الهيئة العليا للانتخابات. كذلك، شكك في تصريحات باستقلالية المجلس الأعلى للقضاء المنتخب قبل حله مطلع العام الحالي.
وفي حين انحازت قيادات المؤسستين العسكرية والأمنية إلى الرئيس في صراعاته مع معارضيه، كشفت أوساط عديدة عن أن «بعض الأوساط الرسمية» تسعى لإعادة تكليف وزارة الداخلية بالإشراف على الانتخابات، على غرار ما كان معمولاً به قبل 2011، لكن غالبية الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وقيادات المنظمات الحقوقية والسياسية اعترضت على ذلك، واستدلت بتصريحات الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حول «تزييف وزارة الداخلية لكل الانتخابات في عهدي الرئيسين الأسبقين زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة»، أي لكل الانتخابات التي نُظمت ما بين 1959 و2010.
وفي سياق متصل، نصح مناصرون لفريق الرئيس سعيّد، مثل المستشار السابق في رئاسة الجمهورية طارق الكحلاوي، الرئاسة بالإحجام عن حل «هيئة الانتخابات المستقلة»، لا سيما، بعد الانتقادات الأوروبية والأميركية والدولية الكبيرة التي وجهت لتونس بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وتجميد الدستور والبرلمان وهيئة مكافحة الفساد والهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين. واستدل الكحلاوي بالزيارة الرسمية التي أدتها أخيراً إلى تونس مساعدة وزير الخارجية الأميركي المكلفة شؤون الأمن المدني والديمقراطية إزرا ضيا، التي صرحت بعد مقابلات مع رئيسة الحكومة نجلاء بودن ووزير الخارجية عثمان الجارندي ورئاسة هيئة الانتخابات أن حكومتها مستعدة لدعم تونس اقتصادياً- ولكن شرط العودة إلى المسار الديمقراطي البرلماني.
وقالت المسؤولة الأميركية، إن واشنطن تدعم هذه الهيئة مادياً ومعنوياً منذ 2011، وهي تدعو إلى أن تشرف على الانتخابات المقبلة، مثلما أشرفت على انتخابات 2011 و2014 و2019 البرلمانية والرئاسية وعلى الانتخابات البلدية في 2018، بما في ذلك تلك التي فاز فيها قيس سعيّد.
غير أن مواقع إعلامية رسمية وافتراضية محسوبة على «التنسيقيات» المساندة للرئيس سعيّد انتقدت تصريح المسؤولة الأميركية وطالبت بإعادة تكليف وزارة الداخلية بالإشراف على العملية الانتخابية. وجاء رد الرئيس على السياسيين التونسيين بنعتهم بـ«الخيانة الوطنية» لتعاملهم مع عواصم أجنبية، كما رد على ضيا وعلى أعضاء الكونغرس الأميركي والبرلمانات والحكومات الأوروبية بالقول «تونس دولة مستقلة وقرارها الوطني مستقل».
عريضة أساتذة القانون
من جانب آخر، شهدت الساعات التي عقبت الإعلان عن حل البرلمان تحركات بالجملة توشك أن تؤثر في المشهد السياسي، من بينها تحرك نفذه نحو 40 من كبار الحقوقيين وأساتذة القانون وعمداء كليات الحقوق والمسؤولين في قطاع القضاء. وأعلنت «عريضة الـ40» معارضة معظم القرارات التي صدرت منذ 25 يوليو، ومن بينها «إلغاء للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين» و«تجميد هيئة مكافحة الفساد» وحل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب (...) وصولاً إلى حل مجلس نواب الشعب وتكليف وزيرة العدل إسداء تعليماتها للنيابة العمومية «لتتبع النواب المشاركين في الجلسة العامة بتهمة تكوين وفاق للتآمر على أمن الدولة».
وقال موقّعو العريضة «نذكّر بأن الدستور هو عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكومين لا يمكن أن يكتسب صفته الديمقراطية إلا إذا تمّ وضعه من قِبل ممثلين منتخبين عن الشعب، وبأن دستور الجمهورية التونسية لعام 2014 لم يصدر بشكل اعتباطي، بل حظي بإجماع نواب المجلس الوطني التأسيسي، وبرعاية الأمم المتحدة. كما أشادت به لجنة البندقية، ولقي من العالم كل ترحيب». ودعوا «كل القوى الحزبية والاجتماعية والمدنية إلى توحيد الصف من أجل إنقاذ البلاد مما تردت إليه...».
وفي سياق موازٍ، تحركت مجموعات «المبادرة الديمقراطية» و«مواطنون ضد الانقلاب» و«محامون من أجل الديمقراطية» ومنظمات حقوقية ونسائية وشبابية عدة للدعوة إلى توحيد كل المؤمنين بـ«شرعية صناديق الاقتراع» و«المسار الديمقراطي» إلى التوحّد والانطلاق في التحضير للانتخابات والضغط من أجل أن تعقد في ظرف 3 أشهر. ولكن سياسيين وخبراء قانون يساندون قرارات الرئيس سعيّد، بينهم وزير العدل والتعليم العالي سابقاً الصادق شعبان، قاموا بتحركات في اتجاه معاكس «دعماً لشرعية رئيس الدولة» ولخريطة الطريق التي سبق أن أعلن عنها، أي تنظيم الانتخابات في العام الحالي، والتمهيد لذلك بتعديل قانون الانتخابات والدستور.
منعرج أمني؟
في هذه الإثناء، جدّدت القيادة المركزية لكبرى النقابات التونسية والعربية «الاتحاد العام التونسي للشغل» الدعوة إلى «حوار وطني يشمل كل الأطراف الاجتماعية والسياسية» استعداداً للانتخابات المبكرة. بينما أدلى الرئيس بتصريح جديد رفض فيه الحوار مع المتهمين «بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي»، وبينهم جُلّ أعضاء البرلمان الذين اتهمهم بـ«محاولة الانقلاب على الدولة» بسبب مشاركتهم في اجتماع الجلسة العامة الافتراضية للبرلمان يوم الأربعاء 30 مارس. كما عقد الرئيس اجتماعاً مع وزراء الداخلية والعدل والدفاع تحدث فيه عن تتبّع البرلمانيين والسياسيين الذين اتهمهم بـ«التآمر والخيانة». وبالفعل، أكد عدد كبير من النواب وكذلك بلاغات من أحزاب عدة، أن بعض البرلمانيين والسياسيين تلقوا دعوات رسمية للمثول أمام مصالح الأمن للتحقيق معهم بعد رفع الحصانة عنهم.
وخارجياً، في حين أجرى الرئيس سعيّد محادثتين هاتفيتين مع نظيريه الجزائري عبد المجيد تبّون والمصري عبد الفتاح السيسي، لإطلاعهما على «المستجدات» و«تهنئتهما بحلول شهر رمضان المعظم»، فإنه أرسل في اليوم ذاته وزير خارجيته عثمان الجارندي إلى الجزائر، حيث عقد جلسة خاصة مع الرئيس الجزائري، أبلغه فيها «رسالة سياسية» من نظيره التونسي.
ومن ناحية ثانية، بينما حذّر عدد من كبار السياسيين والنقابيين من «المنعرج الأمني» و«إعادة البلاد إلى مربع المواجهات الأمنية والسياسية» التي عرفتها في عهدَي بورقيبة وبن علي، يبدو الشارع التونسي منشغلاً أكثر بالأزمة الاقتصادية الاجتماعية المستفحلة، وبعجز الدولة لأول مرة عن توفير حاجياتها المالية الدنيا بسبب خلافات بين السلطات التونسية والنقابات والمعارضة من جهة ومع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية. وهذا ما يعكسه الموقف من تجميد الأجور والتوظيف في القطاع العام لمدة 5 سنوات ورفع الدعم عن المحروقات والمواد الأساسية وإصلاح القطاع العام والتفويت في الشركات العمومية المفلسة. وهذا ما يدفع للتساؤل عما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستفتح بصيص أمل وتساهم في طي صفحة الخلافات والأزمات المتراكمة وسط تلويح المركزية النقابية بتنظيم إضراب عام وطني وإضرابات عامة قطاعية وجهوية... أم تزداد الأزمات حدة مع بروز مشهد سياسي تتعمق فيه الهوة بين أنصار الرئيس وخصومه بما يوشك أن يتسبب في إجهاض تنظيم الانتخابات بعد 3 أشهر أو بنهاية السنة.
في مختلف الحالات، تبدو تونس رهينة عوامل داخلية وخارجية كثيرة، بينها المضاعفات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة «كوفيد - 19» وحرب أوكرانيا.

                                                              راشد الغنوشي  (أ.ف.ب)
المحاكمات العسكرية ومحكمة أمن الدولة في تونس
> أعاد اتهام سياسيين وبرلمانيين تونسيين بالخيانة الوطنية والتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي إلى الأذهان ملفات «المحاكمات في قضايا ذات صبغة سياسية» التي نُظمت في تونس منذ استقلالها عن فرنسا عام 1956، من قِبل محاكم عسكرية ومحكمة أمن الدولة ومحاكم استثنائية ومحاكم حق عام عادية.
ومن أبرز تلك القضايا:
- قضايا رُفعت بعد استقلال تونس مباشرة ضد المعارضين للرئيس الحبيب بورقيبة والمقربين منه ضد خصمه أمين عام الحزب الدستوري صالح بن يوسف وآلاف من أنصار؛ بسبب اختلافاتهم السياسية وصراعهم على المواقع.
- قضايا رفعتها «المحاكم الشعبية» ضد محسوبين على النظام الملكي والعائلات مع الشخصيات المتهمة بالتعامل مع سلطات الاحتلال الفرنسي. وقد صدر في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 1957 قانون «تحصين الاستقلال والعزل السياسي» لتبرير تلك المحاكمات، وجرى توظيفه في المحاكمات التي شملت الوزير السابق والزعيم الوطني الطاهر بن عمار الذي وقّع باسم الحركة الوطنية في 1955 و1956 وثيقتَي الاستقلال الداخلي والاستقلال التام.
- محاكم استثنائية أخرى، أهمها «محكمة أمن الدولة» التي مثل أمامها بين 1968 و1975 مئات من الشباب المحسوب على الحركة الوطنية والنقابات واليسار الشيوعي والبعثي والناصري الذي اتهم وادين بالخيانة الوطنية والتعامل مع نظام معمر القذافي في ليبيا وأنظمة البعث في المشرف العربي والنظامين الروسي والصيني... إلخ.
- حكمت «محكمة أمن الدولة» مراراً في الستينات والسبعينات على متهمين بالإرهاب بزعامة مدير أمن الرئاسة والقائد العسكري الأزهر الشرايطي. وقد اتُهموا بمحاولة الانقلاب على حكم الحبيب بورقيبة في 1962. كذلك حوكم متهمون آخرون في قضايا مماثلة في عقد السبعينات، من بينهم «كومندوس» اتهم بمحاولة اغتيال رئيس الحكومة الهادي نويرة ووزراء آخرين بدعم من النظام الليبي في عهد معمر القذافي. وكانت أكبر محاكمة هي تلك التي نُظمت في 1980 ضد «كومندوس» مسلح تدرب في ليبيا وهاجم مدينة قفصة التونسية. لكن تدخل قوات فرنسية ومغربية أجهض العملية. ولقد حوكم معظم أعضاء هذا «الكومندوس» وحُكم عليهم بالإعدام ونُفّذت فيهم الأحكام.
- حاكمت «محكمة أمن الدولة» في 1978 قيادة اتحاد نقابات العمال وزعيمها الحبيب عاشور، وحكمت عليها بالسجن لمدة 10سنوات بعد اتهامها بالعنف ومحاولة تغيير نظام البلاد بالقوة بسبب إضراب عام نظمته في يناير (كانون الثاني) 1978.
- حاكمت «محكمة أمن الدولة» عشرات من قيادات حزب «حركة الاتجاه الإسلامي» بينهم راشد الغنوشي وعلي العريّض وحمّادي الجبالي عام 1987 بتهمة التآمر على أمن الدولة. وتراوحت الأحكام بين الإعدام والسجن المؤبد وعدم سماع الدعوى.
· حاكمت محكمة عسكرية في مطلع التسعينات مئات من قيادات حزب «حركة النهضة» بتهم «التآمر على أمن الدولة»، وتراوحت الأحكام بين الإعدام والمؤبد والسجن لمدة أشهر.
- حوكم مئات المعارضين السياسيين والطلبة والنقابيين طوال عهدي الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي في «قضايا ذات صبغة سياسية» أمام محاكم عسكرية ومدنية عادية.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».