حرب «إجبار الغرب» على احترام مصالح روسيا

العملية العسكرية بعد مرور شهر... من منظور الكرملين

جنود أوكرانيون يقودون عربة عسكرية روسية سيطروا عليها بعد استعادتهم قرية مالا روغان شرق خاركيف أمس (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يقودون عربة عسكرية روسية سيطروا عليها بعد استعادتهم قرية مالا روغان شرق خاركيف أمس (أ.ف.ب)
TT

حرب «إجبار الغرب» على احترام مصالح روسيا

جنود أوكرانيون يقودون عربة عسكرية روسية سيطروا عليها بعد استعادتهم قرية مالا روغان شرق خاركيف أمس (أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يقودون عربة عسكرية روسية سيطروا عليها بعد استعادتهم قرية مالا روغان شرق خاركيف أمس (أ.ف.ب)

قد تكون استعارة تسمية الحرب الروسية على جورجيا في عام 2008، هو الوصف الأكثر دقة على الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 24 فبراير (شباط). فقد أطلقت موسكو عنوان «إجبار جورجيا على السلام» على تلك الحرب، واضعة خطاً فاصلاً في العلاقات مع البلد الجار الذي فقد 20 في المائة من أراضيه حينها. بينما في هذه المرة، وعلى الرغم من أن تسمية الحرب عكست في البداية أهدافاً محدودة للغاية مثل «العملية العسكرية لحماية سكان دونباس»، فإن مسارها خلال الأسابيع الأربعة الماضية نقلها إلى مستوى مختلف كلياً، لتغدو «حرب إجبار الغرب على احترام مصالح روسيا».
بهذا المعنى فإن خبراء عسكريين يتفقون على أن أهداف الحرب الجارية تجاوزت منذ الأسبوع الأول حدود أوكرانيا، ولم يعد المصير المحتوم لهذا البلد إلا واحداً فقط من التداعيات المحتملة لها. فقد تغير العالم كله، بعد 24 فبراير (شباط) 2022، مهما كانت التكاليف التي قد تدفعها روسيا باهظة.
يختلف الطرفان الروسي والأوكراني حالياً، في كل شيء تقريباً، لكنهما يتفقان على أمر واحد: هذه الحرب بدأت فعلياً في عام 2014، والتداعيات الحالية هي الجزء الأكثر فاعلية ونشاطاً منها.
يقول الأوكرانيون إن العالم لم يتعامل بجدية مع قرار ضم شبه جزيرة القرم في ذلك الوقت، ما أثار شهية الكرملين لاحقاً. بينما تقول موسكو إنها «صبرت طويلاً» على المعاناة التي لحقت بسكان منطقة دونباس الناطقين بالروسية، الذين تعرضوا منذ 2014 لصنوف مختلفة من الظلم والتنمر بينها حرمانهم من استخدام لغتهم الأم، وعمليات التنكيل الواسعة التي تعرضوا لها على مدى ثماني سنوات.
في الحالين ثمة اتهام مباشر حيناً، وغير مباشر أحياناً، للغرب. لأن عدم قدرته على التعامل مع المشكلة التي سببتها أحداث 2014 وحالة التخبط والارتباك التي سيطرت على تصرفاته وضعت مقدمات الحرب الحالية، وفاقمت من خطورة برميل البارود الذي وصل إلى لحظة الانفجار قبل شهر. وفي الحالين، غدا الغرب لاعباً أساسياً في هذه الحرب التي يدفع تكاليفها الطرفان الروسي والأوكراني. ومن منظور كييف فهو «ملزم بالدفاع عن أوكرانيا لأنها تخوض معركة نيابة عن أوروبا والعالم الغربي كله»، بينما من منظور الكرملين فإنه (أي الغرب) تجاهل طويلاً «مصالح روسيا ومطالبها بضمانات أمنية وبتعامل ندي لا يدخل من باب فرض الشروط والإملاءات».
يفسر هذا المدخل انتقال المسؤولين الروس إلى الحديث عن مواجهة بلادهم بعد فرض حزم العقوبات غير المسبوقة «حرباً شاملة» من جانب الغرب، وصفها بعضهم بأنها «التحدي الوجودي الأخطر في تاريخ روسيا». وفي هذا الإطار وفقاً لمنطق الكرملين، يمكن وضع سؤالين كبيرين كان يمكن عند التعامل معهما سابقاً، أن يجنب المنطقة والعالم الحرب المدمرة الحالية:
أولاً: لماذا فشلت أوكرانيا في فهم خطورة تمدد الحلف الغربي شرقاً، ما يحولها إلى نقطة انطلاق لإضعاف نفوذ روسيا الإقليمي والدولي؟ كان يجب على الدولة التي وضعتها أقدارها عند تقاطع خطر للجغرافيا والتاريخ والسياسة، أن تدرك مبكراً أن مطلب الاندماج مع الحلف الغربي ليس واقعياً وسوف يحولها سريعاً إلى ساحة مواجهة ساخنة. اللافت أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي سرعان ما أعلن عن استعداده لتبني مبدأ الحياد بعد اندلاع العمليات العسكرية. هل كانت القيادة الأوكرانية عاجزة عن تقديم تطمينات كافية لموسكو قبل انفجار الموقف؟
ثانياً: هل كان الغرب مقتنعاً فعلاً بأن على الكرملين في زمن نهوض روسيا، وعودتها إلى التأثير في الساحة الدولية، أن يتنازل عن مطالب أمنية ملحة هو بحاجة إليها؟ لماذا لم يتعامل بجدية مع إشارات موسكو المتكررة بأنها لن تتراجع عن مطلب احترام مصالحها في فضائها الحيوي؟ ولماذا واصل الغرب سياسة الاحتواء والتطويق؟ وهل كان على أوكرانيا أن تدفع ثمناً باهظاً من أجل أن يفهم الغرب أن الرئيس فلاديمير بوتين جاد في طرح مطالبه؟
في هذا الإطار، يبدو تذكير الخارجية الروسية، أخيراً، بأن موسكو «لم تعد تحتاج لمناقشة ملف الضمانات الأمنية مع الغرب» انعكاساً مباشراً لفكرة أن هذه الحرب وضعت خطوط الفصل الجديدة للمصالح الأمنية والعسكرية والسياسية لكل طرف، على الرغم من كل صعوبات تداعياتها السياسية والاقتصادية.
وبهذا المعنى أيضاً، سارع مسؤولون إلى الإعلان سلفاً عن نهاية العالم أحادي القطبية وبدء عصر جديد في العلاقات الدولية. وهذا أمر يتفق معه جيش من الخبراء الذين يبشرون حالياً، وحتى قبل أن يهدأ ضجيج المعارك، ببداية عهد التحولات الجيوسياسية الكبرى في النظام الدولي وآليات اتخاذ القرار العالمي.
لكن، هل باتت روسيا أكثر أمناً في محيطها؟ وهل ستكون لديها قدرات جدية على مواجهة تداعيات هذه الحرب على الصعد الاجتماعية والاقتصادية، وتحدي مخاطرها الكثيرة؟
يبدو المشهد معقداً للغاية في النظرة الأولى. لأن اتجاه أوروبا نحو العسكرة، وميل فنلندا، وربما السويد أيضاً، للانضمام إلى حلف الأطلسي، فضلاً عن تحول سياسة الحلف من «الردع» إلى «الدفاع» عبر تعزيز حضوره العسكري المباشر في كل بلدان «الطوق» الروسي، كل ذلك يحمل إشارات سيئة بالنسبة إلى الكرملين.
كما أن التزام شركاء روسيا في الفضاء السوفياتي السابق سياسة حذرة في التعامل مع الحدث، وعدم مسارعة أي طرف إلى إعلان موقف واضح يدعم موقف موسكو (باستثناء بيلاروسيا) يضع تساؤلات جدية حول قدرة روسيا على دفع تحالفات إقليمية، وإنقاذ منظمات وهياكل طورتها على مدى سنوات مثل منظمة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
لكن في المقابل، في الإجابة عن السؤال الأول، لا يبدي كثيرون في موسكو مخاوف كبرى من ارتفاع جدار عازل جديد في القارة الأوروبية، قد يشكل أولى نتائج هذه الحرب، عبر تقسيم أوكرانيا، بحكم الأمر الواقع، أو بخطوط حدودية جغرافية وسياسية كاملة، إلى شطرين أحدهما موالٍ لموسكو تماماً، والآخر منهك وضعيف وملتزم بالحياد الاستراتيجي. وهذا ما عكسه بوضوح تركيز وزارة الدفاع الروسية على أن المهمة الأساسية حالياً، هي «تحرير كل أراضي دونباس».
تشكل هذه واحدة من الضمانات العملية لأمن روسيا. واللافت هنا أن «الشطر الروسي» هو القسم الغني بالثروات الطبيعية والقدرات الصناعية والمنافذ الاستراتيجية على المياه الدولية، خلافاً للشطر الغربي من البلاد.
في السؤال الثاني: فقد أرجأت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أي تطلع لجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إلى الاندماج مع الغرب، على الأقل لمرحلة طويلة مقبلة، وحتى جورجيا التي رفعت سابقاً هذا الشعار مثل أوكرانيا بات عليها أن تتعامل مع واقع جديد. كما أن هذه الحرب سوف تضع تحديات إضافية أمام أي طرف إقليمي يتعامل باستخفاف مع مصالح روسيا أو أمن مواطنيها. بهذا المعنى وفقاً لتحليلات مراكز مقربة من الكرملين، قد لا تكون العلاقات في المحيط الإقليمي في أفضل حالاتها، لكن هذه الجمهوريات سوف تلتزم مبدأ الحياد وتحافظ على الحد الأدنى المطلوب في تعاملها مع ملف المصالح الروسية.
يمكن الجدال طويلاً حول هذا المنطق، وكونه قد يؤسس لحالة غير مستقرة على المستوى الإقليمي على المدى البعيد، لكن المؤكد أن الكرملين فرض معادلات جديدة في المنطقة سيكون على بلدان الفضاء السوفياتي السابق التعامل معها.
أما على المستوى الداخلي، فالأكيد أن ثمة صعوبات كبرى يواجهها الكرملين في هذه المرحلة. لكن التدابير التي تم اتخاذها توفر من وجهة نظره أساساً لصمود طويل أمام رزم العقوبات الغربية. وهناك قناعة بأن العقوبات لا يمكن أن تغير النظام السياسي في البلاد حتى لو أعلن الرئيس جو بايدن عن رغبة من هذا النوع مرة تلو الأخرى.
تقول أوساط روسية إن العقوبات فضلاً عن أنها سلاح ذو حدين، كونها توجّه مع ضرباتها إلى الاقتصاد الروسي ضربات لا تقل صعوبة وإيلاماً إلى الاقتصاد العالمي، خصوصاً اقتصادات بعض البلدان الغربية، فهي توفر للكرملين، في الوقت ذاته، آليات لتنمية قطاعات وطنية اعتمدت خلال العقدين الماضيين كلياً على الواردات من الغرب أو من الشرق.
بهذا المعنى فقد ساعدت العقوبات التي فرضت في عام 2014 على النهوض بالقطاع الزراعي الروسي الذي بات يعتمد بطريقة شبه كاملة على القدرات المحلية، وغطى حاجات روسيا لينتقل إلى التحول نحو أن يكون أحد مصادر الدخل القومي أيضاً.
وفي الوقت الراهن، يراهن الكرملين على أن انسحاب رؤوس الأموال الغربية خصوصاً، والأجنبية عموماً، من قطاعات مهمة مثل قطاع الطاقة سيسفر عن إعادة «تأميم» هذا القطاع كلياً، بصفته المصدر الأساسي للدخل، وهكذا فإن خروج «شل» و«بي بي» وغيرها من كبريات شركات الطاقة العالمية ستكون له انعكاسات سلبية مؤقتاً، لكنها مفيدة لروسيا على المدى البعيد.
بهذا المنطق نفسه، يتحدث الروس عن تنمية وتطوير قطاعات تم تجاهلها طويلاً، مثل المعدات والتقنيات الدقيقة وصناعة الطائرات والسيارات وغيرها.
وعلى الصعيد الاجتماعي لا تبدي الأوساط الروسية قلقاً خاصاً حيال «انقسام» الرأي في المجتمع الروسي حول الحرب. أولاً، لأن المعارضة النشطة هي أصلاً هامشية التأثير في الشارع، وثانياً لأن الروس اعتادوا بالفعل على مواجهة مصاعب مماثلة من العزل والتضييقات خلال العهد السوفياتي وفي كل مراحل تاريخهم تقريباً. يدفع البعض بمقولة إن الروس سوف يبدأون بالتأقلم والتعايش مع الواقع الجديد.
وهنا يمكن ملاحظة أن الكرملين وهو يوجه رصاصة إلى خصومه السياسيين في الخارج فقد أصاب بها أيضاً الخصوم في الداخل، من خلال القضاء تقريباً على وجود التيار الليبرالي الديمقراطي القريب من الغرب في عدد من المؤسسات الإعلامية والبحثية في روسيا. هؤلاء ضعف تأثيرهم إلى أقصى درجة منذ سنوات انهيار الاتحاد السوفياتي وما تلاه من تداعيات. لقد هيأت الحرب الأوكرانية الظروف لتغييرات واسعة ليس فقط على الصعيد الدولي، وإنما في بناء وآليات عمل الدولة الروسية. ومهما كانت نتائج العمليات العسكرية الجارية حالياً فإن هذا التغيير سيظل مسيطراً لمرحلة طويلة مقبلة.



أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).