انتخابات فرنسا... ماكرون ينام على {حرير استطلاعات الرأي}

منافساه من اليمين المتطرف واليسار المتشدد... واضمحلال الحزبين التاريخيين اليمين الديغولي واليسار الاشتراكي

الرئيس ماكرون خلال حملته الانتخابية أمس في مدينة ديجون (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون خلال حملته الانتخابية أمس في مدينة ديجون (أ.ف.ب)
TT

انتخابات فرنسا... ماكرون ينام على {حرير استطلاعات الرأي}

الرئيس ماكرون خلال حملته الانتخابية أمس في مدينة ديجون (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون خلال حملته الانتخابية أمس في مدينة ديجون (أ.ف.ب)

انطلقت أمس، رسمياً الحملة الرئاسية في فرنسا لأسبوعين يفضيان إلى الجولة الأولى يوم الأحد 14 أبريل (نيسان)، تتبعها جولة ثانية في 24 الشهر نفسه. وثمة إجماع في الوسطين السياسي والإعلامي على أن انتخابات الربيع الحالي لا تشبه أياً من سابقاتها. فهي من جهة تحصل في ظل حرب شعواء على أراضي القارة الأوروبية (أوكرانيا)، وهي من جهة ثانية تجري فيما فرنسا لم تتخلص بعد من جائحة «كوفيد - 19» ومتحوراتها، لا بل إن أعداد الإصابات عادت لترتفع بشكل حاد. ونتيجة تداخل هذين العاملين بقي أهم استحقاق ديمقراطي في فرنسا إلى حد بعيد هامشياً، إذ إن الأنظار ما زالت تتجه إلى ما يحصل ميدانياً ودبلوماسياً في الحرب الروسية على أوكرانيا، خصوصاً أن انعكاساتها تمس المواطن العادي، أكان ذلك في الارتفاع الحاد لأسعار مشتقات الطاقة أو أسعار الكهرباء، إضافة إلى السلع الأخرى بكل أنواعها. وجاء التهديد النووي ليضاعف قلق الشارع الذي أخذ يتحرك في الأيام الأخيرة بعد أن كانت أنشطة المرشحين الرئاسيين وبرامجهم وتصريحاتهم ووعودهم بعيدة عن أن تلقى أذناً صاغية. وما ضاعف من هامشية الحملة الانتخابية أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يعلن ترشحه رسمياً إلا في اليوم الأخير المتاح، وفق قانون الانتخابات، بحيث إن المرشحين الأحد عشر كانوا يتبارزون في فراغ، لأن المرشح الرئيسي (ماكرون) مأخوذ بالحرب في أوكرانيا وبالوساطة التي يحاول القيام بها من أجل وضع حد لهذه الحرب. ولعل أفضل دليل على ذلك أنه كان مرتهناً نهاية الأسبوع الماضي لثلاثة أيام في بروكسل من أجل ثلاث قمم (أطلسية وأوروبية ومجموعة السبع). ورفض ماكرون قطعياً قبول المبارزات التلفزيونية قبل الجولة الأولى كما أنه يقوم بحملته من بعد، حيث إنه لم يشارك في أي مهرجان انتخابي حتى اليوم، واكتفى بثلاثة {لقاءات} محصورة ومؤطرة.
ويرى كثيرون أن ماكرون يستطيع النوم على حرير استطلاعات الرأي التي تمنحه المرتبة الأولى في أولى الجولتين، كما تتوقع فوزه في الدورة الحاسمة. ويفيد آخر استطلاع نشرت نتائجه صحيفة {لو موند} المستقلة في عددها ليوم أمس، بأن ماكرون يمكن أن يحصل على 28 في المائة من الأصوات، متقدماً على منافسته مرشحة اليمين المتطرف مارين لو بن التي يمكن أن تحصل على 17.5 في المائة من الأصوات، فيما يحتل مرشح اليسار المتشدد أو {الاتحاد الشعبي} جان لوك ميلونشون على 14 في المائة. وأياً كان منافس ماكرون في الجولة الثانية، فإن الرئيس الحالي سيفوز بولاية جديدة من خمسة أعوام، بحيث يسير بذلك على خطى من سبقه من رؤساء الجمهورية الخامسة؛ أمثال الجنرال شارل ديغول والاشتراكي فرنسوا ميتران واليميني جاك شيراك. في المقابل، فشل جيسكار ديستان (يمين الوسط) ونيكولا ساركوزي (يمين) في البقاء بقصر الإليزيه، بينما امتنع الرئيس فرنسوا هولند (اشتراكي) من الترشح لولاية ثانية بسبب انهيار شعبيته وسطوع نجم ماكرون وتمرد رئيس حكومته وقتها إيمانويل فالس الذي قطع عليه درب الترشح.
وإذا كانت استطلاعات الرأي توفر صورة وقتية لحالة الرأي العام، فإنها لا تعني أبداً أن الأمور ستبقى جامدة لا تتحرك. ثمة ثلاث ديناميات فاعلة: الأولى تخص مارين لو بن التي تأمل في أن يكون خوضها المنافسة للمرة الثالثة مختلفاً عن المرتين السابقتين. ورغم أن ترشح أريك زيمور المتموضع على أقصى اليمين المتطرف الشعبوي حرمها من نسبة مهمة من الأصوات، فإنها نجحت في أن تستعيد موقعها وتفرض نفسها بوصفها المنافس المرجح لماكرون. لو بن لم تغير حرفاً في برنامجها الانتخابي المتأصل في اليمين المتطرف. إلا أنها في المقابل سعت لتلميع صورتها لدى الناخبين وتشذيب خطابها والابتعاد عن الاستفزازات والطروحات التقليدية لليمين المتطرف. ولعل آخر ما ابتدعته مع المشرفين على حملتها الانتخابية اختيارها ملف القدرة الشرائية للمواطن لتجعل منه حصان طروادة الذي تأمل في أن يقودها إلى الجولة الثانية وما وراءها. وتعتبر لو بن أنها تجاوزت الخطر المتمثل في أريك زيمور الذي تسبقه بسبع نقاط، لا بل إنه أسدى لها خدمة سياسية بحيث برز اعتدالها مقابل تطرفه. وبحسب استطلاع الرأي المشار إليه، فإن ملف القدرة الشرائية يمثل الاهتمام الأول للمواطن الفرنسي، وذلك بنسبة 54 في المائة، تليها الحرب في أوكرانيا (36 في المائة) فالبيئة (27 في المائة) وملف المهاجرين (النسبة الأخيرة نفسها). وتراهن لو بن على استجلاب أصوات زيمور (11.5 في المائة) ونسبة من أصوات مرشحة اليمين الكلاسيكي فاليري بيكريس التي تراوح مكانها (10 في المائة)، لا بل إنها خسرت كثيراً من شعبيتها بعد أن كان مقدراً لها أن تكون هي منافسة ماكرون، نظراً للدور التقليدي لليمين الفرنسي في إدارة شؤون البلاد. لكن مشكلتها أن ماكرون أحدث وصوله إلى السلطة عام 2017 زلزالاً مدوياً، لأنه تخطى الأحزاب، وأهمها اثنان: اليمين الكلاسيكي (حزب الجمهوريون) والحزب الاشتراكي اللذان تناوبا على حكم فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958 ونسفهما من الداخل. ثم إن ماكرون يقود وينفذ سياسة يمينية الطابع؛ والدليل على ذلك، من جهة، السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعها منذ خمس سنوات، وكذلك برنامجه للسنوات الخمس المقبلة، ومن جهة ثانية الهوية السياسية لمن يحكمون معه. فرئيس حكومته ووزير الاقتصاد ووزير الداخلية وكثيرون غيرهم جاءوا إليه من اليمين، كما أن شخصيات يمينية فاعلة ومرموقة أعلنت دعمها له، وبالتالي فإن التوقعات تفيد بأن بيكريس، الوزيرة السابقة ورئيسة منطقة {إيل دو فرنس} (أي باريس وجوارها) ستصاب بهزيمة ماحقة ستتردد أصداؤها في الانتخابات التشريعية اللاحقة وفي إعادة تشكيل المشهد السياسي يميناً.
مفاجأة الحملة الثانية عنوانها جان لو ميلونشون الذي يتقدم شيئاً فشيئاً في استطلاعات الرأي، وينجح في اجتذاب مزيد من المواطنين إلى مهرجاناته الانتخابية. ويراهن ميلونشون على قدرته على اجتذاب أصوات آن هيدالغو، مرشحة الحزب الاشتراكي (مرشحته يمكن أن تحصل على 2 في المائة)، أو أصوات المرشح الشيوعي فابيان روسيل (3.5 في المائة). كذلك يأمل ميلونشون في أن يجتذب إليه نسبة من الأصوات التي تصب حتى اليوم لصالح لو بن من الطبقة العمالية. ويطرح ميلونشون برنامجاً حكومياً يمثل قطيعة مع السياسات المتبعة حتى اليوم عن طريق رفع قيمة الحد الأدنى للأجور وفرض ضريبة الثروة وتعزيز التقديمات الاجتماعية والصحية وتجميد أسعار السلع الأساسية وخفض سن التقاعد لستين عاماً ومجانية التعليم من الحضانة حتى الجامعة... وميلونشون، مرشح حزب {فرنسا المتمردة} يخاطب الناخبين من فوق رأس المرشحين ويدعو لاتحاد شعبي جامع. وثمة من يعتقد أن الأخير يمكن أن يكون الرجل الثاني، إذ إنه يحصل اليوم على 14 في المائة من الأصوات، ويكفيه أن تتراجع شعبية لو بن بعض الشيء، أو أن ينجح في الترويج لمبدأ {الاقتراع المفيد} ليحقق حلم منافسة ماكرون في الجولة الثانية.
بيد أن الأخير، رغم تراجع شعبيته قليلاً (من 30 إلى 28 في المائة) ما زال المرشح الأوفر حظاً. فإدارته لملف كورونا ونجاحه في تعبئة أوروبا لمواجهة تبعاتها وديناميته الدبلوماسية التي تجلت مرة أخرى، في ملف الحرب على أوكرانيا، كل ذلك يضعه في مصاف فوق مصاف المنافسين. لكن ماكرون يحذر فريقه الانتخابي وحزبه {فرنسا إلى الأمام} ومناصريه من الارتكان إلى ما تقوله استطلاعات الرأي وينبه من مقاطعة الناخبين باعتبار أن نتائج الانتخابات معروفة سلفاً. لذا فإنه ينوي أن يرمي بكامل قواه بالمعركة الرئاسية في الأسبوعين المقبلين رغم تأكيده أنه سيبقى يمارس مهامه الرئاسية وإدارة شؤون فرنسا وحماية الفرنسيين {حتى ربع الساعة الأخير}.



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».