زهيدة درويش جبور تبحث عن «الأدب البيئي»

في كتابها «الشعر العربي المعاصر من منظور إيكولوجي»

زهيدة درويش جبور تبحث عن «الأدب البيئي»
TT

زهيدة درويش جبور تبحث عن «الأدب البيئي»

زهيدة درويش جبور تبحث عن «الأدب البيئي»

ثمة فرق بين دراسة علاقة الشاعر بالطبيعة وهذا كلاسيكي، وما يسمى بـ«النقد الإيكولوجي». فالصنف الثاني يُعنى برصد صدى التحولات البيئية الناتجة عن النشاط البشري، في العمل الأدبي، ومدى قدرة الكاتب على إثارة وعي القارئ بالدور الذي تلعبه الطبيعة، باعتبارها الفضاء المحيط بالإنسان.
تعتمد الباحثة الدكتورة زهيدة درويش جبور على ما سبقها من «نقد إيكولوجي»، لتبحر في شعر اثني عشر شاعراً عربياً معاصراً، ناظرة في حساسياتهم الخاصة تجاه ما يحيط بهم، وكيفية تعاطيهم، مع الطبيعة، وانعكاسها في نتاجاتهم. وفي كتابها الجديد «الشعر العربي المعاصر من منظور إيكولوجي» الصادر عن «دار جروس برس ناشرون» في لبنان، تعود إلى أشعار أنور سلمان، نزيه أبو عفش، وديع سعادة، علي جعفر الصادق، شوقي بزيع، عبد العزيز المقالح، جودت فخر الدين، إبراهيم نصر الله، عيسى مخلوف، سيف الرحبي، أديب صعب، فوزي يمين.
وبعد أن تمر على الشعراء واحداً تلو الآخر، تصل الباحثة إلى ملامح مشتركة تجمع هؤلاء الشعراء، «أهمها الحدس بوحدة الكائنات والتوق لاستعادة التناغم المفقود». فالقصائد، على تنوع الجغرافيات العربية الآتية منها تعبر عن «قناعة بأن الإنسان، إنما هو جزء من هذا الكون، ووجه من وجوه لا حصر لها لتجليات تلك الطاقة الخفية الكامنة في النبات والحيوان، بل والجماد». وما يجمع هذه التجارب الشعرية أيضاً هو بعدها الروحاني والقيمي الذي «يتكامل مع ما تختزنه من سمات جمالية ترقى بها على سلم الإبداع الفني.

القرية بيت القصيد

القرية بنقائها وعذوبتها لا تزال كما الحال منذ ستينات القرن الماضي، هي الملجأ والملاذ. فعند شوقي بزيع في ديوانه «صراخ الأشجار»، تعود بك القصائد إلى «الحقل» و«السنبلة» و«ورق الشجر». إذ يقول: «كل قصائدي منقوعة بحليب ذاك العالم الصيفي. كل رؤاي أكمَلها، تطاير شعر سنبلة على أفق الحنين».
عند الراحل أنور سلمان نجد النزعة نفسها. فقد امتاز شعره بلغة غنائية تستبطن وعياً عميقاً بأهمية الطبيعة. وبقي الشاعر ملتزماً بالقيم الإنسانية، متسامياً، باحثاً عن الجمال: «بي حنين إلى تراب قريتي... إلى عهد بيادر القمح ومعاصر العنب والزيتون!... بي حنين إلى السواعد السمراء تضرب معاولها في صدر الأرض، فتملأها بالعافية». الشعراء اللبنانيون عموماً، تكاد قصائدهم تكون معجونة بعناصر الطبيعة المتنوعة، التي تلفهم في قراهم وجبلهم وبحرهم.
وديع سعادة في شعره، يرى في الطبيعة وسيلة ليملأ الفراغ الذي يعاني منه العالم، ولديه قناعة بأن الشعر هو لغة الأخوة الإنسانية التي تصنع الانسجام والتناغم، بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، في سعي للحفاظ على الكوكب. وكذلك فوزي يمين فخلاص الذات عنده يتحقق بـ«استعادة السلام المفقود بين الإنسان ومحيطه الطبيعي». يقول يمين: «أفتح باب القصيدة لتدخل الشمس، وأدعو أول شجرة أصادفها لتجلس معي على الطاولة، وتعزز جذورها عميقاً في البلاط. فيعود سطحي الورق وغرفتي الغابة». وهو إضافة إلى ذلك يخلط المرارة بالسخرية في العديد من قصائده، ومنها: «تنفّس، البس ثيابك، اشرب قهوتك، واخرج، تابع، تنفّس، عند كل صباح، اقلب الصفحة».

الاختلال بين الإنسان ومحيطه
تقول د. زهيدة درويش جبور إنها لا تتوقف فقط عند كيفية تعامل الشعراء المعاصرين مع الطبيعة، وإنما المهم «معرفة المساحة التي احتلتها في نتاجاتهم، كحضور حي يحاوره الشاعر ويدخل في علاقة تفاعل معه». وهذا يساعد على «جلاء موقف الأديب من قضايا وإشكاليات تتعلق بالبيئة، والتنبيه إلى الأضرار الناتجة عن اختلال العلاقة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، وعن الانعكاسات السلبية للتطور التكنولوجي حين لا يواكبه تطور على مستوى القيم الإنسانية والروحية».
حين نصل إلى العراق مع الشاعر والناقد علي جعفر العلاّق، نجد أن مفرداته مستلة من وداي الرافدين كـ«النهر» و«الريح»، و«الخضرة»، و«المطر»، حيث «تلبس الريح حنين الشجرة، وتغطي خشب الأيام بالوهم». وهو لا يتوقف عن استيحاء بيئته الأولى ببساطتها وحنوها. فقد نشأ على الألفة مع الحيوان والنبات والتعاطف مع الفقراء وضعاف المخلوقات: «أعدنا حيث كنا: من رعاة الغنم والتحنان والبرد... يخالط نومنا خوف بدائي من الله، إن لم نبتسم للطير في الفلوات، أو تِهنا على أحدِ...».

التصدي للخراب
أما نزيه أبو عفش فالشعر عنده هو «توثيق بالصورة والصوت لنبض القلب الإنساني». أما الشعراء فوظيفتهم: «الانتباه للحياة». هذا الكلام على بساطته، عميق ينغرز في الروح، إذ يعتبر أبو عفش أن رسالة الشعر أن «يجعلنا تعساء بشكل أفضل». وربما أن قصائد هذا الشاعر هي من بين الأكثر مواءمة، لما يرمي إليه النقد الإيكولوجي، حين يرصد عند الأدباء صدى الكوارث التي يتسبب بها البشر لبعضهم بعضاً: «سيأتي برابرة آخرون، يأكلون النساء كعرانيس الذرة، ويشربون الدماء بالشلمون، ويطلقون القنابل النووية بالمقاليع وأقواس النشاب. سيأتي الماضي».
أبو عفش له للكون «نظرة المتصوفة من أهل الحلول»، أما الطبيعة، فهي «الترياق ضد السوداوية التي تجتاح الوعي حين يغرق في ظلمة العالم». يقول: «تداووا بجمالي قالت الخجولة - الوردة».
اختيارات بديعة، للدكتورة زهيدة درويش، بنت عليها دراستها، التي أرادتها عربية، ومتعددة. فمن عُمان، يرى سيف الرحبي أن الشاعر، يشبه «الناسك في حدائق الروح» وهو يقيم في الأقاصي حيث «العزلة تاج الحياة، -والسماء كوكب العري الأنقى». والرحبي وإن مال إلى استلهام الطبيعة العمانية بخضرتها وبحرها وصحرائها، إلا أنه كما أبو عفش مشغول بهذا الظلام الوجودي الذي يطبق على البشر: «ستة وعشرون مرّت، وأنت تذرع الأفق بقدم مكسورة، ورأس غارق في الجحيم. تمشي مغمض العينين، في طرقات مليئة بالذئاب».

المقالح و«الرسالة البيئية»
من اليمن عبد العزيز المقالح الذي جعل الحب كلمة سرّه، ومفتاح دواوينه. ولد وترعرع في المقالح، واحدة من أخصب قرى اليمن، وهي لم تفارقه أبداً. في ديوانه «كتاب القرية» خص المقالح، بسبع وسبعين لوحة شعرية «تشكّل سجلاً للحياة هناك وتصويراً لجغرافيا القرية الطبيعية والبشرية وتدويناً لعاداتها وطقوسها». لكن الأهم هو حضورها القوي في وجدان الشاعر «من سقف قريتنا يتدلى النهار، ومن ضوئها تصعد الشمس، مغسولة بالندى والتعاويذ، حاملة ماء فضتها من ينابيعنا». وتعتبر زهيدة درويش أن المقالح نجح في تضمين قصائده «رسالة بيئية» لا بل إن «كتاب القرية» يدخل في نطاق «الأدب البيئي». وتقصد بهذا المصطلح «الأدب الذي يسعى إلى دحض مقولة ثنائية الإنسان والطبيعة التي قامت عليها العقلانية الغربية» منذ أطلق ديكارت صرخته الشهيرة «أنا أفكر، إذن أنا موجود». وأفضت إلى اعتبار الإنسان سيداً على الطبيعة.
كل الأماكن صالحة، لتجعلك باحثاً عن سحر الطبيعة حتى لو قضيت طفولتك في مخيم للاجئين كما إبراهيم نصر الله، أو عشت في مدينة كعمّان، فقصص الأمهات والجدّات كفيلة بنقل هذا الإرث. تقول د. درويش أن نصر الله «ابتدع في قصائده وطناً يعوضه عن الوطن الممنوع، وطناً أرضه وشمسه وبحره وسماؤه ومياهه وبيّاراته جغرافيا عاطفية، مرسومة بحبر الكلمات...» فالشهداء عنده «كلما شفّوا – تطايروا - تراباً إلى الفضاء». و«في التراب مذاق، البحار، الندى والغيوم... مذاق المدى والمطر. مذاق السهول، الجبال، السفوح: مذاق البشر».
بالعودة إلى الشعراء اللبنانيين الذين يستحوذون على نحو نصف الكتاب، نلتقي عيسى مخلوف، «يقطف الضحك من أشجار البساتين المحيطة بالنهر». وتصفه الباحثة بأنه من الشعراء الندرة الذين تجتمع في قصائدهم الفنون على تنوعها. كما أن الطبيعة تسحره ومفتون بالحدائق. رومانسية مخلوف، تجعله من الشعراء الذين يرون في حروب اليوم امتداداً للوحشية البشرية، وفي سلوكنا اليومي ما يستحق الإدانة: «سنفتح الخزائن على فراء المعاطف، على الأحزمة والأحذية الجلد. سنرتدي، الليلة، الحيوانات المقتولة قبل الذهاب إلى الاحتفال».
أما عند جودت فخر الدين، فللطبيعة مكانة محورية. «ولا حواجز تفصل بين كتابة الذات ووصف المشهد الطبيعي والتفكير في ماهية الشعر ولغة القصيدة». «طبيعتي بعيدة مثل البراري. وديعة مثل الحدائق. خجولة مثل ورود على وشك الذبول... طبيعتي هي الجلوس مثل سنديانة، والوقوف مثل حورة». يختلف عنه أديب صعب في أنه يتوسل الطبيعة مساحة لعبادة الله والتأمل في عظمة وجمال الخالق، وفي شعره نزعات صوفية روحانية: «وما الشعر إن لم يكن صلوات. وما الصلوات، غير شعر يفيض من القلب، يرسم وجه الحياة». وغالباً ما تتحول قصيدة الوصف إلى ضرب من ضروب العبادة: «يضرب الفجر خيامه - بين غابات الظلال- العصافير علامة - لمدى يمتد، والنور ابتهال».
«النقد الإيكولوجي» كمصطلح، ظهر للمرة الأولى في نهاية سبعينات القرن الماضي، في مقالة للباحث الأميركي ويليام روكرت تحت عنوان «الأدب وعلم البيئة: تجربة في النقد الأدبي»، وبقي يتداول من حينها، خاصة في الأوساط الأكاديمية الأنجلوسكسونية، دون أن يحقق اختراقاً كبيراً. وجد المصطلح طريقه إلى النقد العربي حين طبق على الرواية والقصة. محاولة الدكتورة زهيدة درويش جبور، تطبيق «النقد الإيكولوجي» على الشعر العربي المعاصر، تكتب لها، وتجعلنا نتساءل إن لم يكن شعراؤنا هم بطبيعتهم من عشاق البيئة وحماتها، حتى قبل أن تطلق الصرخات المهددة بزوال الكوكب.



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.