الغرب يعرض في بروكسل رؤيته الجديدة للعالم

(تحليل إخباري)

قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)
قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

الغرب يعرض في بروكسل رؤيته الجديدة للعالم

قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)
قادة «حلف شمال الأطلسي» خلال قمتهم الاستثنائية في بروكسل أول من أمس (أ.ف.ب)

منذ أن أصبحت عاصمة المؤسسات الأوروبية، لم تشهد بروكسل مثل هذا الحشد السياسي والأمني والدبلوماسي الرفيع الذي شهدته خلال اليومين الماضيين، وحوّلها إلى مسرح كبير يعرض الغرب على خشبته رؤيته الجديدة للعالم في مواجهة الحرب التي شنّتها روسيا ضد أوكرانيا، والتي يخشى كثيرون من أنها ليست سوى بداية لمحاولة إعادة رسم الخرائط والتوازنات التي تسعى أوروبا منذ عقود لترسيخها وتجهد الولايات المتحدة لعدم المساس بها.
انقضى اليوم الأول في أجواء استعراضية وتوافقية حول العقوبات المفروضة على روسيا وتدابير التصدّي لاحتمالات التصعيد العسكري، في حال لجأ الكرملين إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، وبقيت المواضيع الشائكة لليوم الثاني الذي افتتحه الرئيس الأميركي جو بايدن بلقاء مبكر مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين طرح فيه العرض الذي تنقسم حوله الآراء بشدة داخل الاتحاد، والذي تعتزم واشنطن من خلاله خنق الاقتصاد الروسي وتجفيف منابع التمويل التي من شأنها أن تساعد موسكو في مقاومة العقوبات.
منذ أن بدأ الحلفاء الغربيون بفرض حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية والمالية على موسكو في أعقاب اجتياح القوات الروسية أراضي أوكرانيا، كانت بلدان الاتحاد الأوروبي تتجاوب صفّاً واحداً مع الاقتراحات التي كانت واشنطن تحددها وتضبط إيقاعها وتحرص على تدرّجها وعدم إحراج حلفائها الذين تدرك مدى اعتماد اقتصاداتهم على مصادر الطاقة الروسية وتأثرها بالعقوبات على شريك تجاري كبير بالنسبة لكثير من البلدان الأوروبية.
لكن بعد شهر من المعارك وتعثّر المخططات الحربية الروسية، ومع ظهور المؤشرات الأولى على بداية التصدّع في الحلقة الضيّقة المحيطة بفلاديمير بوتين وعدم وجود أدلة على استعداد الصين لمساعدته، رأت واشنطن أن الوقت حان لتوجيه ضربة قاضية إلى النظام الذي يمّول آلة الحرب الروسية ويعتمد بشكل أساسي على صادرات النفط والغاز والفحم الحجري إلى الاتحاد الأوروبي. يضاف إلى ذلك أن ثمّة إجماعاً في أوساط المحللين الغربيين على أن العقوبات الأشدّ إيلاماً، مثل تجميد احتياطي المصرف المركزي الروسي من العملات الصعبة في المصارف الغربية والتدابير التي أدّت إلى انهيار قيمة الروبل، تفقد تأثيرها إذا استمر الأوروبيون باستيراد المحروقات من روسيا بقيمة تتجاوز 18 مليار دولار شهرياً.
وكان الرئيس الأميركي تعمّد الإعلان عن تفاصيل العرض الذي قدّمه صباح أمس إلى رئيسة المفوضية قبل أن تبدأ جلسات اليوم الثاني من قمة الاتحاد المخصص لموضوع العقوبات على موسكو ومعالجة أزمة أسعار الطاقة والمحروقات في البلدان الأوروبية. وبعد إعلانه أن واشنطن وبروكسل توصلتا إلى اتفاق لزيادة الصادرات الأميركية من الغاز المسيّل إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 68 في المائة، توجّه إلى فون دير لاين وقال: «حضرة الرئيسة، أعرف أن التخلي عن الغاز الروسي مكلف بالنسبة للاتحاد الأوروبي. لكن هذه الخطوة ليست هي الصائبة أخلاقياً فحسب، فهي ستضعنا في موقع استراتيجي أفضل، والهدف هو زيادة الصادرات الأميركية لتصل إلى 50 مليار متر مكعّب سنوياً في عام 2030». وقالت رئيسة المفوضية إن الاتحاد الأوروبي يسعى لخفض اعتماده على الغاز الروسي بنسبة الثلثين بحلول نهاية العام الحالي، وهو يجري حالياً مفاوضات مع النرويج وقطر والإمارات العربية المتحدة لتأمين مصادر بديلة. ومن جهته، صرّح وزير الاقتصاد الألماني بأن واردات النفط من روسيا ستنخفض إلى النصف قبل نهاية هذا العام، لكن بالنسبة للغاز سيستغرق الأمر فترة أطول قد تمتد حتى أواخر عام 2024. وتجدر الإشارة إلى أن ألمانيا تستورد من روسيا 54 في المائة من الغاز الذي تستهلكه. ويأتي العرض الأميركي لتزويد أوروبا بقسم كبير من الغاز الذي تستهلكه ليعمّق الانقسام داخل الاتحاد حول موضوع الذهاب بعيداً في محاصرة الاقتصاد الروسي، إذ هو مشروط بتشديد إضافي في العقوبات من شأنه أن يؤدي إلى قطيعة شبه كاملة مع روسيا. وقد بدأ الأوروبيون يشعرون بأنهم أمام معضلة مفاضلة صعبة بين عدم التجاوب مع رغبات واشنطن التي أظهرت الأزمة الراهنة أنها الوحيدة القادرة حالياً على حماية أوروبا، أو قطع العلاقات نهائياً مع روسيا، ما سيؤدي إلى زيادة الاعتماد على الولايات المتحدة وما يستتبعه من تضييق في هامش المناورة واستقلالية المشروع الأوروبي.
تجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن الولايات المتحدة هي المصدّر الأول للغاز المسيّل إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 44 في المائة من احتياجات السوق الأوروبية، وفقاً لبيانات يناير (كانون الثاني) الماضي. وكانت هذه الصادرات قد ارتفعت بشكل عامودي بعد الاتفاق الذي تم توقيعه بين المفوضية الأوروبية وإدارة دونالد ترمب في يوليو (تموز) 2018، حيث كانت بمعدّل 3 مليارات متر مكعّب سنوياً لتصبح 22 ملياراً في العام الماضي. لكن الغاز المسيّل لا يشكّل سوى 18 في المائة من إجمالي الاستهلاك الأوروبي من الغاز، وبالتالي فإن الصادرات الأميركية الحالية لا تغطي سوى 6.6 في المائة من الاحتياجات الأوروبية التي يغطّي الغار الروسي 45.6 في المائة منها.
وفي بداية كلمته أمام قادة الاتحاد، قال بايدن: «إن فكرة وحدة أوروبا بكاملها، ليست فقط الحلف الأطلسي ومجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، هي أهم ما يمكن أن نفعله لوقف هذا الرجل الذي تعتقد بلادي أنه ارتكب جرائم حرب». وبعد أن تحدّث في الجلسة المغلقة أمام القمة الأوروبية عن أهمية تشديد العقوبات وعدم تضييع الفرصة التي يوفّرها هذا الزخم الناجم عن وحدة الصف بين الحلفاء الغربيين، استفاض في الحديث عن موضوع اللاجئين الذين قال إن عددهم قد يصل إلى عشرة ملايين، وإن الولايات المتحدة مستعدة لاستقبال مائة ألف منهم كحد أقصى. وكانت واشنطن قد نجحت حتى الآن في دفع حلفائها الأوروبيين لمواكبتها في تصعيد العقوبات ضد موسكو، لكن الاتحاد الأوروبي لا يبدو مستعداً في الوقت الحاضر لفرض مزيد منها بعد الحزم الأربع التي أقرّها بالإجماع، والتي هي في رأي كثيرين خطوة تاريخية ويعدها آخرون كافية، وأنه لم يعد ثمّة مجال لفرض عقوبات إضافية غير وقف الواردات الروسية من الطاقة التي تضخّ 750 مليون دولار يومياً في خزائن الكرملين.
لكن رغم أن الاتحاد الأوروبي يستورد 90 في المائة من الغاز الذي يستهلكه، منها 40 في المائة من روسيا، فضلاً عن 27 في المائة من النفط ونصف احتياجاته تقريباً من الفحم الحجري، فإن بعض البلدان في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً منها تلك المحاذية لروسيا، مستعدة لمثل هذه الخطوة وما يتأتى عنها من تداعيات. لكن دولاً أخرى مثل ألمانيا وهولندا وإيطاليا تعتبر أن خطوة كهذه من شأنها أن ترتدّ سريعاً، وبشكل كارثي على أوروبا، إذ قد تؤدي إلى إقفال عدد كبير من المصانع وتعقيد المشهد الراهن المعقد أصلاً. من هنا كان إصرار هذه المجموعة الأخيرة على الاكتفاء بالعقوبات الراهنة وتشديد المراقبة لمنع موسكو من الالتفاف عليها. وكانت مداخلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أمام القمة ليلة الخميس، قد أثارت بعض الحرج في الأوساط الأوروبية، عندما أشار إلى كل دولة بمفردها والدعم الذي تقدمه لبلاده، منوّهاً بشكل خاص ببولندا ودول البلطيق، وغامزاً من قناة ألمانيا التي قال إن دعمها كان بطيئاً بعض الشيء. وكان لافتاً جداً توقفه عند المجر ومخاطبته رئيس الوزراء فيكتور أوربان شخصياً بالقول: «أريد التحدث بصراحة كاملة هذه المرة. المجر دولة سيّدة وعليها أن تقرّر إلى جانب من ستقف. أعرف بودابست جيداً وزرتها مرات عديدة، أعرف ما عانته في تاريخها من عنف واغتيالات جماعية. اسمع يا فيكتور، هل تعرف ماذا يحصل في ماريوبول؟ هذا ما تفعله روسيا ويمكن أن يتكرر في العالم اليوم».


مقالات ذات صلة

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب) p-circle

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أعلنت المجر أنها لن تصادق على حزمة العقوبات الـ20 التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزوّد البلاد بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا جندي أوكراني يُطلق طائرة استطلاع متوسطة المدى من طراز «فيكتور» للتحليق فوق مواقع القوات الروسية بالقرب من بلدة باخموت في منطقة دونيتسك (أرشيفية - رويترز)

مطارات في موسكو تقيد الرحلات الجوية وسط هجوم بطائرات مسيرة

فرضت أربعة مطارات في موسكو قيوداً على الرحلات الجوية لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (أ.ب)

البابا ليو: السلام في أوكرانيا «لا يمكن تأجيله»

قال البابا ليو الرابع عشر، في خطاب ألقاه يوم الأحد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي، إن السلام في أوكرانيا «ضرورة ملحة».

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا تظهر هذه الصورة التي التقطها ونشرها المكتب الصحافي لـ«اللواء الآلي 65» التابع للقوات المسلحة الأوكرانية يوم 20 فبراير 2026 عناصر إنفاذ القانون الأوكرانيين وهم يقفون بين الأنقاض أمام مبنى سكني متضرر عقب غارة جوية في كوميشوفاخا بمنطقة زابوريجيا (أ.ف.ب) p-circle

انقطاع الكهرباء في زابوريجيا بعد هجوم أوكراني على بنى تحتية للطاقة

قال مسؤول عيَّنته روسيا، اليوم (الأحد)، إن الجزء الخاضع لسيطرة موسكو من منطقة زابوريجيا الأوكرانية يعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي بعد هجوم أوكراني.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended