البرهان: كسرت طوق «اللاءات الثلاث» لمصلحة بلدي... ولا زيارات سرية إلى تل أبيب

أكد لـ أن زعزعة أمن المملكة نسف لاستقرار المنطقة... و{نستعد لاستقبال استثمار سعودي كبير}

الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)
الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)
TT

البرهان: كسرت طوق «اللاءات الثلاث» لمصلحة بلدي... ولا زيارات سرية إلى تل أبيب

الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)
الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)

كشف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عن مبادرة سعودية استثمارية ضخمة سيعمل السودان على تهيئة البيئة المناسبة لاستيعابها قريباً، مشدداً على أن هجمات الحوثيين المتكررة على المملكة، تتجاوز زعزعة أمن واستقرار المملكة إلى كل المنطقة، مؤكداً وقوف الخرطوم إلى جانب الرياض، واستمرار تعاونهما الاستخباراتي والأمني والسياسي لدرء أي عمل إرهابي وتأمين ملاحة البحر الأحمر.
وأقرّ البرهان في حوار مع «الشرق الأوسط» في الرياض بالاختلالات والتشوهات السياسية والاقتصادية والأمنية التي استطالت مع تمدد الحكومة الانتقالية، لكنه عزاها إلى التشاكس والتشظي السياسي، مؤكداً: «إننا منذ 25 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، مددنا أيدينا للإخوة في القوى السياسية والقوى الوطنية بمختلف أطيافها من أجل الجلوس معاً، بهدف وضع خريطة طريق لإكمال المرحلة الانتقالية»، معرباً عن التزامه التام بعملية التحول الديمقراطي وإكمال عملية الانتقال إلى المرحلة الانتخابية بالتعاون مع كل الشركاء «الوطنيين الحادبين على مصلحة السودان».
وحول الإجراءات التي اتخذتها حكومته بشأن الضالعين في قتل الشباب بالشارع، قال البرهان: «هناك إجراءات تجري على قدم وساق، إذ إن هناك عدداً من المتحفظ عليهم سواء من الأجهزة الرسمية ومن غيرها من المشتبه بأنهم نفذوا عمليات قتل لبعض الضحايا من الجهات الأخرى، ومن المؤكد أن هناك طرفاً ثالثاً في عمليات قتل بعض المتظاهرين في الشارع السوداني، سواء كان ذلك بقصد أو من خلال عمليات الدفع المختلفة عند الاشتباك بين المتظاهرين وأطراف أخرى»، مؤكداً أن السلطات التنفيذية والسيادية لن تتدخل في العمل القضائي، لافتاً إلى أن الإجراءات القضائية والعدلية تسير بالصورة العادية.
وعن جمود العلاقة بين الحكومة الانتقالية الحالية والمكون المدني، قال: «ليس هناك أمام القوى السياسية خيارات كثيرة للحلول، إما نتوافق أو ننتظر حتى انطلاق الانتخابات، ومتى ما جلست هذه القوى معاً ووصلت إلى تفاهم وتوافق بينها، حينها سنعلن استعدادنا للجلوس والتفاهم معها أو نقدم لها كل ما يعينها من قبل المكون العسكري»، مبيناً أن مقترح بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، أكثر مقبولية لكثير من شرائح المجتمع السوداني، ما يعني أنه يمكن الاجتماع حولها، والدفع بها نحو رؤية شاملة للأزمة.
ومع أنه قطع بعدم نيته في الترشح في الانتخابات المزمعة، التي زعم أن 80 في المائة من استحقاقات مؤسساتها اكتملت، فإن البرهان أقرّ بأن عمل حكومته من دون رأس تسبب في مشكلات كثيرة، مستبعداً عودة حمدوك لموقعه الذي غادره منذ شهور، معرباً عن اعتقاده بأن بلاده تتعرض لتشويش وتضليل إعلامي ممنهج ومتعمد من قبل بعض الجهات، مدافعاً عن اتفاقية جوبا للسلام، التي لا يرى أي رابط بينها وبين ما يحدث في شرق السودان، مشيراً إلى أن موقف بلاده من الأزمة الروسية - الأوكرانية يقف عند الحوار والتفاوض.
ومع إقراره بأنه تجرأ على كسر قيد لاءات الخرطوم الثلاث أمام تل أبيب، فإنه عزا ذلك إلى تقديم مصلحة السودان وشعبه في ظل متغيرات الأحداث ما بين زمن اللاءات الثلاث التي صعدت في سماء الأمة العربية العنوان الأبرز لقمة الخرطوم الشهيرة في 29 أغسطس (آب) 1967 على خلفية هزيمة عام 1967، رافضاً توصيف الزيارات المتبادلة بين الخرطوم وتل أبيب بالسرية، إذ لا تخرج عن كونها زيارات تهدف لتبادل المعلومات الاستخباراتية والمعلوماتية ولا تحتاج إلى إعلان ولا إخفاء، متفائلاً بحلّ لأزمة سد النهضة، مشدداً على أنه ليس هناك ما يعكر صفو العلاقة بين الخرطوم وجوبا على خلفية ملف أبيي.
والآتي نص الحوار:
> في زيارتكم للعاصمة الرياض... كيف لمستم أجواء العلاقات السعودية - السودانية؟
- أحيي القيادة السعودية على وقفتها إلى جانب السودان في كل الظروف الصعبة التي مر بها. فالمملكة دولة محورية في المنطقة بشكل عام وعلى المستوى السوداني، وهي دولة شقيقة وصديقة وبيننا علاقة تاريخية طيبة. ولنا أن نفخر بأن الجالية السودانية في أرض الحرمين تتجاوز المليون، حملوا معهم كل الصفات الطيبة، والملك سلمان أثنى عليها بأنها جالية متميزة وتمتعت طيلة وجودها على أرض المملكة بالصدق والأمانة والإخلاص، وهذه شهادة نعتز بها جميعاً.
> حفلت الزيارة بلقاءين مع خادم الحرمين وولي عهده... ماذا بحثتم خلال هذين اللقاءين؟
- الهدف من الزيارة أولاً، كان إطلاع القيادة في المملكة على مجريات الأحداث في السودان، و«إعلان تضامننا الكامل مع المملكة ضد هجمات الحوثيين المتكررة على البلاد. ونحن بطبيعة الحال ندين هذه الهجمات، لأننا على يقين بأن زعزعة أمن المملكة زعزعة لأمن السودان وأرق أمني لدول الإقليم.
خلال اللقاءين، أطلعنا خادم الحرمين وولي العهد على أحوال السودان، وطلبنا منهما استمرار الدعم لبلادنا وللفترة الانتقالية، إذ للمملكة حضور قوي فاعل في المجتمع الدول، من خلال الرباعية (الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات)، فضلاً عن فاعليتها في محيطها الإقليمي، ولما لها من أيادٍ بيضاء دوماً نحو السودان.
> ألم يشتمل برنامج اللقاءات على أي مبادرات سياسية واقتصادية واستثمارية تخاطب الحالة السودانية الحالية؟
- المملكة مستعدة دوماً للاستثمار في السودان، فقط مطلوب مننا في السودان أن نعمل على تهيئة البيئة المناسبة لاستيعاب الاستثمار السعودي وتوفير الضمانات الكافية لحمايته، خصوصاً أن رأس المال يحتاج إلى بيئة آمنة حتى يستطيع أن يعمل بشكل يعظم عوائده وفوائده. ولكن على الرغم من الظروف الصعبة في السودان فإن القيادة السعودية أبدت استعدادها لإطلاق استثمار في السودان بمبالغ لا سقف لها. والتزم ولي العهد بتقديم خدمات للشعب السوداني يستفيد منها بشكل مباشر من خلال مشاريع مختلفة.
> في ظل التهديدات الأمنية للملاحة البحرية، هل تطرقت المحادثات إلى بلورة تعاون محدد لتفعيل اتفاقية الدول المشاطئة للبحر الأحمر؟
- هناك تعاون مستمر بين السودان والمملكة بشأن تأمين البحر الأحمر، ونعمل معاً من خلال توظيف أجهزتنا الاستخباراتية والأمنية، حيث سبق أن تعاونّا معاً في إحباط كثير من العمليات الإرهابية التي كانت موجهة ضد البلدين. لذا هذا الأمر طروح للنقاش على الدوام لأهميته من خلال التواصل والتعاون بصورة جيدة.
> الشعب السوداني ما زال يعاني تردياً اقتصادياً وخللاً أمنياً في كثير من المناطق. ما أدواتكم للتعاطي مع هذا الوضع؟ وما خطتكم لمعالجة هذه الاختلالات؟
- كل هذه الاختلالات السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تتحدث عنها حالياً، ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تراكمات قديمة زادت خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ففي طبيعة الحال، إن أي دولة غير مستقرة سياسياً ستعاني حتماً اختلالاً في وضعها الاقتصادي والأمني. ولذلك فإننا منذ 25 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، مددنا أيدينا للإخوة في القوى السياسية والقوى الوطنية بمختلف أطيافها من أجل الجلوس معاً، بهدف وضع خريطة طريق لإكمال المرحلة الانتقالية.
ومن هذا المنبر، نؤكد التزامنا بعملية التحول الديمقراطي، ونعلن التزامنا بإكمال عملية الانتقال إلى المرحلة الانتخابية، وبأن نعمل على عبور السودان فترة انتقالية تعقبها عملية انتخابات بالشراكة والتعاون مع كل الشركاء الوطنيين الحادبين على مصلحة البلد.
> هناك شبه جمود في العلاقة بين الحكومة الانتقالية الحالية والمكون المدني، الذي يضم قوى الحرية والتغيير. هل هناك مستجدات لتجسير العلاقة بين المكونين لقيادة الفترة الانتقالية إلى الانتخابات بسلام؟
- كنا وما زلنا ندعو إلى التوافق بين مختلف المكونات. وقلنا أكثر من مرة إن التوافق هو الطريق الوحيدة للخروج من الأزمة الحالية، إذ ليست هناك خيارات كثيرة للحلول، إما نتوافق أو ننتظر حتى تقوم الانتخابات. ونحن نرى أن التوافق المطلوب هو التوافق بين كل القوى المدنية على الجلوس معاً. ومتى ما جلست هذه القوى معاً ووصلت إلى تفاهم وتوافق بينها، سنكون مستعدين للجلوس والتفاهم معها أو نقدم لها كل ما يعينها من قبل المكون العسكري.
> إلى أي حدّ أحدث مقترح بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي اختراقاً لعملية لمّ الشمل السوداني؟
- بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، لديهما مبادرة محددة بهدف جمع الصف الوطني. وبالمقابل نحن أيضاً في الحكومة الانتقالية ندعو إلى جمع الصف الوطني، إذ إن هناك تباعداً بين القوى السياسية وفقداناً للثقة بين المكونات السياسية. أعتقد أن للمنظمتين الأممية والأفريقية مقبولية أكبر لدى كثير من شرائح المجتمع السوداني، ما يعني إمكان الاجتماع حولها، والدفع بها نحو رؤية شاملة للأزمة لإيجاد مخرج لها.
> هل من محاولات جارية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة؟
- في الأساس، هذه المحاولات لم تنقطع يوماً وما زالت مستمرة. ونحن دوماً نبادر لإحداث أي شكل من أشكال التقارب مع أي جهة كانت، خصوصاً إذا كانت لديها الرغبة للعمل من أجل مصلحة السودان.
> السودان حالياً من دون رئيس حكومة... كيف تواجهون هذه المعضلة؟
- إن عدم اكتمال تشكيل الحكومة سبّب كثيراً من المشاكل. نحن نتطلع إلى التوافق وننتظر قدوم رئيس وزراء للمرحلة المقبلة، يكون قد حصل ولو على الحد الأدنى من توافق القوى المدنية والسياسية. نحن لا نريد العمل بمفردنا لذلك أعلنا منذ الأيام الأولى أننا لا نريد أن نعمل بمعزل عن القوى السياسية والوطنية.
> هل تم تحديد شخصية معينة لتولي رئاسة الوزراء؟
- ليس بعد.
> هل اقتربتم من ذلك؟
- نعتقد أننا متى تمكنا من الجلوس معاً سنتجاوز هذه المعضلة.
> ما صحة الإشاعة عن عودة الدكتور عبد الله حمدوك لموقعه رئيساً للوزراء؟
- لم نناقش هذا الأمر لأننا لسنا في موقف يجعلنا نقرر لوحدنا، بل نسعى لنقرر جميعاً مع كل القوى السياسية والوطنية.
> إلى متى ستقودون الحكومة الانتقالية من دون رئيس وزراء؟
- نتمنى أن ينتهي هذا الأمر قريباً.
> نسمع عن انتخابات، هل هناك استعداد لإقامة انتخابات؟ هل تم تكوين مؤسسات للعملية الانتخابية؟ وماذا فعلتم حتى تصل الحكومة الانتقالية بالفترة الحالية إلى الانتخابات بشكل سليم؟
- فيما يتعلق بالانتخابات، فإن الأجهزة المعنية بها موجودة أصلاً، كما أن هناك جزءاً كبيراً من اللوجيستيات ذات الصلة متوافر حالياً، حيث إن 80 في المائة من مطلوباتها محفوظة لدى مفوضية الانتخابات، ونعني بها المفوضية السابقة. لذلك يقيني أنه متى حصل شكل من التوافق الوطني بين القوى السياسية، فإنها لا تحتاج إلى أكثر من عام أو عام ونصف العام. لكن نظراً إلى وجود رؤى أخرى مطروحة من قبل بعض الأصوات وبعض القوى السياسية تتحدث عن ضرورة تغيير نظام الحكم في السودان، فلو حدث توافق وطني من القوى السياسية على ذلك واختارت نظاماً رئاسياً، فإنه حتماً سيكون الجهد المطلوب لتنفيذ الانتخابات أقل وأسرع.
> هل لديك رغبة للترشح في الانتخابات المنتظرة؟
- أنا شخصياً ليست لدي رغبة للترشح في الانتخابات.
> الشارع السوداني ما زال يضج بحركة الشباب والثوار ويطالب بإزالة الحكم القائم بينما يواجهون بالرصاص القاتل... ما تعليقكم؟
- أولاً أحب أن أؤكد أن الشباب الذين يخرجون في المظاهرات هم القوى الحقيقية التي خلقت التغيير، القوى الحقيقية المفترض أن تكون صاحبة الصوت الأعلى لبناء المرحلة الانتقالية، لأنهم يعملون لوحدهم ولفترات طويلة من دون أن يروا مستقبلاً للسودان مختلفاً عما كان عليه في الماضي.
> هل أنتم تتحملون مسؤولية سقوط ضحايا المظاهرات؟ أم أن هناك جهات معينة تحملونها المسؤولية؟
- كثيراً ما جلسنا مع أعداد من هؤلاء الشباب، ونحن نقدر الجهد الذي يبذلونه من أجل صناعة التغيير، كما أننا نتطلع إلى أن ينالوا حقهم وحظهم بأن يكونوا موجودين في هذه المرحلة الانتقالية بفاعلية، ونتأسف بشأن الضحايا الذين سقطوا في مظاهرات الشعب السوداني. ويقيننا أنه في نهاية الأمر المسؤولية هي مسؤولية الدولة إذا كان الفاعل من القوات النظامية أو من أي طرف. على الدولة أن تقوم بواجبها نحو ذلك بالعمل على اعتقال أولئك الذين يزهقون الأرواح.
> ماذا تم حتى الآن بشأن الضالعين في قتل الشباب بالشارع السوداني؟
- هناك إجراءات تجري على قدم وساق، وهناك عدد من المتحفظ عليهم من الأجهزة الرسمية ومن غيرها من المشتبه بأنهم نفذوا عمليات قتل لبعض الضحايا.
> ما حيثيات اشتباهكم بطرف ثالث لاختراق صفوف المتظاهرين في الشارع؟
- من المؤكد هناك طرف ثالث في عمليات قتل بعض المتظاهرين في الشارع السوداني، سواء كان ذلك بقصد أو من خلال عمليات الدفع المختلفة عند الاشتباك بين المتظاهرين وأطراف أخرى.
> ما زال الشعب ينتظر محاكمات معلنة ونتائج مقبولة للمحاكمات لبعض رمز النظام السابق... ما تعليقكم؟
- السودان يتمتع بإرث قضائي قديم مشهود له باستقلاليته، حيث إن السلطات التنفيذية والسيادية لن تتدخل في العمل القضائي على الإطلاق، ولذلك فإن الإجراءات القضائية والعدلية تسير بالصورة العادية.
> ما مبررات تحفظكم على لجنة التمكين المنحلّة؟
- هناك لجنة راجعت ملف لجنة التمكين المنحلة، ووجدت مخالفات يجري التحقيق بشأنها الآن.
> كيف تبرر للشعب السوداني إقدامك على كسر طوق لاءات الخرطوم الثلاث مع تل أبيب؟
- أبرر للشعب السوداني بأن مصلحة السودان في تلك الفترة، التي رفعت فيها الخرطوم لاءاتها الثلاث في وجه إسرائيل، كانت مختلفة عما عليه مصلحة السودان اليوم، إذ إن مصلحة السودان اليوم واضحة للعيان، حيث إننا نبحث عن مصالح من أجل مستقبل البلاد.
> لماذا تتسم الجولات والزيارات المتبادلة بين الخرطوم وتل أبيب بالسرّية؟
- ليست هناك زيارات على مستويات عالية، إذ إن كل الزيارات التي تتم حالياً لا تخرج عن كونها زيارات تهدف لتبادل المعلومات الاستخباراتية والمعلوماتية ولا تحتاج إلى إعلان أو إخفاء.
> هل يمكن القول إن الخرطوم وتل أبيب وصلتا إلى مرحلة التطبيع؟
- حالياً العلاقة بين الخرطوم وتل أبيب في طور التشكل.
> هل يعني أن التطبيع قائم لا محالة؟
- ربما الحكومة المقبلة تستطيع القيام بذلك.
> هل تعتقدون أن الحكومة الانتقالية بشكلها الحالي حظيت برضا دولي، وعلى وجه التحديد رضا أميركي وأوروبي؟
- حالياً أصبح معلوماً للجميع أن السودان يتعرض إلى عملية تشويش وتضليل إعلامي ممنهج ومتعمد من قبل بعض الجهات، التي ترى مصلحة السودان بعين ربما حزبية ضيقة لتحقيق مصالح شخصية، ولكن من المؤكد أن السودان حتماً سيعود وسينطلق وسيرى أبناؤه وشبابه المستقبل زاهراً.
> بعض المراقبين يرون أن اتفاقية جوبا للسلام لم تأتِ بسلام للسودان... ما تعليقكم؟
- أعتقد أن اتفاقية جوبا للسلام حققت كثيراً من استحقاقات السلام في السودان، وتبقى هناك استحقاقات. ونحن نعمل مع الجمبع لتحقيق ما تبقى لاكتمال عملية السلام.
> أليس ما يحصل في شرق السودان من قطع للطرق بسبب خلل في اتفاقية السلام؟
- ما حدث في شرق السودان لم يكن له صلة باتفاقية جوبا، وإنما كان ذلك نتاج مطالب رفعها أهالي المنطقة، ومعظم هذه المطالب تعد مشروعة. وتم التحاور مع كثير من المجموعات التي ترفع هذه المطالب، ونحن نتفق على أن حقوقهم يجب أن تجد طريقها للتنفيذ.
> زرتم جوبا قبل أيام قليلة. ماذا كان لملف أبيي والحدود وأزمة ضخ النفط عبر الشمال من نصيب في المحادثات؟
- طبعاً جنوب السودان تعد دولة شقيقة، وبالتالي علاقتنا معها لا تحتاج إلى حديث. فنحن في الشمال والجنوب إخوة، ولذلك لا ننظر إلى الخلافات الحدودية أو قضية أبيي على أنها نواة لمشكلات معطلة للعلاقات بين الخرطوم وجوبا، بل ننظر إليها كواقع يحدونا للتكامل والتلاحم والوحدة. ولذلك كل المطروح عن خلافات في البلدين بسبب الحدود أو منطقة أبيي هي أحاديث لا تحمل التوصيف الصحيح لوضع العلاقة بين البلدين، إذ إننا نعمل في البلدين على معالجة واحتواء بعض الأفكار لنخرج بواقع يعزز تكاملنا ووحدتنا.
> ماذا عن ملف سد النهضة ومستجدات القضية؟
- بدأت عملية التشاور تدور من جديد حول المشكلات العالقة حول سدّ النهضة، ونتمنى أن تكلل بنجاح ونصل إلى توافق يرضي الأطراف ذات المصلحة.
> أديس أبابا اتهمت الحكومة الانتقالية السودانية بدعم التيغراي في حربهم الأخيرة. إلامَ أفضت المفاوضات التي جرت أخيراً بين البلدين؟
- إثيوبيا دولة شقيقة وجارة وبيننا امتدادت تاريخية وإثنية وتداخل من قديم الزمان، ولذلك نسعى بكل ما أوتينا من قوة إلى جعل الحوار والتوافق منهجاً لحل المشكلات في العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا.
> بخصوص الأزمة الروسية - الأوكرانية، ما موقفكم منها؟ وهل لمستم من أثر اقتصادي وسياسي مباشر على السودان؟
- في السودان، نحن دائماً مع السعي إلى حلول الأزمات عبر الحوار والتفاوض. وبطبيعة الحال فإن السودان كغيره من الدول التي تقع ضمن المنظومة العالمية والإقليمية، سينال حتماً نصيبه من انعكاسات الأزمة الروسية - الأوكرانية ضمن محيطه الجغرافي الجيوسياسي.
> أوروبا تتحدث عن احتمال وقوع مجاعة ونقص في الغذاء والطاقة والوقود... إلى أي حد يشكل ذلك وضعاً جديداً تجاه القارة الأفريقية؟
- بطبيعة الحال، فإن أفريقيا تعد مستودعاً لكنز من الخيرات والموارد الطبيعية والطاقات البشرية والإمكانات التأهيلية، لذا ستكون محط أنظار العالم بعد اندلاع الأزمة الروسية - الأوكرانية، وبالتالي فإن الوضع الحالي بشكل عام، يوفر فرصة جديدة للاتحاد الأفريقي ليطلق مبادرة تتمحور حول كيفية توظيف موارد دوله والاستثمار فيها، بشكل يحقق المصلحة للجميع اقتصادياً وسياسياً.



هجوم عنيف وعقوبات على قناة مصرية استضافت صحافياً إسرائيلياً

الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن يتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 (أ.ف.ب)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن يتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 (أ.ف.ب)
TT

هجوم عنيف وعقوبات على قناة مصرية استضافت صحافياً إسرائيلياً

الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن يتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 (أ.ف.ب)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحم بيغن يتعانقان بعد توقيع اتفاقية السلام في البيت الأبيض في مارس 1979 (أ.ف.ب)

تعرضت فضائية «القاهرة والناس» المصرية، والإعلامي بها إيهاب قاسم، لهجوم وانتقادات عنيفة، عقب استضافة صحافي إسرائيلي، في مداخلة هاتفية؛ ما دفع القناة لسحب الحلقة من حساباتها بمواقع التواصل الاجتماعي، بينما منعت نقابة الإعلاميين قاسم من الظهور الإعلامي لحين انتهاء التحقيقات.

واستضاف قاسم، الذي يقدم فقرة تحليلية مخصصة له ضمن برنامج «التوك شو» الشهير «حديث القاهرة»، الصحافي الإسرائيلي جدعون ليفي، والذي تحدث بدوره في عدة موضوعات مرتبطة بالشأن السياسي، ونظرة الإسرائيليين إلى سيناء المصرية.

وتعرض قاسم، وهو أحد المصرفيين الذين احترفوا الكتابة، واعتادوا الظهور في الإعلام، لانتقادات حادة عبر مواقع التواصل الاجتماعي فور بث الفقرة، مع انطلاق مطالبات بمقاطعة القناة التي سارعت بعد ساعات لإصدار بيان أكدت فيه سحب الفقرة من شاشتها ومنصاتها الرقمية. بينما أكد قاسم بتصريحات لوسائل إعلام محلية أن «الضيف يظهر في قنوات عالمية وعربية، وتحدث بشكل سلبي عن إسرائيل»، معتبراً أن ما حدث «تشويه للفقرة من دون التطرق للمحتوى».

إيهاب قاسم - لقطة مثبتة من إحدى حلقاته على قناة «القاهرة والناس» (يوتيوب)

وقالت قناة «القاهرة والناس» في بيان، الأحد، إن قرارها بحذف الفقرة يأتي لحين «استكمال مراجعة جميع الجوانب المتعلقة بإعدادها وعرضها»، مؤكدة «تقديرها لجميع الآراء والملاحظات التي تلقتها وحرصها على التفاعل معها بروح من المسؤولية والاحترام».

وجاء بيان القناة بعد وقت قصير من قرار «نقابة الإعلاميين المصريين» بمنع ظهور مقدم البرنامج إيهاب قاسم وإحالته للتحقيق على خلفية «مخالفته ميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني»، ولكونه «استضاف صحافياً إسرائيلياً وتركه يدلي تصريحات تتضمن أخطاء دون مراجعة أو تصحيح في أثناء الحوار».

الرئيس الأسبق لـ«اتحاد الإذاعة والتليفزيون» وأستاذ الإعلام سامي الشريف، يرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «عدم جواز استضافة شخصيات إسرائيلية في القنوات التليفزيونية المصرية بموجب المدونات الإعلامية المطبقة داخل البلاد»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر ليس فقط مقتصراً على القنوات التليفزيونية لكن أيضاً على الجامعات وغيرها من الجهات».

وعد ما حدث بمنزلة «سقطة كبيرة من شاشة (القاهرة والناس)؛ نظراً لما تمتع به المحطة من انتشار، الأمر الذي يستوجب محاسبة ليس فقط مقدم البرنامج، ولكن أيضاً القناة، حتى لا يسمح بتكرار الأمر عبر أي شاشة أخرى».

ورغم توقيع معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل منذ عام 1979، ظلت التعاملات مقتصرة على العلاقات الرسمية، دون أن تمتد إلى «تطبيع شعبي» في الشارع المصري، بل إن بعض النقابات في مصر تعدّ التطبيع جريمة تُعاقِب عليها.

ولذا ترى العميد الأسبق لكلية الإعلام بـ«جامعة القاهرة» ليلى عبد المجيد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» ما حدث بمنزلة «خرق للمواثيق الإعلامية المتبعة في القنوات المصرية؛ ما يستوجب المحاسبة على ما حدث؛ لأن الجمهور شاهده بالفعل حتى لو تم الحذف بعد الإذاعة».

ويؤكد سامي الشريف، «المسؤولية المشتركة بشأن ظهور الضيف الإسرائيلي، بين القناة والإعلامي الذي أدار الحوار معه»، لافتاً إلى أن «العقوبات يجب ألا تقتصر على تحركات من نقابة الإعلاميين، لكن أيضاً من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حتى يدرك جميع من يفكر في تكرار الأمر، العقوبات المتوقعة».

وتشير ليلى عبد المجيد، إلى إمكانية عدم علم المحطة بهوية الضيوف، قائلة: «بعض البرامج يشتري مقدموها مدة بث على الهواء مباشرة، ولا تكون للمحطة معرفة مسبقة بطبيعة الضيوف»، مطالبة بإلغاء هذا النوع من البرامج، لأن «مقدميها في الغالب ليس لديهم دراية بالمواثيق والأكواد».


العليمي يصعّد دبلوماسياً لمواجهة التهديد الحوثي - الإيراني

العليمي خلال لقائه المبعوث الأممي غروندبرغ (سبأ)
العليمي خلال لقائه المبعوث الأممي غروندبرغ (سبأ)
TT

العليمي يصعّد دبلوماسياً لمواجهة التهديد الحوثي - الإيراني

العليمي خلال لقائه المبعوث الأممي غروندبرغ (سبأ)
العليمي خلال لقائه المبعوث الأممي غروندبرغ (سبأ)

فتحت أزمة الطائرة الإيرانية التي حاولت الوصول إلى مطار صنعاء دون موافقة الحكومة اليمنية مرحلة جديدة في المواجهة السياسية والدبلوماسية بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية، إذ انتقلت المعركة من مجرد خلاف حول إدارة المطار إلى نقاش أوسع يتعلق بسيادة الدولة ومرجعيات السلام وحدود الدور الإيراني في اليمن.

وفي هذا السياق، كثف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي تحركاته السياسية، باستقبال المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، وعقدِ اجتماع موسع مع السفراء اليمنيين ورؤساء البعثات الدبلوماسية، بالتزامن مع إجراءات حكومية لتشديد الرقابة على المجال الجوي، بعد نجاح السلطات (السبت) في منع رحلة إيرانية جديدة كانت متجهة إلى صنعاء.

وخلال لقائه المبعوث الأممي، استمع العليمي إلى إحاطة حول نتائج الاتصالات الدولية والجهود الرامية إلى إحياء عملية السلام وفق المرجعيات المعترف بها، مجدداً دعم الحكومة لجهود الأمم المتحدة، مع التأكيد على أن الجماعة الحوثية اعتادت - حسب تعبيره - التنصل من التزاماتها كلما اقتربت فرص التوصل إلى تسوية سياسية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وربط العليمي بين التصعيد الأخير وبين ما وصفه بارتباط الجماعة بالأجندة الإيرانية، عادّاً أن الأزمة الأخيرة لم تكن مرتبطة بمطار صنعاء أو بما تسميه الجماعة «الحصار»، وإنما بدأت بمحاولة انتهاك سيادة الدولة عبر تشغيل رحلة إيرانية خارج صلاحيات الحكومة الشرعية.

من جهته، أفاد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ بأنه اختتم زيارة إلى الرياض التقى خلالها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وسفير السعودية لدى اليمن محمد آل جابر، إلى جانب ممثلين عن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. وتركزت المشاورات على سبل خفض التصعيد والحفاظ على فرص استئناف العملية السياسية، في ظل التوترات الأخيرة المرتبطة بأزمة الرحلات الجوية إلى مطار صنعاء.

وحسب بيان مكتب المبعوث الأممي، شدّدت المناقشات على ضرورة اتفاق الأطراف على مسار يحافظ على المكاسب التي تحققت منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، مع التأكيد على أهمية تحييد اليمن عن تداعيات التصعيد الإقليمي، وصون المساحة اللازمة لإطلاق عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية تنهي الصراع. ومن المقرر - حسب البيان - أن يواصل غروندبرغ جولته بالتوجه إلى مسقط لاستكمال مشاوراته مع الأطراف المعنية.

مستقبل السلام

قدّم العليمي خلال لقائه المبعوث الأممي رؤية حكومته لمستقبل عملية السلام، مؤكداً أن أي تسوية دائمة لا يمكن أن تنجح ما لم تستعد الدولة سلطاتها الحصرية، وفي مقدمها احتكار السلاح، وإدارة المؤسسات السيادية.

وقال إن اختبارات السلام الحقيقية تبدأ بإنهاء أي وضع يسمح بوجود جماعة تحتفظ بقوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة أو تدعي امتلاك شرعية سياسية أو دينية تتجاوز إرادة المواطنين وسيادة القانون.

كما اتهم الحوثيين باستخدام الأزمات الإنسانية وسيلة للضغط السياسي، مشيراً إلى أن الجماعة سبق أن استهدفت منشآت تصدير النفط في محافظتي حضرموت وشبوة لمنع تحسين الأوضاع الاقتصادية في المناطق الخاضعة للحكومة، عادّاً أن هذا السلوك يتطابق مع النهج الإيراني في استهداف فرص الاستقرار والتنمية في المنطقة.

ويأتي هذا الخطاب في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى إعادة تنشيط المسار السياسي المتعثر منذ انهيار جولة المفاوضات الأخيرة، وسط تصاعد التوتر العسكري والإقليمي المرتبط بالبحر الأحمر.

المعركة الدبلوماسية

في اجتماع ضم السفراء اليمنيين ورؤساء البعثات الدبلوماسية بحضور رئيس الوزراء ووزير الخارجية شائع الزنداني، دعا العليمي إلى تحويل العمل الدبلوماسي إلى جزء من معركة الدفاع عن الجمهورية، مؤكداً أن المواجهة لم تعد تدار في الميدان العسكري فقط، وإنما أيضاً داخل المنظمات الدولية والعواصم المؤثرة ووسائل الإعلام ومراكز صنع القرار.

وقال إن نجاح أي تحرك سياسي أو عسكري بات مرتبطاً بقدرة الحكومة على كسب التأييد الدولي وترسيخ الرواية الرسمية في مواجهة ما وصفه بحملات التضليل الحوثية.

وأوضح رئيس مجلس القيادة اليمني أن الحكومة نجحت خلال الأزمة الأخيرة في تغيير طبيعة النقاش الدولي، عبر التأكيد أن القضية لا تتعلق بمحاولة كسر حصار على مطار صنعاء، وإنما باعتداء على سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، واختبار لقدرة المجتمع الدولي على تطبيق قواعد القانون الدولي واحترامها.

اجتماع العليمي عبر الفيديو المرئي مع السفراء اليمنيين لوضع أولويات التحرك الدبلوماسي (سبأ)

وأشار إلى أن الاتصالات السياسية التي أجرتها الحكومة خلال الأيام الماضية أظهرت تفهماً كبيراً لدى عدد من الدول الشقيقة والصديقة، عادّاً أن هذا الموقف يمثل فرصة لتعزيز الدعم الدولي للحكومة خلال المرحلة المقبلة.

كما وجه البعثات الدبلوماسية بمواصلة العمل على تفكيك السردية الحوثية استناداً إلى الوقائع القانونية والسياسية، وإبراز انتهاكات الجماعة لحقوق الإنسان، وما وصفه بطبيعة مشروعها القائم على تكريس التمييز وتقويض مؤسسات الدولة.

وفي الوقت نفسه، جدّد العليمي ترحيب حكومته بالمبادرات الإنسانية الرامية إلى تخفيف معاناة اليمنيين، ومن بينها المبادرة الأردنية الخاصة بتنظيم الرحلات الجوية، لكنه شدّد على أن الحكومة لن تسمح بأي رحلات إلى مطار صنعاء خارج اختصاصاتها السيادية.

منع أي اختراق جديد

وتزامناً مع التحرك السياسي، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في عدن إلزام جميع شركات الطيران والمنظمات الدولية بالحصول على تصاريح مسبقة قبل دخول الأجواء اليمنية، بوصفها السلطة الشرعية المختصة بتنظيم الملاحة الجوية.

وأكدت الهيئة أن جميع طلبات التصاريح يجب أن تقدم عبر القنوات الرسمية المعتمدة، داعية المشغلين الدوليين إلى الالتزام بالإجراءات المنظمة لحركة الطيران.

وفي تطور ميداني متصل، أعلن وزير النقل محسن العمري نجاح الحكومة في منع طائرة إيرانية تابعة لشركة «ماهان إير» من مواصلة رحلتها إلى صنعاء، بعد اتصالات مع منظمة الطيران المدني الدولي والجهات المعنية، موضحاً أن الطائرة عادت من الأجواء العمانية قبل دخولها المجال الجوي اليمني.

طائرة إيرانية منعتها القوات المسلحة اليمنية من الهبوط في مطار صنعاء (إ.ب.أ)

وجاء ذلك بعدما أظهرت منصات تتبع حركة الطيران رحلة للطائرة الإيرانية باتجاه اليمن السبت، قبل أن تغير مسارها وتختفي إشارتها ثم تعاود الظهور برقم رحلة مختلف بعيداً عن الأجواء اليمنية.

وتعد هذه الواقعة امتداداً للأزمة التي تفجرت عقب محاولات سابقة لتسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء دون تنسيق مع الحكومة الشرعية، وهو ما تعده الحكومة انتهاكاً مباشراً لسيادة الدولة، فيما تصر على أن أي تشغيل للمطار يجب أن يتم عبر القنوات الرسمية ووفق الإجراءات المعترف بها دولياً.

وتعكس هذه التطورات، وفق مراقبين، مساعي الحكومة اليمنية لتحويل أزمة الطيران الأخيرة إلى نقطة ارتكاز لإعادة تثبيت مركزها القانوني أمام المجتمع الدولي، وربط أي تقدم في المسار السياسي بمبدأ استعادة مؤسسات الدولة وسيادتها، في وقت تتواصل فيه جهود الأمم المتحدة لإحياء عملية السلام وسط تعقيدات داخلية وإقليمية كثيرة.


هروب حوثي من مواجهة المطالب الشعبية إلى التصعيد

الحوثيون يتجاهلون اتساع رقعة الفقر ويوجهون الموارد للحشد والتعبئة (رويترز)
الحوثيون يتجاهلون اتساع رقعة الفقر ويوجهون الموارد للحشد والتعبئة (رويترز)
TT

هروب حوثي من مواجهة المطالب الشعبية إلى التصعيد

الحوثيون يتجاهلون اتساع رقعة الفقر ويوجهون الموارد للحشد والتعبئة (رويترز)
الحوثيون يتجاهلون اتساع رقعة الفقر ويوجهون الموارد للحشد والتعبئة (رويترز)

يتزامن اتساع التذمر الشعبي في مناطق سيطرة الحوثيين مع تقارير دولية عن تفاقم الأزمة المعيشية، في وقت تتحدث فيه مصادر سياسية وحكومية عن أزمة مالية خانقة تواجهها الجماعة دفعتها إلى تصعيد خطابها وتحركاتها السياسية والعسكرية لصرف الأنظار عن التدهور الاقتصادي المتسارع.

وكشف تقرير دولي حديث عن تراجع حاد في الأمن الغذائي خلال الأشهر الأخيرة، مع لجوء أكثر من ثلثي الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين إلى استراتيجيات معيشية مصنفة ضمن مستويات الأزمة والطوارئ لتأمين احتياجاتها الغذائية، وسط استمرار تعليق المساعدات الإنسانية واتساع دائرة الفقر وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وقالت مصادر سياسية وحكومية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة الحوثية خسرت خلال الأشهر الماضية أحد أبرز مصادر تمويلها بعد توقف وصول شحنات مجانية من النفط الإيراني كانت تصل عبر طرف ثالث، في أعقاب الحرب الأميركية على إيران، وهو ما تسبب - بحسب المصادر - في أزمة مالية حادة وصراعات داخلية بين أجنحة الجماعة.

عناصر حوثيون يحرسون حشداً للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

وأضافت المصادر أن قيادة الحوثيين اختارت الهروب إلى التصعيد مع الحكومة المعترف بها دولياً، عبر إثارة أزمة الرحلات التجارية إلى مطار صنعاء، رغم أن المبادرة الأردنية لتسيير رحلات منتظمة بين صنعاء وعمان كشفت، وفق المصادر، عدم وجود حظر على الرحلات المدنية، وأن توقفها ارتبط برفض الجماعة تسليم أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية كانت قد استولت عليها قبل أن تُدمَّر لاحقاً خلال الضربات الإسرائيلية على مطار صنعاء.

وترى المصادر أن الجماعة تسعى من خلال هذا التصعيد إلى صرف الأنظار عن تصاعد الغضب الشعبي الناتج عن استمرار انقطاع رواتب الموظفين، وتراجع النشاط الاقتصادي، وإغلاق مكاتب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية واعتقال عشرات العاملين فيها، فضلاً عن استمرار توجيه الإيرادات العامة المتحصلة من الجمارك والضرائب وقطاع الاتصالات إلى تمويل المجهود الحربي والتجنيد، بدلاً من تحسين الخدمات أو معالجة الأزمة الإنسانية.

تدهور الأمن الغذائي

تزامنت هذه التطورات مع تقرير أصدره مركز «أكابس» الدولي المتخصص في الدراسات والتحليلات الإنسانية، أكد فيه أن الأسر اليمنية واصلت الاعتماد على استراتيجيات تكيف سلبية بصورة واسعة، إذ لجأت 64 في المائة منها إلى وسائل معيشية مصنفة ضمن مستويات الأزمة أو الطوارئ لتأمين الغذاء.

وأوضح التقرير أن هذه النسبة ارتفعت إلى 68 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، مقابل 57 في المائة في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، بما يعكس حجم الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر في مختلف أنحاء البلاد، مع تفاوت أسباب الأزمة بين الجانبين.

الحوثيون يواصلون توجيه الموارد العامة إلى المجهود الحربي (إعلام محلي)

وأشار التقرير إلى أن التحسن الموسمي المحدود الذي سجل خلال مارس (آذار) الماضي تبدد سريعاً، بعدما ارتفعت نسبة الأسر التي تعاني من استهلاك غذائي غير كافٍ من 50 إلى 59 في المائة خلال أبريل (نيسان)، في حين ارتفعت نسبة الحرمان الغذائي الشديد من 25 إلى 31 في المائة.

وفي مناطق الحوثيين ارتفعت نسبة الاستهلاك الغذائي غير الكافي من 49 إلى 58 في المائة، بينما بلغت 60 في المائة في المناطق الخاضعة للحكومة مقارنة بـ52 في المائة خلال الشهر السابق.

ورجح التقرير استمرار تدهور الأوضاع في مناطق الحكومة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل والضغوط التضخمية ونقص الكهرباء وتراجع فرص العمل الموسمية، وهي عوامل تحد بصورة مباشرة من قدرة الأسر على الحصول على الغذاء.

اتساع الفقر يعمق الأزمة الإنسانية في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

أما في مناطق الحوثيين، فأشار التقرير إلى أن استمرار تعليق المساعدات الإنسانية واسعة النطاق، وتراجع فرص كسب الدخل، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، ولا سيما الزيوت النباتية، إضافة إلى أزمة السيولة النقدية، ستؤدي إلى اتساع فجوات الاستهلاك الغذائي وزيادة اعتماد الأسر على وسائل تكيف تستنزف أصولها ومواردها على المدى الطويل.

لا فرص للعمل

في السياق نفسه، حذرت شبكة الإنذار المبكر من المجاعة من أن اليمن ما يزال من بين الدول ذات أدنى معدلات المشاركة في القوى العاملة على مستوى العالم، إذ لا يشارك في النشاط الاقتصادي سوى نحو ثلث السكان في سن العمل، نتيجة عجز الاقتصاد عن استيعاب مزيد من العمالة.

ورأت الشبكة أن الهدنة التي ترعاها الأمم المتحدة أسهمت في خفض مستوى العنف مقارنة بسنوات الحرب الأولى، لكنها لم تنعكس على تحسن الظروف المعيشية، إذ لم تتمكن غالبية الأسر من استعادة مصادر دخلها، مع استمرار شح فرص العمل وتراجع النشاط الاقتصادي.

ارتفاع أسعار الغذاء يدفع الأسر اليمنية إلى مستويات الأزمة والطوارئ (إعلام محلي)

وأوضحت أن معظم سكان المدن يعتمدون على أعمال القطاع غير الرسمي، مثل البناء والتجارة الصغيرة والنقل والحرف اليدوية والأنشطة المرتبطة بالموانئ، إلا أن استمرار الانكماش الاقتصادي وتراجع الاستثمارات وإغلاق أعداد كبيرة من الأنشطة التجارية أدى إلى اشتداد المنافسة على فرص العمل المحدودة.

وفي المناطق الريفية، لا تزال الزراعة تمثل المصدر الرئيسي للدخل والغذاء، غير أن استمرار الصراع، وشح المياه، وتراجع الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي، وصعوبة الحصول على المدخلات الزراعية، كلها عوامل أسهمت في انخفاض الإنتاج الزراعي وتراجع دخول الأسر.

وأكدت الشبكة أن تدهور سبل العيش واتساع رقعة الفقر واستمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية تجعل ملايين اليمنيين أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والمناخية، وتتسق مع تحذيرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من أن اليمن ما يزال يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، في ظل استمرار تراجع التمويل الإغاثي، وانقسام المؤسسات الاقتصادية، واعتماد ملايين السكان على المساعدات الإنسانية.