حروب «تويتر» الثقافيّة... من يحارب من؟

لأوّل مرّة منذ مطبعة غوتينبيرغ توفّرت أداة لنقل الأفكار بسرعة هائلة

«تويتر»... الأشد حديّة ونزقاً من مواقع التواصل الأخرى
«تويتر»... الأشد حديّة ونزقاً من مواقع التواصل الأخرى
TT

حروب «تويتر» الثقافيّة... من يحارب من؟

«تويتر»... الأشد حديّة ونزقاً من مواقع التواصل الأخرى
«تويتر»... الأشد حديّة ونزقاً من مواقع التواصل الأخرى

قبل أقلّ من 20 عاماً، وبالتحديد في 21 مارس (آذار) 2006، تأسس في الولايات المتحدة موقع التواصل الاجتماعي الأزرق «تويتر». ومن يومها لم يعد العالم ذاته – أقلّه في فضاء ما صار يعرف بـ«الحروب الثقافيّة» – العالم من قبل. لقد افترس هذا الموقع الأنيق من حينها نقاط ضعف البشر سعياً لسرقة اهتمامنا والتأثير على سلوكياتنا ونظرتنا للأشياء وتوريطنا في صراعات وخلافات استقطابيّة بين معسكرات متناقضة لا يمكن جسرها. ويسهل بالطبع إلقاء اللوم هنا على الإنترنت وتطبيقات التواصل الاجتماعي والخوارزميّات الخفيّة، ولكن هذا «الافتراس»، وإن عكس تغوّل تكنولوجيا الرأسماليّات المعاصرة على المجتمعات وهيمنة صناع الثقافة الغربيين على «عقل العالم»، لم يكن ليكتمل لولا خلل ما في تركيبة إنسانيتنا ذاتها، يدفع مئات الملايين منّا للانخراط طواعيّة في سلك «المُفتَرَسين». إذا لا بد أن ثمّة ما نحصل عليه من هوياتنا المكتسبة - تغريداً ومتابعة لتغريدات الآخرين - ويفسّر استثمارنا المستمر في الوقت والجهد والسمعة وانخراطنا السافر أحياناً في حروب «الثقافة» بلا هوادة ضد الآخر المُختلف.
ليست الحروب الثقافيّة – بغض النظر عن الحداثة النسبيّة للمصطلح المستخدم لوصفها والمستعار من أبشع مآثر البشر عبر التاريخ – بالأمر المستجدّ، فقد خبرها العالم في مراحل مختلفة، وانقسمت آراء الناس، في غير ما مفصل، حدّ التناقض المؤدي إلى الاقتتال لعل أقربها للذّاكرة مرحلة الحرب العالميّة الأولى وما تلاها في العشرينات من صعود للفاشيات، ومن ثمّ مرحلة الحرب الباردة بعد صمت مدافع الحرب العالميّة الثانية، التي خيضت بعض معاركها بالوكالة على الأرض، فيما أغلبها شنّ عبر أدوات ثقافيّة وفكريّة وإعلاميّة. وعلى سبيل التعريف المباشر، فإن القضايا التي تتحول حروباً ثقافيّة تشير دائماً إلى انقسام حاد في الآراء بشأن مسائل تستقطب الخلافات، ويتم اختزالها في كثير من الأحايين إلى معسكرين متباينين؛ مع أو ضد، نعم أو لا، أو ثنائيّات خير وشرّ، أو أبيض وأسود. وهذه تنعكس غالباً تمزقاً مجتمعياً يُعبّر عنه في وسائل الإعلام بمصطلحات «حربيّة» الإيحاء.
تجدد مزاج الحُروب الثقافيّة في القرن الحادي والعشرين بعدما أثارت المترتبات القاسية للأزمة الرأسماليّة العالميّة الأخيرة (2008) عواصف من غضب مست قلوب أكثريّات أُرهقت مادياً واجتماعيّاً من قبل الأنظمة الليبراليّة سعياً لإنقاذ الأقليّات الثريّة ومؤسساتها المالية الفاسدة من الاندثار. ولكن الجديد هذي المرّة أنّ الغضب الجماعي الشامل وجد ظاهرة جديدة ينفث من خلالها أنفاسه؛ مواقع التواصل الاجتماعي («تويتر»، كما «فيسبوك» الذي أطلق للعموم في 2006 وغيرهما). إذ لأوّل مرّة منذ مطبعة غوتينبيرغ، في النصف الأوّل من القرن الخامس عشر، توفّرت أداة ثوريّة لنقل الأفكار بسرعة هائلة إلى أعداد لا حصر لها من البشر بتكلفة ماديّة مباشرة لا تكاد تذكر، وضمنياً بالتالي سهولة التجييش والتلاعب بالمشاعر والعبث بالعقول.
بدأت الحروب الثقافيّة على «توتير» – الأشد حديّة ونزقاً من مواقع التواصل الأخرى، بسبب محدوديّة عدد الأحرف التي يمكن استعمالها للتعبير، وانعدام فرص التعديل على ما كتب سابقاً – على شكل استهدافات لأقليّات صغيرة، أو فئات لا تنسجم مع المزاج السريع الاشتعال للجمهور الأعرض، لكنّها سرعان ما تحولت ساحة لجدالات ومهاترات حول القضايا السياسيّة الأعم التي تثيرها الأيادي الممسكة بزمام «ريموت كونترول» وسائل الإعلام الرئيسة، ثم ما تلبث تنتقل إلى هشيم ينتظر الاشتعال على مواقع التواصل التي تتولى خوارزمياتها مكافأة الغضب، وتسهّل توصيل شراراته إلى كل من تتوسم فيهم - بعد طول مراقبة - قابليّة للاهتمام بالمتداول، لتنتقل الخلافات من ملعب السياسيين وقادة الرأي إلى بيوت الناس العاديين، ولاحقاً هواتفهم المحمولة (الذكيّة).
ويرى جيمس هنتر، وهو أحد أهم علماء الاجتماع المهتمين بهذه المنصّة السيبيريّة المستجدة للحروب الثقافيّة، أن هذا الانتقال إلى النطاق الأوسع لحجم المتورطين في الجدالات الاستقطابية ينقلها من حيّز الخلاف المحدد حول نقطة بعينها إلى تصورات متناقضة بالكليّة لمعنى العالم عموماً بحيث تنعدم تماماً فرص بناء جسور بين المعسكرات، وتتحول لقاءاتها إلى تبادل للشتائم والسخريّة، بينما يرتكس كل فريق إلى غرفة صدى تجتر ذات المفاهيم والأفكار بين أشخاص متشابهين يجمعهم غالباً العداء للمعسكر الآخر أكثر بكثير من توحدهم على مجال مشترك. وتفسّر ماريا سوبوليوسكا، أستاذة العلوم السياسية في جامعة مانشستر، بأن الحروب الثقافيّة لا تنشأ على أسس الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار ولا يطلقها بالضرورة طرف منهما دون الآخر، وإنما هي فجوات تتكوّن بين فئات المجتمع «بسبب تباين السرعات التي يحدث على إيقاعها التغيير الاجتماعيّ»، فبينما يتمسك المحافظون وكبار السنّ بالمألوف والمؤسس والماضي، تميل الأجيال الجديدة إلى المختلف والطارئ والمستقبلي، وبينهما – كما يقول غرامشي عن مجتمع مات قديمه، ولمّا يولد جديده بعد – تظهر الوحوش والمخلوقات الغرائبيّة التي لا شكّ يسهل توظيفها من قبل مستخدمين أذكياء، ومؤسسات، لتأجيج نيران الحرب بوتيرة مستمرّة. وفي عالم تسوده الفردانيّة الليبراليّة، فإنّ هنالك حافزاً جليّاً لقضاء ساعات في التصارع مع الآخرين وتوبيخهم وتقريعهم وإثبات وجهات النظّر الشخصيّة بغض النّظر عن صحّة مرجعيتها أو دقّتها، بلّ أصبح ذلك شكلاً مشروعاً ومحتفى به من الهويّة المهنيّة للمؤثرين وقادة الرّأي والسياسيين، على اليسار واليمين. ولعله من نافل القول الإشارة إلى أنّه من الصعب المشاركة في الحروب الثقافيّة دون ادعاء تفوق أخلاقي مزعوم أو اللجوء إلى ترديد ببغائي للأفكار (بل سرقة النصوص وإعادة نشرها دون الإشارة إلى مصدرها)، أو كيل الشتائم ولصق الاتهامات بالشّر أو الغباء أو التفاهة على الغريم. وهنا ينبغي للناس أن يدركوا أنهم عبر تحقيرهم للآخر - البعيد مسافة - ومهما ساعدهم ذلك في التخفيف من حدّة العزلة والملل، أو الترقي الوظيفي، أو اكتساب الشهرة، أو لمجرّد شعور الضعفاء بالحاجة لعمل شيء ما كصرخة في وجه العالم الميؤوس منه، فإنّهم في المحصلّة يخوضون بالموازاة في مستنقعات تدمير ذاتي بطيء تجعل من الإنسان مع مرور الوقت أقل نبلاً، وأقلّ اعتياداً على ممارسة التعاطف الإنساني ذي الأهميّة القصوى في هذا العالم البارد والقاحل.
في مقابل هذه الصورة السوداويّة، فإن جرعة من الواقعيّة قدّمتها دراسة حديثة أجرتها كليّة كينغز في لندن، بالتعاون مع إحدى شركات الأبحاث الاستقصائيّة، واستهدفت قياس أعداد المشتركين بالفعل في الحروب الثّقافيّة بين المجموعات السكانيّة (في بريطانيا)، أظهرت أن «معظم الناس لا يتأثرون بشكل خاص بكثير من القضايا الخلافيّة، وكثير منهم يتخذ موقفا وسطاً أو متحولاً دون ثبات، أو لا يشارك مطلقاً، نحو 51 في المائة»، وهذا على الرغم من «الطفرة الهائلة» في متابعة تلك الحروب، فالأغلبيّة – كما في الغرب وأماكن أخرى – تميل إلى الاعتدال، وتتجنّب اتخاذ مواقف حادة، وأكثر حكمة عموماً من المتطرفين على جانبي الاستقطاب في التعاطي مع الأحداث والأزمات، اللذين سيتقاسمان - بالتساوي تقريباً – الـ49 في المائة الباقية. ولا شكّ أن فئة «الوسطيين» في بلاد العالم الثالث - حيث انتشار الهواتف الذكيّة وخدمات الإنترنت ما زال محدوداً في إطار طبقات ميسورة – تشكّل نسبة أعلى حتماً من المجموع الكلي للسكان في الغرب.
ولكن هل هذا التقسيم جعل البحث عن سياسات لوقف الاشتباكات الثقافية عملاً إيجابياً؟ بالتأكيد لا، إذ إنّ إدانة هذا الوضع بشكل شامل يخاطر بسدّ النافذة المفتوحة لفرصة النّقاش العام بشأن الاستحقاقات الأساسيّة الهامة للمجتمع (كحقوق الإنسان، وحماية العمال، وتوفير التعليم والرّعاية الصحية)، ما يجعل الانسحاب من حروب الثقافة كليّة عملاً أنانياً، بل لا أخلاقياً على مستوى ما، ولا يليق بالمواطن في المجتمعات الحديثة. فمن «المؤكد أنّه إذا لم توجد مشاركة إيجابيّة في الحروب الثقافيّة، على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن من المستحيل تجاهلها».
يقول البروفسور بوبي دافيي، من فريق دراسة كينغ كولديج؛ علينا أن نتعامل بعقلانيّة أكبر، وتقبلّ حقيقة أنّ اتخاذ موقف متعاطف مع قضيّة ما لا يتطلّب بالضرورة التجنّد لشن حرب لا تذر على أصحاب الضفّة الأخرى.



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»