دبي تطلق {ثورة} في الخدمات الحكومية

القرقاوي لـ {الشرق الأوسط} : المبادرة رسالة الإمارات للعالم

دبي تطلق {ثورة} في الخدمات الحكومية
TT

دبي تطلق {ثورة} في الخدمات الحكومية

دبي تطلق {ثورة} في الخدمات الحكومية

بحلول عام 2021 سيصبح كل مراجع للدوائر الحكومية في دبي عميلا مميزا يتلقى خدمات على مستوى «خمسة نجوم»، ويحظى بصفحة شخصية وحساب خاص ينجز من خلاله معاملاته، ويتواصل معه مسؤول واحد يتولى إدارة كل احتياجاته، في علاقة مختلفة وإطار جديد للخدمات الحكومية تنافس القطاع الخاص.
كانت هذه واحدة من أبرز ملامح مبادرة «حكومة دبي 2021» التي أطلقها الشيخ حمدان آل مكتوم ولي عهد دبي خلال الجلسة الخاصة التي حملت عنوان المبادرة في صدارة أعمال أول أيام «القمة الحكومية 2014»، التي انطلقت أمس بمشاركة ممثلين ومسؤولين من 50 دولة حول العالم.
وأكد الشيخ حمدان أن المبادرة جاءت شاملة في مضمونها وجامعة لأسس الرقي ومقومات النجاح، وأنها تأتي ترجمة لرؤية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حول «حكومة المستقبل» التي تتطلع إلى تقديم أداء لا يرقى فقط لطموحات المتعاملين ولكن يتجاوزها إلى مستوى أرفع من الخدمة وصولا إلى إسعاد الناس، كما أكد على أنه الهدف الأول على سلم أولويات الحكومة.
وأوضح ولي عهد دبي أن المبادرة تسعى إلى إعادة تشكيل التجربة الحكومية برمتها ونقلها إلى مستوى غير مسبوق على مستوى حكومات العالم تنافس فيه أقصى ما وصلت إليه مفاهيم خدمة المتعامل في القطاع الخاص لتتجاوز بمراحل المفاهيم السائدة حول تطوير الخدمات والأفكار المتداولة بشأن التركيز على المتعامل أو حتى تلك المتعلقة بتعزيز الكفاءة والفاعلية والتميز «حيث ترمي المبادرة إلى إحداث ثورة حقيقية في مفهوم الخدمة الحكومية بنهج يشعر معه المتعامل بأنه بالفعل محور الخدمة وبأن تلبية توقعاته هي منتهى غاية الجهاز الحكومي».
وأشار إلى أنه قد روعي في بناء مكونات المبادرة كل العناصر ذات الصلة بالعمل الحكومي، آخذة في الاعتبار منظور المتعاملين للحكومة على أنها «جهاز واحد» يقدم خدمة متكاملة، وأن مبادرة «حكومة دبي نحو 2021» ترمي إلى تحقيق هذا التكامل والتناغم الكامل في الأدوار بين الدوائر والهيئات بتقديم واجهة تطبيق واحدة ورقم تعريفي موحد ورقم هاتف واحد ومكان واحد وموظف واحد يمكن من خلالهم للمتعامل من الجمهور الحصول على الخدمات الحكومية بأسلوب فعال وسهل وسريع.
وتختصر فكرة «الرقم التعريفي الموحد» الوقت والجهد على الفرد والموظف، بحيث يكون تقديم الوثائق الرسمية من قبل المتعامل مرة واحدة في بداية التعامل مع أية جهة حكومية، وفي المقابل يحصل المتعامل على «رقم مرجعي» خاص به ومعرف لدى كل الدوائر ومربوط كذلك بالهوية الوطنية، ويستخدم هذا الرقم للتعريف بالمتعامل سواء في الدخول إلى حسابه في واجهة التطبيق الموحدة أو في التحدث مع الموظف الشامل أو حتى في الحصول على الخدمة من خلال الفروع ومراكز الخدمة المنتشرة في المدينة.
ومن شأن الرقم التعريفي الموحد أن يرفع العبء عن كاهل المتعامل وكذلك جهة تقديم الخدمة، كما أنه يساهم في رفع مستوى تأكيد دقة البيانات وتجنب الأخطاء، علاوة على خفض تكاليف تقديم الخدمة بشكل ملحوظ من خلال تفادي التعامل مع كم كبير من الوثائق والمستندات في كل محاولة للحصول على الخدمة.

وفي نفس السياق، قال محمد القرقاوي وزير شؤون مجلس الوزراء رئيس اللجنة المنظمة للقمة الحكومية إن القمة تأتي تجسيدا لرؤى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي للارتقاء بالخدمات الحكومية بما يحقق السعادة للمتعاملين وتلبية جميع متطلباتهم.
وأوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش انطلاق الدورة الثانية من القمة الحكومية المنعقدة في مدينة دبي أن القمة تحرص على جمع أفضل الخبرات والمواهب عالميا لتحقيق الهدف الأسمى الذي يتمثل في تحقيق سعادة الإنسان وراحته ورخائه واستقراره، ولتكون هذه رسالة تقدمها الإمارات للعالم، لإثراء المعرفة وتحديد الأدوات وتبادل الخبرات، لتطوير الخدمات الحكومية.
* تعقد الدورة الثانية من القمة الحكومية في دبي، ما رؤية هذه الدورة وما الذي تتطلع إليه؟
- الهدف الأساسي من القمة الحكومية، أن الشركات تطور منتجاتها وتحسن من خدماتها، حيث إن بعض الشركات لديها 100 مليون عميل، وبالتالي هي تعمل على الإبداع وطرح كل ما هو جديد، بينما تملك الحكومات ستة مليارات عميل، وهو عدد سكان الكرة الأرضية، ولكن الانطباع العام المأخوذ عن الحكومات أنها حكومات بيروقراطية وتقليدية وغيرهما، واليوم من خلال القمة الحكومية نعمل على بناء مفهوم جديد للحكومات، بأنها حكومات مبدعة وتفكر في عملائها وتطور في خدماتها وتنظر إلى المستقبل، حيث إن هذا التجمع قائم على هذا المفهوم، بالإضافة إلى محاولات لتحويل تجارب القطاع الخاص إلى حكومية وتجارب دول العالم المشاركة في القمة، الحكومات الذكية ممكن أن تكون مثلما تحدث عنها البروفسور كلاوس شواب، مؤسس ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي «دافوس» الشريك الاستراتيجي للقمة الحكومية، والذي تحدث عن السعادة، حيث إنه لا بد أن تكون المدن سعيدة لأن تكون الدول بدورها سعيدة، والحكومات الذكية إحدى وسائل بناء السعادة للمواطن، في أي دولة من دول العالم من خلال تقديم خدمات لهذا المواطن، خدمات سهلة وتصل إليه، وتكون في هاتفه، وفي حال قمنا بهذه المفهوم فإن ذلك سيعمل على توفير المال والجهد للحكومات والمواطنين، وعندما نتحدث عن الحكومة الذكية فإن المفهوم يختلف من مدينة إلى مدينة أخرى، حيث يوجد مدن تعمل على التنقل الذكي، كما هو حاصل في دبي من خلال المترو ينتقل على مسار 70 كيلومتر دون سائق ويتضمن شبكات إنترنت لاسلكية، وطائرات الإمارات تعد طائرات ذكية لتوفيرها خدمة الشبكات اللاسلكية وبالتالي تتحول الطائرة إلى طائرة ذكية، إضافة إلى الحافلات وسيارات الأجرة، في الوقت الذي تعد فيه البنية التحتية الأفضل على العالم، بالإضافة إلى التطبيقات الذكية التي نلمسها في ممارسات في حياتنا اليومية من خلال تطبيقات للوزارات، وأهمية الحكومات الذكية هي نظرتنا نحو المستقبل، وكيف يمكن استخدام التكنولوجيا لخدمة المواطن، واليوم كمية المعرفة بدأت تزداد، حيث إن حجم المعرفة منذ بدء الحضارات إلى 1990 معروف بالكامل وهو ما يساوي 10 دقائق من عمر التكنولوجيا، ومستقبلا قد يصل هذا الحجم إلى دقيقة، وبالتالي فإن المفهوم قائم عن كيفية استخدام التكنولوجيا لتقديم خدمات لأي مواطن في أي مدينة بالعالم.
* ما العوامل التي من الممكن أن تساعدكم في تحقيق هذه الرؤية؟
- توجد عدة عوامل، والحديث هنا حول دول مجلس التعاون، تتمثل في نسبة استخدام الهواتف الذكية فدول الخليج تعد الأعلى في العالم، وبالتالي لدينا في جميع دول الخليج نسبة استخدام كبيرة، إضافة إلى الاستثمارات الضخمة لشركات الاتصالات في دول المجلس التعاون في البنى التحتية، حيث تعتبر دول مجلس التعاون سباقة في الاستثمار في البنى التحتية للاتصالات، يضاف إلى ذلك الشبكات بوصول تقنية الشبكات إلى الجيل الرابع، وهذا موضوع أساسي لتحقيق تلك الرؤية، لوجود حجم من الاستثمارات بمئات المليارات في البنى التحتية، ولكن لا يزال لم يتم استخدام تلك الشبكات بالشكل التي يوازي قدرتها، ولكن نحن نقول من الضروري استخدام تلك البنية التحتية، ودول الخليج سباقة في ارتفاع نسبة استخدام الهواتف الذكية في العالم، إضافة إلى امتلاكها واحدة من أفضل شبكات البنية التحتية في العالم، وفي الجانب الآخر نحن نعتقد أنه ما زال هناك فجوة كبيرة فيما يتعلق بالمحتوى، وبالتالي من الضروري إيجاد مراكز بحثية، وبالتالي لدينا ضعف فيما يتعلق بالمحتوى، ونوعية التطبيقات، والابتكارات، والأفكار الجديدة والإبداع، واستخدام طاقات الشباب، حيث نملك مبدعين في العالم العربي، ولكننا لم نستخدم هذه الطاقات في خدمة ذلك التوجه، نحن في الإمارات لدينا تجربة، التطبيقات الذكية لدينا مسابقة يوم غد في القمة الحكومية، تتضمن أفضل تطبيق في العالم وفي العالم العربي وأفضل تطبيق إماراتي، عملنا مسابقة بين طلبة الجامعات جائزتها مليون درهم (272 ألف دولار)، من سيقدم أفضل تطبيق ذكي، وصل لنا 91 تطبيقا ذكيا، حيث بدأت الجامعات في المنافسة مع بعض، واكتشفنا أن الشباب لدينا أفضل من الشركات، واليوم لدينا ثروة من شباب البلاد موجودة، ولا بد أن نستخدمها أو ستتجه لقطاعات أخرى تضر بمصالح دول المنطقة وهي لها انعكاسات معينة، وبالتالي فإن الطاقة الموجودة لدى الشباب تستخدم لعمل تطبيقات لخدمة الحكومة والبلاد، وخرجت تطبيقات جميلة من هذه المبادرة.
* هل تعتقد أن البنى التحتية في دول مجلس التعاون قادرة على استيعاب هذه الرؤية؟
- البنية التحتية التكنولوجية في دول مجلس التعاون متطورة أكثر من أميركا، نتحدث عن البنية التكنولوجيا الألياف البصرية، وعن شركات الاتصالات، والجيل الجديد من الهواتف الذكية والعادية، تعتبر المنطقة من أرقى مناطق العالم في هذا الجانب، دول الخليج تفتقد الجانب الآخر وهو جانب المحتوى الذكي، وعلى سبيل المثال التطبيقات الذكية، ومن خلال تجربتنا فشبابنا قادر على عمل هذه التطبيقات، وأعتقد أن لدينا كنزا يحتاج إلى اكتشاف، وذلك لخدمة مجتمعاتهم، ولدينا تجربة من خلال الشهور الماضية، وهي طائرة دون طيار والتي تستخدم في القصف ببعض الدول، نحن استخدمناها في كيفية تقديم خدمات، حيث كانت لنا تجربة من خلال إيصال بطاقة الهوية من المركز الرئيس بعد إرسال المواطن رسالة نصية من الهاتف المحمول بهدف تجديد البطاقة، يتم تجديدها وإرسالها إلى منزل المواطن تهبط فيه ويأخذ البطاقة وترجع هذه الطائرة إلى المركز الرئيس، وبالتالي هذا نموذج لتسخير التكنولوجيا لخدمة الناس، وللعلم فإن مخترع هذه الخدمة هم عدد من الشباب.
* بنيت الرؤية على معطيات حالية وكما تعلم أن التقنية متغيرة بشكل سريع، كيف يمكن مواكبة تلك المتغيرات المستقبلية من الرؤية التي تم وضعها في الوقت الحالي؟
- أعتقد أن التقنية ستتطور بشكل كبير، وجزء أساسي من القمة الحكومية هو قراءة ما سيحدث مستقبلا، وبالتالي أقمنا معرضا لخدمات المستقبل، يقدم كيف يمكن أن تكون الخدمة مستقبلا، ودور الحكومة كيف يمكن أن تكون سباقة، في العادة الشركات هي السباقة، ولكن نحن نتطلع لأن تكون الحكومات هي السباقة، ولديها هدف واحد يتمثل في إسعاد الناس، وأعتقد إذا فهمنا التوجهات المستقبلية سنعرف كيف يمكن أن نشتغل، ولدينا محاضرة اليوم تتحدث عن قراءة المستقبل، حيث سيلقي المشارك عن عام 2050، حيث يرصد جوائز عالمية، وكانت إحدى جوائزه تخصيص 10 ملايين دولار لأول شخص أو شركة، وقبل عدد من الشركات استطاعت شركة أن تصل إلى الفضاء وحصلت على الجائزة مقارنة بميزانيات وكالة الفضاء الأميركية التي تضخ مليارات من الدولارات في هذا الجانب، وبالتالي فإن المستقبل قائم على الأفكار الجديدة والإبداع وطريقة فهمك له وما تعمله استعدادا له.
* كيف تقيم تفاعل المشاركين في الدورة الثانية من القمة الحكومية، في ظل سعيكم لبناء المستقبل بدء من اليوم؟
- أعتقد أنه بوجود 50 دولة مشاركة في العملية هذه ووجود أفضل عقول في العالم المبدعة، والدمج بين الحكومات والمبدعين والاستماع لبعض في مكان واحد، فإن ذلك سيولد أفكارا جديدة، وعلى الأقل تكتشف موقعها اليوم من ذلك الإبداع والتقدم الحاصل في العالم، أعتقد أن اليوم المرحلة الأولى هي مرحلة تعلم، ومرحلة استكشاف ومرحلة ما يمكن تطبيقه من جميع التطبيقات المنفذة في العالم، وهي ما يمكن وصفه تبادل معلومات والبحث عما يناسب كل حكومة من هذه التطبيقات، والقمة الحكومية استطاعت أن تضيف هذا الحراك.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.