مقاطعة الثقافة الروسية تثير جدلاً في فرنسا

كاتبة وصفتها بأنها {شكل من أشكال الاستبداد... كأننا في أوج مرحلة المكارثية}

مشهد من بحيرة البجع
مشهد من بحيرة البجع
TT

مقاطعة الثقافة الروسية تثير جدلاً في فرنسا

مشهد من بحيرة البجع
مشهد من بحيرة البجع

«ها هو الرجل بكامله وهو يهاجم ساقه بينما المذنب هو حذاؤه... »، هذه المقولة المشهورة لصمويل بيكيت قد تلخص لحد ما الجدل الذي يعيشه الوسط الثقافي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. فمنذ فترة يحتشد الغرب لفرض مقاطعة ثقافية على روسيا لم يسبق لها نظير ولم يشهدها العالم، ولا حتى في أوج الحرب الباردة. بدأ الأمر بقرار من أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، بحجب بث قناة «روسيا اليوم» و«سبوتنيك»، تلتها سلسلة إجراءات اتخذها مسؤولون رسميون ودوائر ثقافية غربية بإلغاء تظاهرات مختلف أشكال الفنون والثقافة الروسية، إضافة لإلغاء دعوات حضور الوفود الروسية لمختلف الفعاليات المتوقع إحياؤها في الخارج، ووقف كل أشكال التعاون الثنائي. الموضوع أثار جدلاً في الأوساط الثقافية الفرنسية بين مؤيد ومعارض.
كثير من رجال الفن والثقافة عارضوا فكرة مقاطعة الثقافة الروسية، فهي برأيهم لن تغير شيئاً في المشكلة، بل قد تقلب السحر على الساحر وتجعل الروس يعتقدون أن العالم كله ضدهم. آن صوفي شازون صاحبة كتاب «حرية التعبير... أشكال الرقابة المعاصرة»، كتبت في مقال نشرته صحيفة «لو كوزو» الفرنسية بعنوان: «ثقافة الإلغاء تطال روسيا: أي شخص يتمتع بكامل قواه العقلية قد يسأل نفسه كيف يمكن أن يكون الموسيقيون، لاعبو كرة القدم، أصحاب المطاعم أو الكتاب الذين ماتوا منذ أكثر من قرن مسؤولين عن سياسة بوتين؟ وقد يبحث أيضاً، دون جدوى، عن العلاقة التي تربط دوستويفسكي بمصير الأوكرانيين في 2022... أيكون ذلك بسبب كلمة (الجريمة) الموجودة في عنوان روايته الشهيرة؟!»، تتساءل الكاتبة بأسلوب ساخر، وتضيف: «للأسف هذا لم يمنعه من الإفلات من الشكوك ومطاردة الساحرات التي نشهدها اليوم... سخافة فكرية وأخلاقية مشينة». وتختم الكاتبة الفرنسية مقالها الطويل بالكلمات التالية: «رغم كل ما يكتبه الفلاسفة وأصحاب النوادي النخبوية المغلقة، هذه المقاطعة شكل من أشكال الاستبداد الذي يشجع، بدون خجل، معاداة الروس وكأننا في أوج مرحلة المكارثية». المؤرخ والكاتب والأستاذ في جامعة السوربون إيريك إنسو، عبر أيضاً عن استيائه من حملة «الروسوفوبيا» التي اجتاحت العالم، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» كتب فيها ما يلي: «أوركسترا فيلارمونيك التابع لمدينة ستراسبورغ يرفض استعمال كلمتي (روسيا) و(موسكو)... ويتم عزف أعمال سترافينسكي، رخمانينوف وبروكوفييف دون التلميح إلى أن أصحابها روس... وماذا بعد؟ العالم أصيب بالجنون...». وعبر الكاتب الصحافي كريستوف ديفيكيو، من جريدة «لوفيغارو»، عن عدم فهمه للعلاقة بين النزاع السياسي والوسط الفني والثقافي، متسائلاً في مقال بعنوان «بين التهديد والمقاطعة... العقوبة المزدوجة للمبدعين الروس»: «رجال الفن والأدب ليسوا جنوداً ولا يتكلمون باسم الحكومات، محاولة محو الثقافة الروسية يعني أننا نخلط بين روسيا وفلاديمير بوتين، بين الروس وسياسة الكرملين، إنها كارثة أخلاقية، إضافة لكونه خطأ استراتيجياً ذريعاً... لماذا؟ لأن ذلك سيمنح بوتين ذريعة ليؤكد لشعبه أن الغرب متحالف ضدهم... ولو كان بإمكان الفن أن يتحول لوسيلة دعاية، فهو يبقى أيضاً أداة تحرر قوية... تذكروا الصورة القوية مستيسلاف روستروبوفيتش وهو يعزف الكمان للاحتفال بانتصار الديمقراطية إثر سقوط حائط برلين تذكروا... روستروبوفيتش كان روسياً...». ونشرت صحيفة «ليبيراسيون» رأياً لفريديريك لوديون، وهو عازف كمان فرنسي معروف وتلميذ العازف الروسي روستروبوفيتش، مقالاً شكك فيه بجدوى إجراءات المقاطعة بقوله: «هل تظنون أن بوتين يكترث بوضع الفنانين الروس في أوروبا؟ بالطبع لا... المقاطعة لن تغير شيئاً من عدوانيته، كان مستبداً قبل الحرب ولن يتوقف لأن رجال الفن يعانون المقاطعة، الخاسر الوحيد هو الثقافة».

                                                       دوستويفسكي  -  سترافنسكي  -  رخمانينوف

«مرصد الصحافة الفرنسية» يذهب لأبعد من ذلك حين يندد بتحامل وسائل الإعلام على رجال الفن والثقافة الروس دون أن تكون لهم أي مسؤولية في النزاع السياسي، مستعملاً تعبير «ثقافة الإلغاء»، حيث نقرأ على موقعه على الشبكة: «ما تشهده الساحة الثقافية من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية نوع من (ثقافة الإلغاء)، قد يبدو الأمر غريباً، لا سيما أننا على بعد أميال من مدرجات الجامعات الأميركية التي عرفت ميلاد هذه الظاهرة». وهاجم المرصد صحيفة «لوموند» التي يرى أنها تعدت صلاحيتها حين دعت في الشهر الماضي المسؤولين عن برمجة التظاهرات الثقافية إلى مقاطعة كل أشكال التعاون مع نظرائهم الروس عبر السؤال الإيحائي التالي: «هل يجب الاستمرار في التعريف بالفنانين الروس، عزف مقطوعاتهم الموسيقية، وعرض أعمالهم باسم عالمية الثقافة، أو مقاطعة كل تعاون؟»، وهاجم مرصد حرية الإبداع فكرة المقاطعة في بيان له صدر في الثامن من مارس (آذار) الحالي، مذكراً بميثاق حقوق الإنسان الذي لا يحق بموجبه حرمان أي شخص من حرية الإبداع والتعبير بسبب الجنسية. المرصد الذي يراقب نشاط المؤسسات الثقافية الفرنسية اعتبر أن نبذ فنانين روسيين ومقاطعة أعمالهم لمجرد أنهم روسيون يعد نوعاً من التمييز غير المقبول.
لوران بايل مدير أوركسترا فيلارمونيا باريس ومدير مركز مدينة الموسيقى وصاحب كتاب «حياة موسيقية» (دار نشر أوديل جاكوب)، دعا الوسط الفني والثقافي لالتزام المنطق والاعتدال وتفادي الأحكام المتسرعة، حيث كتب على صفحات صحيفة «ليبيراسيون»: «الحزم مطلوب وما تفعله الحكومات من مقاطعة لنشاطات المؤسسات الثقافية الرسمية شرعي ومفهوم، لكن المطلوب أيضاً التصرف بحكمة، فكلنا يعلم أن الفنانين والمثقفين لا يمكنهم الإعلان عن موقفهم من الحرب لحماية عائلتهم التي لا تزال مقيمة داخل روسيا. إنها قضية حياة أو موت. التزام موقف عدواني اتجاههم قد يكون له نتيجة عكسية ويقربهم من النظام».
عقوبة مزدوجة
أما إيف بوفالي من صحيفة «لوموند»، فتكتب: «قد تكون الأمور بسيطة لو كنا في عالم ثنائي الأطراف من جهة: فن المأجورين الأشرار الذين يطبلون للنظام ومن جهة أخرى: فن المعارضين الطيبين الذين يقاومون النظام، لكن الوضعية للأسف أكثر تعقيداً، وغالباً ما يكون المبدعون الروس ضحايا العقوبة المزدوجة، مستشهدة بمثل المصور الروسي ألكسندر غرونسكي، الذي تم إلغاء معرضه في إيطاليا، وحين وصل لروسيا تم القبض عليه، وإيداعه السجن، لأنه شارك في مظاهرة للمطالبة بوقف الحرب».
أول تداعيات هذه المقاطعة كان استقالة توغان سوخياف الذي يشغل منصب مدير مسرح البولشوي العريق، وكذا مسرح الكابتول لمدينة تولوز منذ 2003. سوخياف صرح بأنه لم يعد يتحمل أصابع الاتهام التي توجه له هو ومواطنوه من كتاب وفنانين ومخرجين، واصفاً نفسه ومواطنيه بضحايا ثقافة الإلغاء. سوخياف فضل الاستقالة لأنه كما يقول لا يريد الاختيار بين فريقه الروسي وفريقه الفرنسي الذي تربطه به علاقات قوية. مهرجان كان، دار أوبرا باريس، وكثير من المتاحف الوطنية علقت أيضاً تعاونها مع الأطراف الروسية، هكذا إجراءات تذكرنا حسب صحيفة «لوفيغارو» بالمقاطعة الثقافية والدبلوماسية التي مورست ضد نظام الأبارتيد بجنوب أفريقيا وضد الحكومة الإسرائيلية.
لكن الباحثة جان دونكان من جامعة جوهانزبورغ، مقتنعة بجدوى المقاطعة لإضعاف الأنظمة المستبدة. وكتبت في كتابها «المقاطعة الثقافية، كعامل للتغيير السياسي» ما يلي: «الحملات التي تهدف إلى عزل بلد على الصعيد الثقافي قد تكون فاعلة بسبب تأثيرها النفسي المهم، لا سيما أن روسيا فخورة منذ قرون بإنجازاتها الثقافية والفنية والرياضية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هويتها وقواها الناعمة في إطار العولمة». وتضيف الباحثة أن المقاطعة الثقافية قد تشجع وتقوي حركة الاحتجاجات الروسية ضد هذه الحرب التي لا تجلب إلا المآسي. وكذلك يرى ماكسيم أوديني، الباحث في جامعة نانتير الفرنسية وصاحب كتاب «تحليل في الدبلوماسية الثقافية لروسيا» على صفحات «سود ويست»: «روسيا تعتبر الثقافة أداة حرب وهيمنة، ولذا فإن نظام بوتين اهتم بدعم مؤسساتها مادياً معنوياً، لا سيما الممثلة لروسيا في الخارج كالمعاهد الثقافية، مدارس اللغة والموسيقى العالمية والباليه. هذا النظام لم ينس استخدام الثقافة لخدمة مصالحه مع كبح حريتها». الباحث يوهيني كريزونسكي من جامعة ستراسبورغ، يشرح على صفحات «الهوفيننغتون بوست» أن المهم هو ضرب الصناعة الثقافية الروسية التي تدعم النظام وتحمل رايته في المحافل الدولية، ودعا النخبة الثقافية والفنية إلى «تكرار تجربة مقاطعة نظام الأبارتيد التي كانت قد لاقت دعماً إعلامياً واسعاً». أصوات أخرى دعت بعدم وضع الجميع في سلة واحدة، لا سيما المؤسسات المستقلة التي تقع خارج وصاية القطاع العام. المسؤولة عن قسم الدراسات الروسية في جامعة السوربون بيلا أوستروموخوفا، ناشدت في موقع نقابة الناشرين في مقال بعنوان: «مقاطعة الكتاب ودور النشر الروسية... منظور مروع»، الحكومات الغربية، مد يد العون لهذه المؤسسات المستقلة كدور النشر الصغيرة التي كانت السباقة إلى التنديد بالحرب، في موقع «غوركي ميديا» الذي يمثلها نقرأ مثلاً العبارات التالية: «كيف يمكن لنا أن نستمر في نشاطنا؟ هل يمكن للثقافة أن تمنع العنف؟ إن لم يكن الآن فالأقل على الأمد البعيد».
إذن أين نضع رقاص المقاطعة؟ تتساءل صحيفة «لوفيغارو»: «أنقاطع كل المبدعين أم المقربين من نظام الكرملين فقط؟»، وصرحت وزيرة الثقافة الفرنسية روزلين باشلوعن، بالموقف الرسمي للحكومة بقولها: «لا مقاطعة للثقافة الروسية في فرنسا... هناك خط واضح فلا تمثيل لشخصيات أو مؤسسات روسية مؤيدة لنظام فلاديمير بوتين، لكن الباب مفتوح لرجال الفن والثقافة المعارضين للنظام، وسيلقون كل الدعم والتأييد».



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.