فارس يواكيم يكشف أن «شبلي شميل كان شاعراً»

محامي «نظرية داروين» له ديوان

فارس يواكيم يكشف أن «شبلي شميل كان شاعراً»
TT

فارس يواكيم يكشف أن «شبلي شميل كان شاعراً»

فارس يواكيم يكشف أن «شبلي شميل كان شاعراً»

غالباً ما تأتي كتب الأديب والباحث فارس يواكيم، بمثابة مفاجأة من حيث مواضيعها، وطرافة محتواها، وهذه المرة لم يخالف عادته. قرر الكاتب أن يقدم لقارئه «ديوان شبلي شميل» الذي لم نعرفه شاعراً ولا قريباً في روحه من الشعر؛ بل على العكس، هو من ذاك التيار الذي آمن بالعلم والمادية، واتخذ مواقف حازمة حتى من الفلسفة والتاريخ، متأثراً بالثورة العلمية في الغرب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وأكثر ما اشتهر عن شميل دفاعه عن نظرية داروين «أصل الأنواع» التي كان من أشد المعجبين بها. وهو من قرر أن ينقلها إلى القراء العرب، من خلال ترجمته لكتاب الألماني بوخنر، ونشره عام 1884، واضعاً له مقدمة دافع فيها عما سمَّاها «نظرية النشوء والارتقاء»، ليصبح بعدها صاحب هذا التعبير العربي الشهير ومبتكره.
«ديوان شبلي شميل» جمعه وحققه وقدم له فارس يواكيم، «دار الفرات»، في بيروت. لكن في حقيقة الأمر، هو كتاب شبه شامل عن هذا اللبناني- المصري الذي لم نعرف غير وجه واحدٍ له. والمفاجأة، هي في عدد القصائد التي جمعها يواكيم من الصحف والمجلات، ووجدها مبعثرة في متون مقالات شميل.
فهذا الأخير، لم يكن يعبأ بالجانب الشعري من كتاباته، كما لم يكتب عنه كثيرون، وبالتالي بقيت القصائد طي الورق الأصفر في أرشيف المكتبات. هذا إضافة إلى المقدمة القيمة، والدراسة المتكاملة التي احتواها الكتاب عن حياة شميل وفكره ومساره، ورأي أدباء عصره بكتاباته وشخصه، كما الإضاءة على كل قصيدة، ومناسبتها وسياقها، وما استدعته من ردود، وأحياناً ثمة ردود شعرية أيضاً.
نكتشف شبلي شميل التعددي، المثقف صاحب الأفكار المستهجنة أحياناً، والتي يصعب تفسيرها، كما رأيه المعارض لتأميم قناة السويس. فقد كان يذهب في بعض الأفكار إلى التطرف والمبالغة، مما زاد من عدد منتقديه، ومن ردوا عليه حججه؛ لكنه بقي محبوباً، حتى ممن عارضوه، لتعففه عن المال، واستقامته، وحسن طويته.
ولد شبلي شميّل في بلدة كفرشيما الواقعة على تخوم بيروت عام 1850. أصغر إخوته الستة، وابن الصحافي رشيد شميّل، مؤسس جريدة «البصير» في الإسكندرية.
درس في مدرسة عينطورة، ثم التحق بالكلية السورية الإنجيلية في بيروت سنة 1867، ليدرس الطب. وكان يعقوب صرّوف، من زملاء الدراسة، يسبقه بصف واحد، فوصفه وهو في السابعة عشرة بقوله إنه «شاب قصير القامة، أسمر اللون، سريع الخاطر، تلوح عليه مخايل النجابة والذكاء، مرتدٍ بالثياب الإفرنجية، وكان لبسها نادراً بين الوطنيين في ذلك العهد».
تخرج شبلي شميّل عام 1871، وكانت رسالته في موضوع «اختلاف الإنسان والحيوان بالنظر إلى الإقليم والغذاء والتربية». ذهب إلى باريس لسنتين للدراسة الجامعية العليا، في الطب. هناك توسع في الاطلاع على كتابات الماديين والعلمانيين. انتقل إلى إسطنبول، واجتاز الامتحان في الطب بنجاح كبير. ثم عاد إلى لبنان؛ لكن إقامته فيه لم تطل، إذ توجّه عام 1875 إلى مصر.
مارس الطب في طنطا لخمس سنوات، انتقل إلى القاهرة وبقي فيها حتى نهاية حياته، يمارس الطب، ويدافع عن أفكاره المثيرة للجدل.
1886 أصدر مجلة «الشفاء» الطبية التي كان يحررها بمفرده. ونشر كتباً قديمة في الطب، مثل أرجوزة ابن سينا، وفصول بقراط، مع شروح وافية.
كتب مقالات أدبية ضمّنها رأيه في الشعر، والاجتماع، وتناول مسألة الاشتراكية، والعلم وأهميته للمجتمع. وكان ينشر مقالاته في الصحف، ومنها: «المقتطف»، و«الهلال»، و«البصير»، لرشيد شميّل ابن أخيه.
كان مترجماً أيضاً، امتلك اللغتين العربية والفرنسية. ومما يستحق الاهتمام ترجمته لمسرحية «إيفجيني» للأديب الفرنسي راسين، وقد نقلها من الشعر الفرنسي الموزون المقفّى إلى الشعر العربي، العمودي. ونجد مقاطع من هذه الترجمة في الديوان.
وجرّب شميل التأليف المسرحي، فوضع «المأساة الكبرى»، ووصفها بأنها «رواية تشخيصية في الحرب الحاضرة».
يقول يواكيم: «إن شبلي شميّل شاعر، وذو أسلوب يميّزه عن سواه. وإنْ كان هو نفسه لا يتحمس لفكرة الانتساب إلى الشعراء؛ بل يتجنّبها. لم ينشر قصائده في ديوان، ولم يجمع أحدٌ بعد رحيله تلك القصائد المتوزعة على صحف ومجلات زمانه. بعضها قصائد كاملة، وبعضها مقطّعات أو قصائد قصيرة، وبعضها أبياتٌ كان ينظمها ويضمّنها مقالاته العلمية ليشرح بالشعر فكرة أو ليدعمها، أو ليدوّن خاطرة. ولم يكن يَخفى عليه أن الشعر -خصوصاً في عصره هو- كان اللون الأدبي الأثير لدى القراء العرب».
الكتاب يشرح أن شميل كان ناقداً كذلك، له «رؤية حداثية ما زالت صالحة في عصرنا». وكان يأنف من الذين يستخدمون الشعر للتزلف أو جني المال، أو لاستعطاف الحسان، أو للتحليق في الخيال لمن أضجرهم الترف، في حين يجب أن يبقى كما كان «صناعة الذين يعظّمون مفخرة ليُقتَدى بها، ويصفون مظلمة ليُنتَبَه إليها، ويضربون الباطل لينصروا حقيقة، ويدوّنون حكاية ليعَوِّل التاريخ عليها».
بهذا المعنى، فإن الشعر عند شميل ليس زخرفاً، ولا غنائيات، وإنما يجب أن ينطوي على معنى وغاية. وتسجل له جرأة نادرة حين ينتقد المتنبي بقوله: «أنت تستطيع أن تترجم شعر هوغو وموسّيه وروستان، وتستفيد من ذلك غرضاً اجتماعياً وبحثاً أدبياً أخلاقياً وعبرة تاريخية؛ لكنك لا تستطيع أن تترجم شعر المتنبي وأبي تمام والبحتري، ولا أن تستخلص منه شيئاً من ذلك غير بعض الحكم والأمثال مشتتة في تلك الأدغال، لا رابط ينسقها. ولماذا؟ لأن هوغو أطلّ على العالم أجمع، فنظر إلى الحقائق، وبما له من قوة الخيال وحسن السبك، ربطها وكساها من شعره حلّة مهيبة رهيبة. (...) فلو عُني المتنبي وأقرانه بالأمور نظيرهم، وقصدوا فيه إلى مرامٍ اجتماعية عالية، أكان خانهم خيالهم؟ أوَلا كانوا فاقوا شعراء الإفرنج في دقة الوصف وقوة التصوّر وسعة الخيال؟».
ورأيه في الشعر يقوله صراحة في أبياته التالية:
ليس لي في الشعر مطلبْ إنما لي فيه مذهبْ
تارة أرغبُ في النظم وطوراً عنه أرغبْ
لست بالشاعر لكن علَّ حكمي فيه أصوبْ
كتبت مي زيادة في شعره: «الدكتور شميل شاعر لا تجد في قصائده رقة شوقي الذائبة، أو عذوبة الخليل الجارحة، أو دلال ولي الدين يكن المعذَّب... لسبب رئيسي، وهو أنه يكتب بفكره فقط. ويندر جداً أن تسمع عواطفه متكلمة؛ لأنّ شعره كنثره، ينحدر من دماغه». ورأت مي أن «هذا النوع من الشعر يزيد في ثروة اللغة وجمالها».
لكن عباس محمود العقاد كان له رأي مخالف؛ إذ رأى أن شميل «ظلم شاعريته كما ظلم سائر الشعراء» فقد كان بمقدوره أن يكون أشعر مما كان «لولا شدة تعصبه للعلم».
وقد تقول: من هو الشاعر الذي رضي عنه شميل، ما دام المتنبي لم يعجبه؟ والإجابة أن شاعره المفضل هو أبو العلاء المعري الذي اعتبره «فيلسوف الشعراء قاطبة، وأكثر شعراء العرب علماً وأرجحهم عقلاً. وهو الوحيد بينهم الذي ترفّعت نفسه عن تلك الدنايا، ومال عقله عن سفساف القول إلى الحقائق ومحاربة الضلال».
ويسلط الكتاب الضوء على جرأة شميل؛ ليس فقط في النقد؛ بل بتناوله موضوعات جريئة تلامس المحرمات، يتعرض للحذف تكراراً عند النشر، فيغضب ويستشيط.
في الديوان قصائد متنوعة المواضيع، كما قصيدة «الربو وأنا» التي يتحدث فيها عن المرض الذي سيودي بحياته فيما بعد؛ لكنها لا تخلو من طرافة وظرف. وفي مكان آخر نعثر على قصيدة موجهة منه إلى مي زيادة بعنوان «رعب مي»، وهي أيضاً ترد عليه بأبيات بالفرنسية بعنوان «مصالحة» منشورة في الكتاب، مع ترجمة موفقة لها من المؤلف باللغة العربية. ورد على الرد بعنوان «الساحرة إيزيس». وجدير القول إن القصائد بين مي وشميل، تظهر عمق الود، وطبيعة الصلة التي ربطت هذين الشاميين- المصريين في تلك الفترة.
شعر شميل كثيراً ما يأتي في مناسبات وعلى مفاصل، فنجده مرتبطاً بمواضيع وأحداث تساعد على فهم المرحلة. فقد كتب أحمد شوقي قصيدة «للعظة والتاريخ» ونشرها عام 1913 حزيناً على خسارة تركيا معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرتها في البلقان، فرد عليه شميل العروبي المناهض للعثمانيين بقصيدة «تهنئة مقدونيا ولسان حالها لنا... بمناسبة مرثية شوقي لها». قائلاً في مطلعها:
كلا وربِّك ما هوى الإسلامُ
لم يهوِ إلا الغاشم الظَّلَّامُ
يا أيها العرب الأُباة إلى متى
طال البلا فَلْتَنْتَخِ الأقوامُ
يا أرض سوريا الجميلة بلغي
بيروت عنّي ولتهبَّ الشامُ
ولأرز لبنانٍ تُساق تحيتي
وعليكِ يا أرض العراق سلامُ
سيقدّر القارئ لفارس يواكيم، أنه قام بعمل بحثي غايه في الأهمية، فهو لم يجمع القصائد فحسب؛ بل تتبعها، وسعى إلى البحث عن المحذوف منها، وقارنها وتأكد من مصداقيتها، ووثقها، كما عني بالنثر في بعض المواضيع كما اهتم بالشعر. ونرى أنه قام بالتنقيب بشغف العالم؛ خصوصاً أنه قد سبق له وأصدر كتباً حول الأدباء الشوام في مصر.
رغم إصرار شميل على أن يحمل الشعر المعاني والأهداف، فإن هذا لم يمنعه من كتابة أبيات طريفة عن إزعاج البعوض له عندما منعه من النوم ذات ليلة حارة، أو يسخر من تدهور حالته الصحية، واعتماده على العصا في المشي: «مضى الزمن الذي كنت فيه أقول كأنني في الناس عنتر... فصرت إذا مشيت وقد رأتني كلاب الحي مثل الأسد تزأر». وكتب قصيدة غيرها عن خلاف استعر بين صحيفتي «الأهرام» و«المقطم». وناشرو هذه وتلك لبنانيون. وكانت «المقطم» تميل إلى السياسة البريطانية، و«الأهرام» ذات ميول فرنسية. وكان شبلي شميّل على علاقة جيدة بالطرفين، فنظم قصيدة ساخرة، يقول في مطلعها: «في مصر قامت ثورة، بين (المقطم) و(الهرم). من عهد عادٍ ما سمعنا مثلها بين الأمم».
نكتشف أن شعر شبلي شميل تنوع، وتعددت مواضيعه، فكتب عن باريس، وبياض الشيب، والخيال، والأرض، والكواكب، والفلسفة، المساواة بين الرجل والمرأة، والوطن، والمرض، وحتى وصيته كتبها شعراً:
ادفنوني في القبة الزرقاءِ
إنْ قدرتم فذاك أقصى رجائي
لا بقبرٍ في الأرض لا كان قبرٌ
ضيّق النقب ضيق الأرجاءِ
أودعوني المنطاد ينقل جسمي
في فسيح الخلا وصافي الهواءِ
ولْأنَلْ في المماتِ ما لم أنلْهُ
في حياتي من بعد طول العناء
سعة في البقا ولو بتُّ فيها
أكْلَ وحش الفلا وطير السماء



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».