«صرخة الغضب»... تفكيك خطابات المواطن العادي

نادر سراج يقدم قراءة تحليلية لشعارات وهتافات وكتابات ابتكرها اللبنانيون

شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)
شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)
TT

«صرخة الغضب»... تفكيك خطابات المواطن العادي

شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)
شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)

صدر للباحث اللبناني نادر سراج عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» كتاب «صرخة الغضب... دراسة بلاغية في خطابات الانتفاضة اللبنانية». والكتاب استكمال لثلاثية تشكّل مشروعاً معرفياً ابتدأ به كاتبه في شتاء 2005 على إثر انقسام الشارع اللبناني بين 8 و14 مارس (آذار)، بعد كتابيه «مصر الثورة وشعارات شبابها» (2014) و«الخطاب الاحتجاجي» (2017)، يقرأ المؤلف في كتابه الجديد، الذي سيوقعه غداً في معرض بيروت العربي للكتاب، وقائع ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 اللبنانية وشعاراتها، ويستقرئ مضامينها، ويعاين تجليات مفهوم الهامش في الخطابات الاعتراضية، أي رصد اليومي والملفوظ والمعيش، مستعيناً بالعلوم البينية (البلاغة وتحليل الخطاب والسوسيولوجيا) والاتكاء على مخرجاتها، بغية استقراء تحولات الشارع وتقصّي معالم خطابه التغييري.
يقول سراج، الأستاذ الجامعي ومدرّس مادة فن التواصل في «كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان»، عن كتابه «صرخة الغضب»: «أردتُ به التفكّر ملياً في رجع الصدى الذي غذّته اندفاعة ثائرة، صادقة ومبتكرة، بعيون القائمين والقائمات بها، استدعت ارتدادات عند جمهور عريض تعطّشَ ولا يزال لتغيير ومحاسبة، ما أوتيت ثماراً بعد. أسعفني الالتزام بأصول المعاينات الحقلية ومعاييرها الصارمة لأتوغّل في عمق خطابات الاحتجاج الشعبي، أتبصّر في سردياتها وجمالياتها، وأتقصى إبداعية منتجي النصوص وحيوية صنّاع الشعارات ورافعيها، مع الإصغاء بعناية إلى محمولات هتافاتهم وقرقعة طناجرهنّ التي صدحت بين الساحتين البيروتيتين النابضتين (رياض الصلح والشهداء)، وتردّدت أصداؤها عالياً في الأطراف المنتفضة».
وينطوي الكتاب على شعارات وهتافات وكتابات غرافيتية ابتدعها لبنانيون ولبنانيات منذ اندلاع غضب الشوارع، ويوضح كاتبه التزامه حدود مسؤوليته الأدبية والقانونية بمعزل عن موقفه الشخصي منها: «لستُ أدّعي بتاتاً أبوّة هذه الشعارات والكتابات والهتافات، بما انطوت عليه من عناوين وصور ومحتويات وبيانات وتعليقات انتقادية، لامست أحياناً حدود التجريح والبذاءة الكلامية».
ينحصر تدخّله، إذاً، في إطار عمله البحثي والتفكيكي والتأليفي، فيحلل المعطيات المجموعة ميدانياً ومن وسائل الإعلام والإنترنت، ومن صنّاعها، ويعيد صياغتها من منظور العلوم اللسانية والبلاغية والدلالية، بغرض وضعها في إطارها العلمي الصحيح وسياقها التاريخي.
يتبصّر نادر سراج ملياً في خطابات شاغلي الساحات اللبنانية، ويقول عن ذلك: «تدبّرتُ دلالات نصوصهم الاحتجاجية وتعليقاتهم الحادة الحواف و(بوستاتهم) الظريفة، المعلن منها والمضمر. وأوليتُ الصياغة والأسلوب المُحكَمَي الصنع والتشابيه المتقنة الصنعة كبيرَ اهتمام. مع الكشف وبشواهد حقلية موثقة، مكتوبة ومهتوفة، عن أهمية توظيف الباحث في ميدان اللسانيات التطبيقية مفهومَي الهامش والمتن المتجاورين والمتحاورين، والشديدي التفاعل والتداخل في نتاجات الشارع».

نادر سراج

انصرف نادر سراج، الحائز على «جائزة التميّز العلمي لعام 2018» من «المجلس الوطني للبحوث العلمية» في لبنان، وجائزة «أفضل كتاب عربي لعام 2013» من «مؤسسة الفكر العربي» عن كتابه «الشباب ولغة العصر»، منذ وقت مبكر إلى دراسة مظاهر الفكر والإبداع في ثقافة المجتمع، والتفت إلى المكوّن اللغوي، باعتباره عنصراً من عناصر الهوية والانتماء، وهو يروي كيفية تراكُم تجربته: «تصدّر النظر الجدّي إلى طرائق تبدّل أحوال اللغة الأم بمستوياتها التداولية ومعاينة النواتج القولية والكتابية للجمهور، وتقصي معالم بلاغته الشعبية العفوية، اهتماماتي ولا يزال. أما شرح النصوص المكتوبة وتلك الشفهية أو التطرّق إلى ظواهر اجتماعية وسلوكية لغوية، بأدوات تحليلية أمدتني بها جملة معارفي اللسانية المكتسبة، فهي مهارة طوّرتها بحكم الخبرة والمراس والتطبيق الميداني. هذه القدرات مجتمعة أعانتني على تفكيك خطابات المواطن العادي، وعلى حُسن الإصغاء للمخاطب - أياً يكن - والتقاط بوادر التغيير التعبيري والابتكار اللغوي الطريف واللمّاح عنده، واستطراداً في البيئة الثقافية الاجتماعية التي ننتمي كلانا إليها».
وهو يتوقف عند لغة «خطاب الهامش»، معتبراً أنّ «الهامش أضحى اليوم متناً بقدر ما أمسى الجدار نصاً، لما تنطوي عليه الساحات العربية من فيض بلاغي مبتكر». ويستفيض في شرح ذلك: «تنفرج اللغة المقصودة لتحتضن كلا المستويين التداوليين للضاد. فالفصيح الميسّر والمحكي المعيش تحاورا وتآزرا لرسم ملامح لغة الشارع المجازية، وتحديداً صرخات الغضب. هذا يستدعي مزيداً من الحديث عن وظائف المتن والهامش. فصدارة البحث العلمي اللغوي في يقيني وفي عملي الحقلي، ما غفلت عن الالتفات إلى المركز بوصفه ملاذاً وحضناً ونواة صلبة ومتماسكة للمنظومة اللغوية ككل. لكنها أولت في آنٍ الهوامش والجزئيات اهتمامها. وما أسقطت من الحسبان التفاصيل والمهملات والشوارد نظراً لطبيعتها التمثيلية لنبض الناس، ولتعبيرها الأصدق عن رؤيتهم لأنفسهم وللعالم وللآخر المختلف. وأحسب أنّ سماتها التفضيلية خالفت في توجهاتها وانشغالاتها وكيفيات عملها التيار السائد. وأعني خريطة طريق لطالما انتهجها بيسرٍ منتمون إلى التيار البحثي التقليدي والمهيمن، بصرف النظر عن قدراتهم وطبيعة مشاغلهم وأعمارهم ومنابتهم الجغرافية».

غلاف الكتاب

تستوقفنا رحلته مع اللغة وطموحاته في هذا الكتاب وسابقيه الكتب الأربعة عشر، النفاذ إلى أعماقها، فيقول: «لذا عالجتُ تراكيب اللغتين المحكية والمكتوبة، ونأيتُ عن منازع الهوى، و(تحاشيتُ الانزلاق إلى حيثيات الانتصار المعياري الذي يحوّل موضوع الازدواج اللغوي إلى فتنة ثقافية حضارية. فالتقت في مختبري الفصحى والعامية دونما موقف تفاضلي)، كما لاحظ الدكتور عبد السلام المسدي في تقديم كتابي (الخطاب الاحتجاجي... دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني)».
يتابع أنّ أبحاثه أظهرت أنّ الافتتان بالفصحى والنهوض بها، والتبصّر في تنويعاتها القُطرية، والتفكُّر في خصوصيات أهلها، ما هي إلا تحاور وتجاور بين القلب والأطراف: «وهذه فرصة ذهبية واتت جيلي لاكتساب علم عصري فتح بصيرتنا على حقائق اللغة وحراكها، وحفّزنا للنظر إلى ما بعد المتن، والتمعّن فيما اعتبر طويلاً هامشه المسكوت عنه».
الخوض في مجالات البحث العلمي والإنتاج الفكري في ميدان التخصص اللساني الاجتماعي، وسواه من العلوم البينية، أتاح للكاتب ترجمة نبض الساحات العربية المعترضة (2013 - 2022)، ودرس خطاباتها بعفويتها التعبيرية وتلوناتها الكلامية، وبضروب بلاغتها الشعبية المبتكرة. وفي «صرخة الغضب»، يُفرد سراج ملحقاً خاصاً بالشعارات والهتافات الثورية، ويتناول خروج بعضها عن سياقاتها. إنه يرى الشعار شكلاً متقدماً من أشكال التواصل الجماهيري، فيما البلاغة الاعتراضية تجدد ذاتها بإلهام من الشارع الغاضب. ويخصص فصلاً لشرح مفهوم البلاغة الاعتراضية الجديدة، وقسماً لدراسة الشعار تركيباً ووظيفة.
يقول أستاذ كرسي الدراسات في الجامعة الأميركية ببيروت رمزي بعلبكي، في تقديمه للكتاب: «الكتاب فريد حقاً في تقصّيه مفردات الغضب وعبارات الاعتراض التي أنتجها الأفراد وتداولوها في الساحات وعلى الشابكة، وكتبوها بعفوية على جدران المدن والبلدات. لقد نَفَذ سراج من هذه المادة (الخام) إلى استقراء الأمزجة وكشف الخطاب المسكوت عنه، وارتقى بدراسة الكلام المحكي إلى مستوى أكاديمي رفيع، متابعاً بدأب وأناة مشروعه المعرفي المتّصل بتحليل الخطاب الحي في العالم العربي».


مقالات ذات صلة

رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

ثقافة وفنون رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

في قالب تشويقي روائية متسارعة تطرح رواية «غرينلاند، البلد الذي لم يكن للبيع» أسئلة صعبة تجد صدى قوياً في هذه الفترات المتوترة التي يعيشها العالم: هل للوطن ثمن؟

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون مكتبة متنوعة في أدب الطفل

مكتبة متنوعة في أدب الطفل

يركز الباحث الدكتور محمد فتحي فرج في كتابه «كامل كيلاني»، على الدور المؤسس لرائد ادب الأطفال في مصر والعالم العربي الذي عاش في الفترة من 1897 حتى 1959

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.