«صرخة الغضب»... تفكيك خطابات المواطن العادي

نادر سراج يقدم قراءة تحليلية لشعارات وهتافات وكتابات ابتكرها اللبنانيون

شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)
شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)
TT

«صرخة الغضب»... تفكيك خطابات المواطن العادي

شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)
شعارات ضد الفساد رُفعت في احتجاج بالعاصمة اللبنانية بيروت (إ.ب.أ)

صدر للباحث اللبناني نادر سراج عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» كتاب «صرخة الغضب... دراسة بلاغية في خطابات الانتفاضة اللبنانية». والكتاب استكمال لثلاثية تشكّل مشروعاً معرفياً ابتدأ به كاتبه في شتاء 2005 على إثر انقسام الشارع اللبناني بين 8 و14 مارس (آذار)، بعد كتابيه «مصر الثورة وشعارات شبابها» (2014) و«الخطاب الاحتجاجي» (2017)، يقرأ المؤلف في كتابه الجديد، الذي سيوقعه غداً في معرض بيروت العربي للكتاب، وقائع ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 اللبنانية وشعاراتها، ويستقرئ مضامينها، ويعاين تجليات مفهوم الهامش في الخطابات الاعتراضية، أي رصد اليومي والملفوظ والمعيش، مستعيناً بالعلوم البينية (البلاغة وتحليل الخطاب والسوسيولوجيا) والاتكاء على مخرجاتها، بغية استقراء تحولات الشارع وتقصّي معالم خطابه التغييري.
يقول سراج، الأستاذ الجامعي ومدرّس مادة فن التواصل في «كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان»، عن كتابه «صرخة الغضب»: «أردتُ به التفكّر ملياً في رجع الصدى الذي غذّته اندفاعة ثائرة، صادقة ومبتكرة، بعيون القائمين والقائمات بها، استدعت ارتدادات عند جمهور عريض تعطّشَ ولا يزال لتغيير ومحاسبة، ما أوتيت ثماراً بعد. أسعفني الالتزام بأصول المعاينات الحقلية ومعاييرها الصارمة لأتوغّل في عمق خطابات الاحتجاج الشعبي، أتبصّر في سردياتها وجمالياتها، وأتقصى إبداعية منتجي النصوص وحيوية صنّاع الشعارات ورافعيها، مع الإصغاء بعناية إلى محمولات هتافاتهم وقرقعة طناجرهنّ التي صدحت بين الساحتين البيروتيتين النابضتين (رياض الصلح والشهداء)، وتردّدت أصداؤها عالياً في الأطراف المنتفضة».
وينطوي الكتاب على شعارات وهتافات وكتابات غرافيتية ابتدعها لبنانيون ولبنانيات منذ اندلاع غضب الشوارع، ويوضح كاتبه التزامه حدود مسؤوليته الأدبية والقانونية بمعزل عن موقفه الشخصي منها: «لستُ أدّعي بتاتاً أبوّة هذه الشعارات والكتابات والهتافات، بما انطوت عليه من عناوين وصور ومحتويات وبيانات وتعليقات انتقادية، لامست أحياناً حدود التجريح والبذاءة الكلامية».
ينحصر تدخّله، إذاً، في إطار عمله البحثي والتفكيكي والتأليفي، فيحلل المعطيات المجموعة ميدانياً ومن وسائل الإعلام والإنترنت، ومن صنّاعها، ويعيد صياغتها من منظور العلوم اللسانية والبلاغية والدلالية، بغرض وضعها في إطارها العلمي الصحيح وسياقها التاريخي.
يتبصّر نادر سراج ملياً في خطابات شاغلي الساحات اللبنانية، ويقول عن ذلك: «تدبّرتُ دلالات نصوصهم الاحتجاجية وتعليقاتهم الحادة الحواف و(بوستاتهم) الظريفة، المعلن منها والمضمر. وأوليتُ الصياغة والأسلوب المُحكَمَي الصنع والتشابيه المتقنة الصنعة كبيرَ اهتمام. مع الكشف وبشواهد حقلية موثقة، مكتوبة ومهتوفة، عن أهمية توظيف الباحث في ميدان اللسانيات التطبيقية مفهومَي الهامش والمتن المتجاورين والمتحاورين، والشديدي التفاعل والتداخل في نتاجات الشارع».

نادر سراج

انصرف نادر سراج، الحائز على «جائزة التميّز العلمي لعام 2018» من «المجلس الوطني للبحوث العلمية» في لبنان، وجائزة «أفضل كتاب عربي لعام 2013» من «مؤسسة الفكر العربي» عن كتابه «الشباب ولغة العصر»، منذ وقت مبكر إلى دراسة مظاهر الفكر والإبداع في ثقافة المجتمع، والتفت إلى المكوّن اللغوي، باعتباره عنصراً من عناصر الهوية والانتماء، وهو يروي كيفية تراكُم تجربته: «تصدّر النظر الجدّي إلى طرائق تبدّل أحوال اللغة الأم بمستوياتها التداولية ومعاينة النواتج القولية والكتابية للجمهور، وتقصي معالم بلاغته الشعبية العفوية، اهتماماتي ولا يزال. أما شرح النصوص المكتوبة وتلك الشفهية أو التطرّق إلى ظواهر اجتماعية وسلوكية لغوية، بأدوات تحليلية أمدتني بها جملة معارفي اللسانية المكتسبة، فهي مهارة طوّرتها بحكم الخبرة والمراس والتطبيق الميداني. هذه القدرات مجتمعة أعانتني على تفكيك خطابات المواطن العادي، وعلى حُسن الإصغاء للمخاطب - أياً يكن - والتقاط بوادر التغيير التعبيري والابتكار اللغوي الطريف واللمّاح عنده، واستطراداً في البيئة الثقافية الاجتماعية التي ننتمي كلانا إليها».
وهو يتوقف عند لغة «خطاب الهامش»، معتبراً أنّ «الهامش أضحى اليوم متناً بقدر ما أمسى الجدار نصاً، لما تنطوي عليه الساحات العربية من فيض بلاغي مبتكر». ويستفيض في شرح ذلك: «تنفرج اللغة المقصودة لتحتضن كلا المستويين التداوليين للضاد. فالفصيح الميسّر والمحكي المعيش تحاورا وتآزرا لرسم ملامح لغة الشارع المجازية، وتحديداً صرخات الغضب. هذا يستدعي مزيداً من الحديث عن وظائف المتن والهامش. فصدارة البحث العلمي اللغوي في يقيني وفي عملي الحقلي، ما غفلت عن الالتفات إلى المركز بوصفه ملاذاً وحضناً ونواة صلبة ومتماسكة للمنظومة اللغوية ككل. لكنها أولت في آنٍ الهوامش والجزئيات اهتمامها. وما أسقطت من الحسبان التفاصيل والمهملات والشوارد نظراً لطبيعتها التمثيلية لنبض الناس، ولتعبيرها الأصدق عن رؤيتهم لأنفسهم وللعالم وللآخر المختلف. وأحسب أنّ سماتها التفضيلية خالفت في توجهاتها وانشغالاتها وكيفيات عملها التيار السائد. وأعني خريطة طريق لطالما انتهجها بيسرٍ منتمون إلى التيار البحثي التقليدي والمهيمن، بصرف النظر عن قدراتهم وطبيعة مشاغلهم وأعمارهم ومنابتهم الجغرافية».

غلاف الكتاب

تستوقفنا رحلته مع اللغة وطموحاته في هذا الكتاب وسابقيه الكتب الأربعة عشر، النفاذ إلى أعماقها، فيقول: «لذا عالجتُ تراكيب اللغتين المحكية والمكتوبة، ونأيتُ عن منازع الهوى، و(تحاشيتُ الانزلاق إلى حيثيات الانتصار المعياري الذي يحوّل موضوع الازدواج اللغوي إلى فتنة ثقافية حضارية. فالتقت في مختبري الفصحى والعامية دونما موقف تفاضلي)، كما لاحظ الدكتور عبد السلام المسدي في تقديم كتابي (الخطاب الاحتجاجي... دراسة تحليلية في شعارات الحراك المدني)».
يتابع أنّ أبحاثه أظهرت أنّ الافتتان بالفصحى والنهوض بها، والتبصّر في تنويعاتها القُطرية، والتفكُّر في خصوصيات أهلها، ما هي إلا تحاور وتجاور بين القلب والأطراف: «وهذه فرصة ذهبية واتت جيلي لاكتساب علم عصري فتح بصيرتنا على حقائق اللغة وحراكها، وحفّزنا للنظر إلى ما بعد المتن، والتمعّن فيما اعتبر طويلاً هامشه المسكوت عنه».
الخوض في مجالات البحث العلمي والإنتاج الفكري في ميدان التخصص اللساني الاجتماعي، وسواه من العلوم البينية، أتاح للكاتب ترجمة نبض الساحات العربية المعترضة (2013 - 2022)، ودرس خطاباتها بعفويتها التعبيرية وتلوناتها الكلامية، وبضروب بلاغتها الشعبية المبتكرة. وفي «صرخة الغضب»، يُفرد سراج ملحقاً خاصاً بالشعارات والهتافات الثورية، ويتناول خروج بعضها عن سياقاتها. إنه يرى الشعار شكلاً متقدماً من أشكال التواصل الجماهيري، فيما البلاغة الاعتراضية تجدد ذاتها بإلهام من الشارع الغاضب. ويخصص فصلاً لشرح مفهوم البلاغة الاعتراضية الجديدة، وقسماً لدراسة الشعار تركيباً ووظيفة.
يقول أستاذ كرسي الدراسات في الجامعة الأميركية ببيروت رمزي بعلبكي، في تقديمه للكتاب: «الكتاب فريد حقاً في تقصّيه مفردات الغضب وعبارات الاعتراض التي أنتجها الأفراد وتداولوها في الساحات وعلى الشابكة، وكتبوها بعفوية على جدران المدن والبلدات. لقد نَفَذ سراج من هذه المادة (الخام) إلى استقراء الأمزجة وكشف الخطاب المسكوت عنه، وارتقى بدراسة الكلام المحكي إلى مستوى أكاديمي رفيع، متابعاً بدأب وأناة مشروعه المعرفي المتّصل بتحليل الخطاب الحي في العالم العربي».


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).