زيلينسكي الصامد في وجه الروس يتحوّل إلى «مفتاح قلوب» الأوكرانيين

وزير دفاعه بات أيضاً أحد نجوم قيادة المقاومة في كييف

لاعب التنس الأوكراني السابق سيرغي ستاخوفسكي في ساحة الاستقلال بكييف يوم الثلاثاء بعدما تطوع للانضمام إلى قوات الاحتياط والدفاع عن العاصمة (أ.ف.ب)
لاعب التنس الأوكراني السابق سيرغي ستاخوفسكي في ساحة الاستقلال بكييف يوم الثلاثاء بعدما تطوع للانضمام إلى قوات الاحتياط والدفاع عن العاصمة (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي الصامد في وجه الروس يتحوّل إلى «مفتاح قلوب» الأوكرانيين

لاعب التنس الأوكراني السابق سيرغي ستاخوفسكي في ساحة الاستقلال بكييف يوم الثلاثاء بعدما تطوع للانضمام إلى قوات الاحتياط والدفاع عن العاصمة (أ.ف.ب)
لاعب التنس الأوكراني السابق سيرغي ستاخوفسكي في ساحة الاستقلال بكييف يوم الثلاثاء بعدما تطوع للانضمام إلى قوات الاحتياط والدفاع عن العاصمة (أ.ف.ب)

«نحن من حزب (فولوديمير) زيلينسكي». هكذا عرّف الشابان عن نفسيهما في كييف. كان يحملان بنادق ويضعان شارة التطوع على كتفيهما. يُفترض أن تكفي هذه العبارة كتعريف بهما، ولإيجاد الثقة مع المخاطب. فاسم الرئيس الأوكراني بات يشكل مفتاحاً للقلوب هنا، وربما هو الاسم الحركي لهذه الحرب، أو على الأقل للمجابهة والمقاومة الحالية للقوات الروسية المتقدمة.
في وسط العاصمة، يوزّع 3 شبان من المدنيين منشورات تعرض خدمات مدفوعة لمساعدة المراسلين الأجانب على القيام بعملهم. «نحن من حزب زيلينسكي»، يقول أحدهم قبل أن يتابع قائلاً: «نتقاضى المال لأننا توقفنا عن العمل منذ بداية الحرب، وبحاجة لتمويل أنفسنا».
تضخّم حزب زيلينسكي منذ بداية الحرب، ومن لم يسع إلى الاحتماء باسم الرئيس الأوكراني فقد اكتفى بتحبيذه وإبداء الإعجاب به وبشجاعته. ولكن الصورة هذه لم تكن نفسها قبل أن يخرج الرئيس الشاب محذراً من اجتياح روسي قادم، ولا كانت نفسها حين كان في أوكرانيا من لا يزال يعتقد أن هذه البلاد هي جزء صديق وربما متآخٍ مع روسيا، الشقيقة الكبرى. هذه الصورة والشعبية الحالية لزيلينسكي قدمها له الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدية على طبق من فضة مع بدء التحضير للاجتياح الروسي لأوكرانيا.
كانت الشبهات في البداية تحوم حول حزب الرئيس الشاب الذي اتخذ اسمه «خادم الشعب» من المسلسل التلفزيوني الناجح الذي أداه زيلينسكي نفسه، كما كانت تحوم حول بعض شخصيات الحزب الشابة التي وصلت إلى السلطة مع فوز زيلينسكي وحزبه بالرئاسة والأغلبية البرلمانية في العام 2019. الحزب، الذي أتى إلى السلطة بشعارات مكافحة الفساد ومحاربة الأزمة الاقتصادية والاقتراب من الاتحاد الأوروبي أكثر، ودخول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، صار يتخبط في هذه الملفات الشائكة والصعبة ويواجه حقيقة حجم أوكرانيا بالنسبة للغرب ومطامع الرئيس بوتين في الشرق، وربما فقد كثيراً من وهجه في مقابل الأحزاب الأخرى المنافسة من الوسط الليبرالي واليمين المتطرف وغيرها.
ومع بداية الغزو الروسي، قدّم بوتين خدمة كبيرة للرئيس زيلينسكي. لقد سلط الضوء على هذا الممثل الشاب، وعلى فريقه المساعد من وزراء ومستشارين حتى نواب في البرلمان. كشفت الحرب عن قوتهم، وعن علاقتهم المباشرة بالناس. وكلما أظهر زيلينسكي إصراره على المقاومة وعلى البقاء في عاصمته كلما فرض على الأوكرانيين احترامه، وتراجعت شعبية خصومه، حتى بات نواب الأحزاب الأخرى يسعون إلى نشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي حاملين الأسلحة الفردية أو مرتدين الزي العسكري «دفاعاً عن أوكرانيا المجيدة» لحجز مواقعهم في أي انتخابات مقبلة.
يقف أحد النواب «من حزب زيلينسكي» في الشارع وسط مجموعة من المتطوعين الناشطين في تعبئة المواد الغذائية، ويتحدث قائلاً ليس هذا وقت النقاش السياسي. الشاب المقرب من زيلينسكي، والذي أنشأ جزءاً مستقلاً من شبكة الدعم المحلية على أطراف العاصمة كييف، وصل إلى البرلمان العام 2019، ولم يتجاوز الثلاثين من العمر، إلا أنه بات مديراً ديناميكياً لعشرات المتطوعين معه. وهو رغم منصبه يتحرك بمفرده ما بين الشارع والشاحنة المحملة بالمواد الإغاثية وغرفة العمليات التي تضم أجهزة الكومبيوتر ووسائل الاتصال وجدرانها مغطاة بألواح بيضاء سُجّلت عليها معلومات وأرقام هواتف أو خرائط لبعض المناطق.
«هذا النائب الشاب كان من المشكوك بقدرتهم على القيام بدورهم في المجلس النيابي»، يقول إندريا (24 عاماً) الذي أنهى شهادة الماجستير في العلوم السياسية. ويشير إلى النائب الواقف على مقربة قائلاً: «انظر إليه الآن. الجميع يحبه، والناس تتجه إليه لتنسيق خروج النازحين أو توفير مساعدات لمراكز إيواء مؤقتة. لقد بدأ حياته السياسية من الصفر، واليوم فجأة أصبح قائداً شاباً».
ليس النائب الشاب وحده من أصبح نجماً محلياً. وزير الدفاع أولسكي رزنيكوف تحوّل أيضاً إلى أحد النجوم الكبار في الصمود وقيادة المقاومة الأوكرانية. يلتقط الصور إلى جانب صديقه زيلينسكي في كل مناسبة، ويتحرك بين جنود الجيش. إنه رجل آخر لمع نجمه، وفاجأ كثيراً من الأوكرانيين، كما يبدو.
اليمين المتطرف، بمجموعاته القتالية وبعقيدته العنصرية، يبدو أنه لا يخيف أحداً هنا. كلما سألت أحدهم عنهم، يقولون إنهم لا يشكلون نسبة كبيرة من السكان. البعض يقول إنهم ليسوا أكثر من رفاقهم الموجودين في أي دولة أوروبية. شابان في العشرينات يقارنان بين نفوذ اليمين المتطرف في أوكرانيا وبين حجمه في فرنسا. وكلما سألت، تأتي الإجابة بأن صعود نجمهم مرتبط بالتصدي لـ«الانفصاليين» وبالحرب ضد التدخل الروسي.
«انتخابياً لن يكون لهم أي دور في المدى القريب. لقد حاز زيلينسكي على ثقة عالية في بقائه في العاصمة، ورفضه للخروج من البلاد، وقراره منذ اليوم الأول بالصمود بوجه الروس أعطاه تقديراً عالياً»، حسب ما قال سيرغي ونازا، الشابان الصغيران اللذان لم ينهيا بعد دراستهما الجامعية.
زيلينسكي لم يرفض فقط الخروج، لقد خاطب الشعور القومي الأوكراني بما هو أبعد من ذلك. لقد رفض الدخول في «الناتو» حين قال (في 8 مارس - آذار الحالي) إنه «لم يعد يهمنا الانضمام إلى حلف الناتو الذي يخشى مواجهة موسكو». وربما كان في رده على العرض الأميركي بإجلائه بالقول: «لا أبحث عن رحلة، ولكن عن أسلحة للدفاع عن أوكرانيا»، بعض الشعبوية، ولكن أصبح تجوله في العاصمة، ومروره بمعالم معروفة للجميع في وسط كييف، بلباسه الأخضر العسكري مع مرافقيه من فريقه، حاجة لكل الأوكرانيين، ليتأكدوا أن بلدهم صامد بمواجهة الدبابات الروسية.
«لن يدخلوا كييف، لن تسير الدبابات الروسية في ساحة الاستقلال، سنعيد بناء أوكرانيا التي كنا نحلم بها قبل الحرب»، يقول إندريا. «أنا أثق بالجيش، ونعم الآن، بت أصدّق زيلينسكي، أثبت لي أنه سيبقى معنا هنا».


مقالات ذات صلة

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».