الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

«شوق الدرويش».. في القائمة القصيرة لجائزة «البوكر العربية» التي تعلن اليوم

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة
TT

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

اقتربت البوكر.. تفصلنا ساعات قليلة عن إعلان الفائز بجائزة الرواية العربية لهذا العام، التي تعلن 6 مايو (أيار)، وقد احتلت رواية السوداني حمور زيادة «شوق الدرويش» عن دار العين، مكانها في القائمة القصيرة بوصفها «تناولت منمنمات النفس البشرية في صراعها مع صرامة المقدس». ونالت نصيبا كبيرا من النقد بعد فوزها عام 2014 بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة، والآن ونحن قاب قوسين أو أدنى من إعلان الجائزة الكبرى، هل تنال الرواية الضخمة «460 صفحة» الجائزة؟
يعطينا عنوان الرواية، مكثف المعنى والدلالة، مفتاحا تأويليا عن النشوة الصوفية في الحب. وبشكل عام جاء العنوان منسجما مع مسارات المحكي. واتخذ زيادة من مقولة ابن عربي «كل شوق يسكن باللقاء، لا يعول عليه» عتبة دفاعية عن نصه؛ فمنذ بداية الرواية خلع الروائي على بطليه عباءة المثالية وأعطى القارئ لمحة عن الدافع المحرك وراء شخصية البطل العبد «بخيت منديل» الذي يتحرك وفقا لعشقه لليونانية السكندرية «ثيودورا» الراهبة ضمن بعثة تبشيرية. تدور الأحداث في مناطق مختلفة من السودان وتعكس أحوالها في بدايات القرن التاسع عشر وتحديدا في الفترة التي سبقت الثورة المهدية وحتى موت مهدي الله. للوهلة الأولى تخطف الرواية أنفاس القارئ بلغتها والمشاهد العنيفة التي تجسدها ما بين أسر وقتل وعبودية ووحشية وخوضها لتلك الفترة التاريخية المجهولة، لكنه تدريجيا يشعر بأنه ينزلق مع البطل في متاهة من الشخصيات والأحداث.
قد تذكرنا «شوق الدرويش» برواية ويليام فوكنر «وردة لإميلي» 1939 حيث تتطلب الرواية القراءة المتكررة عشرات المرات فهو يدفع القارئ إلى توقعات مسبقة في اضطراب مدبر يحتاج إلى قراءة مزدوجة ما بين بداية الرواية وسير أحداثها وخاتمتها.
ويبدو جليا أن الروائي أراد أن يكون الأساس الصلب الواضح في الرواية هو «الخيط العاطفي» والعلاقة التي تتكشف تدريجيا ما بين الأحداث الصاخبة، فيتبين أن قصة العشق ما هي إلا عشق أفلاطوني غير منطقي خاصة في الحوارات التي تدور بين البطل ومعشوقته، فلا نعرف أبدا هل هو عشق متبادل أم أنها شفقة من الجميلة اليونانية على «العبد القبيح»؟ على حد وصف الراوي، روحه بيضاء كنور القديسين. تشفق عليها أنها محبوسة في جسد أسود غليظ الشفتين، قبيح كمدينة أم درمان، لكن روحه مشرقة كالإسكندرية (ص 246) مما يرهق القارئ بينهما وبين عشرات الشخصيات التي يرغب بخيت في الثأر منها لأجل محبوبته التي لم تبادله الحب قط!
ويبدو أن رغبة المؤلف الجامحة في تنوع محفله السردي أفلتت منه زمام اللعبة السردية، فقام بتكديس اقتباسات من القرآن الكريم والإنجيل وكتابات ابن عربي والحلاج، والاستعانة بـ«السرد، والشعر، والحوار، والرسائل، والمذكرات، ومقاطع أغان تراثية مصرية وسودانية».
تتحرك الرواية في الزمن إيابا وذهابا، فمنذ بدايتها نجح زيادة في أن يأخذنا بإيقاع مليء بالإثارة والتشويق إلى أحداث متواترة في حياة البطل تبدأ منذ دخول المصريين أم درمان والفوضى التي صاحبت سقوط دولة المهدي، وتحفزه للانتقام ممن قتلوا معشوقته بعد خروجه من السجن «أتتهم الحرية على بوارج الغزاة وخيولهم في سبتمبر 1898 مع دخول الجيش المصري للبلاد. انكسرت دولة مهدي الله». لكنه وقع في فخ الترابط الزمني للرواية لا ندري تحديدا ترابط الأحداث التي وقعت على مدى 17 عاما ما بين خروج البطل من السجن عام 1898 في البداية لينتقم لأجل «ثيودورا» أو «حواء»، ففي منتصف الرواية يذكر المؤلف نتفا من مذكرات «ثيودورا» في عام 1881 بعد أن تم استرقاقها على يد إبراهيم ود الشواك. ونجح الروائي في استغلال تلك المذكرات (ص: 255 إلى 258) في استعراض الحياة السودانية آنذاك بعيدا عن السرد التقليدي للتاريخ. وهنا، تضعنا الرواية في مفارقة الفهم التاريخي لعمل تدور أحداثه في الماضي ويستلهم أحداثا وشخصيات حقيقية، وبين الاستمتاع بالرواية باعتبارها حكاية شعبية أسطورية؛ حيث ضجت الرواية بعدد غير مترابط من المؤشرات الزمنية «منذ 7 أعوام، وبعد أربعة شهور..».
ووقع الروائي في فخ تقنية «التلاعب بالتعاقب الزمني» التي استهلكها في كل الفصول وأتصور أنه لا يفترض أن ينهك القارئ في هذا الجهد العقلي لإعادة بناء حكايته عشرات المرات كي تكتمل القصة أمامه! فقد اختار أن يخبرنا بداية قصة حب بطله والقديسة «حينما رأها تسير في بيت إبراهيم ود الشواك الذي استعبدها» في صفحة 406، أي قبل نهاية الرواية وكنت أفضل أن أعرف سر ولعه بها في الصفحات الأولى كي أستطيع أن أفهم وأقتنع بمشاعره وتصرفاته وسر رغبته في الانتقام! وكل هذا الهيام في الحوارات بين البطل وجميع شخصيات الرواية حول الحب والعشق الذي أنهك القراء دون أن يقنع القارئ بقصة الحب المتأججة، ربما لأنه استطاع أن يتعرف على صوت الروائي مثل «الملقن» المسرحي للممثلين، فتنتابك رغبة عارمة في هجر الرواية.
كما أنه روى لنا في الثلث الأول للرواية كيف كانت نهاية البطلة ثم دخلنا في متاهة الأحداث والتفاصيل التي لا تنتهي حتى أعاد علينا قبل نهاية الرواية في الصفحات 444 إلى 446 قص النهاية الدرامية للقديسة ثيودورا، وأعاد الكثير من الحوارات بينها وبين بخيت في محاولة لصبغ الرواية بتقنية «بلاي باك» السينمائية لكنها كانت في غير محلها.
يؤخذ على الرواية بعض المماطلة في الثلث الأخير من الرواية ومنها المشهد الذي يصور فيه البطل مع سيده المصري وهما يقضمان القصب ويدور بينهما حوار يخوض به في تفاصيل مملة حيث يستمر الخوض في تفاصيل علاقة السيد بزوجته وكيف أنه كان يهرب منها ليجالس العبد يقرئه الشعر ويتحدث معه عن العشق وقيس وليلي.
لم تقدم الرواية نسيجا قصصيا جديدا فهي تشبه رواية الكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس «الكونت دي مونت كريستو» الكلاسيكية في تناولها لحياة البطل المظلوم المقهور الذي سجن وأبعد عن حبيبته وظل سنوات ليفكر في الانتقام ممن زجوا به إلى السجن، هكذا كان حال بخيت منديل الذي ظل طوال الرواية يهدف لقتل طرائده الست، وظل يراوغ القارئ بما يظنه بخيت من قصة عشق وهمية بين القديسة و«يونس ود جابر» استطال في سرد تفاصيل مبهمة عنها وتمادى في الحوارات الغامضة بين البطل والبطلة حول ذلك الغريم وكأنه لغز، يعطي مفتاحه للقارئ في (يونس هو مهربها) ص 416، ثم يوالي فك طلاسم ذلك اللغز بأنه أيضا أبلغ عنها وكان سببا في مقتلها على يد سيدها «إبراهيم ود الشواك» أراد الروائي أن يزيد من درامية وملحمية روايته فاختار أن يجعل البطل هو من قام بدفن معشوقته، وأنهى الرواية بيأس العبد العاشق من الحياة بعد أن قتل بعضا ممن قتلوا محبوبته إلا أنه لم يقتل «يونس ود جابر» الذي كان السبب في قتلها، وتنتهي الرواية برغبة البطل في أن ينهي حياته وأن يسلم نفسه لينتهي على مشانق السوق.
زج الروائي بعدد كبير من الشخصيات منهم: جوهر (رفيق بخيت في السجن)، وإدريس النوباوي (كان يجلس ليسامر بخيت تحت نصبته في السوق)، كما أن بعض الجمل الفلسفية على لسان بخيت الذي وصفه بالجاهل لم تبد منطقية، مثل: «فقط حين نكف عن الاحتفاء الزائف بالحياة نعرف قيمة الموت» ص 331.
ورغم ما يحسه القارئ من شكسبيرية مصطنعة ما بين صفحات الرواية، فإن «شوق الدرويش» لها قاموسها اللغوي وشبكتها الدلالية التي انفردت بها لتعكس وحدات اجتماعية وتاريخية وعادات لغوية سودانية قديمة في الحكايات والغزل والتهديد والتحية والأفراح وغيرها. وجمل السرد كانت تتراوح بين جمل رومانسية وأخرى تأملية تحليلية تحاول مد الرواية بالحياة والإدهاش، ولعب الحوار في بعض المشاهد دورا بنائيا هاما في عكس العنف الداخلي للشخصيات.
فقد برع زيادة في غرس القارئ في المحيط الاجتماعي الخاص بذاك الزمان والمكان، واستطاع أن يضفي على نصه صفة «الملحمية» فاستعان بالاستعارة الموسعة والاستعمال المتعمد للمفارقة في عناصر الصوت والكلمة والصورة والإيقاع والتيمة (انكسار العبودية، لهفة العاشق، عذاب الفقر ووحشيته، الصراع الديني والسياسي، صراع البقاء)، ويتجلى ذلك في سرده لما حل بأهالي السودان من جوع شديد عبر حكاية شخصية «مريسيلة» التي قدمها لنا في بداية الرواية باعتبارها المرأة القوية التي يلجأ إلى البطل فور خروجه من السجن وهي التي تتكفل به وتحميه حتى يتمكن من الانتقام من قتله معشوقته. فكشف لنا عن سر جبروتها في منتصف الرواية. إنها «مريسيلة» التي أرادت أمها بيعها مقابل طاستين من الذرة لكنها لم تفلح، فأراد رجل أن يأخذها لكي يأكلها أولاده، وبعد أن طردتها أمها لم تعرف إلى أين تذهب فعادت للمنزل لتجد أمها أكلت أخيها الرضيع. «في الغرفة اليتيمة وجدت أمها على الأرض تبكي ملوثة بالدم. وبقايا طفلها الوليد في قدر نحاسية» ص 239.
لكن حلاوة اللغة شابها بعض العطب في استخدام الاستعارات والتشبيهات، مثل: «رائحة بخيت التي كقرحة أليفة»، و«حليب البلابل»، وغيرها وبعض التشبيهات كانت فظة وغليظة التي كان استخدامها مع توظيف الجنس في الرواية مقززا، يجعلك تصل لحد كراهية المجتمع السوداني.
على مستوى المتخيل الحكائي، كنت أتوقع كغيري من القراء أن تكون نهاية البطل ومعشوقته مغايرة لحتميات الواقع كما كانت الرواية توحي. صرح زيادة في أكثر من محفل أنه «مجرد حكاء يريد أن يروي حكاية قد تكون مسلية أو لا»، وقد وجدها عدد من القراء مسلية لكنني ضمن الزمرة التي لم تتسلَ، ولم تجد احتفاء النقاد والبوكر بها مستحقا.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.