«الأمن القومي» الإيراني يربط ضمناً بين المفاوضات النووية و«استهداف أربيل»

«الخارجية» الأميركية تتحدث عن اتفاق بديل إذا لم تتراجع موسكو عن مطالبها

إيرانيان يمران أمام جدارية على حائط السفارة السابقة للولايات المتحدة في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام جدارية على حائط السفارة السابقة للولايات المتحدة في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

«الأمن القومي» الإيراني يربط ضمناً بين المفاوضات النووية و«استهداف أربيل»

إيرانيان يمران أمام جدارية على حائط السفارة السابقة للولايات المتحدة في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)
إيرانيان يمران أمام جدارية على حائط السفارة السابقة للولايات المتحدة في طهران أول من أمس (أ.ف.ب)

ربط أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني ضمناً بين الجهود الدبلوماسية في مفاوضات فيينا الهادفة لإحياء الاتفاق النووي، وتبني «الحرس الثوري» الهجوم «الباليستي» على أربيل ضد ما سمّتها طهران «مقرات إسرائيلية».
وأشار شمخاني إلى استخدام «الميدان والدبلوماسية» معاً للدفاع عن «المصالح والأمن القومي بصورة ذكية»، مضيفا أن «الاعتماد على الشرق والغرب لن يوفر حقوق وأمن الشعب الإيراني»، واستخدم وسم «#مفاوضات - فيينا» و«#معاقبة - الكيان - الصهيوني».
ويدل مسمى «الميدان» في تصريحات المسؤولين الإيرانيين على أنشطة «الحرس الثوري» خصوصاً دور ذراعه الإقليمية «فيلق القدس». وتداولت التسمية إلى تسجيل صوتي مسرب لوزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، في أبريل (نيسان) العام الماضي، والذي انتقد فيه غياب دور موازٍ بين أنشطة «الحرس» ووزارة الخارجية في المنطقة.
وكان شمخاني يشير في التغريدة ضمناً إلى الموقف الروسي في مفاوضات فيينا، رغم أن المسؤولين الإيرانيين تجنبوا توجيه اللوم إلى روسيا بعد موقفها الأخير في المفاوضات وواصلت، في المقابل، إلقاء اللوم على الجانب الأميركي.
ودافع شمخاني في مناسبات كثيرة عن التقارب الإيراني مع روسيا والصين بموجب استراتيجية «التوجه إلى الشرق» والتي يريدها المرشد الإيراني علي خامنئي أن تكون بديلة للسياسة الانفتاح على الغرب، ضمن خطة طويل المدى تهدف إلى مواجهة العقوبات الأميركية.
وجاءت تغريدة شمخاني بعد ساعات من تبني «الحرس الثوري» فيما دخلت محادثات فيينا الهادفة إلى إحياء الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، والتي بلغت مراحل عدّها المعنيون نهائية، في فترة توقف غير محدودة نتيجة «عوامل خارجية»، بعد أيام على طلب موسكو ضمانات من واشنطن على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو ما يهدد بانهيار المفاوضات.
ووجهت فرنسا وبريطانيا وألمانيا تحذيراً إلى روسيا، أول من أمس. ودعا بيان مشترك للدول الثلاث إلى أنه «يجب ألا يحاول أحد استغلال مفاوضات الاتفاق النووي للحصول على تأكيدات منفصلة عن الخطة»، ونوهت إلى أن «ذلك يهدد بانهيار الاتفاق». وأضاف البيان أنه يجب إبرام الاتفاق المطروح على الطاولة على وجه السرعة.

خيارات أميركية
وتصر واشنطن بالفعل على أنها لن توافق على مطالب روسيا. وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية أن الولايات المتحدة لن تفاوض روسيا على منحها إعفاءات ذات صلة بأوكرانيا، وبدلاً من ذلك ستحاول التوصل إلى اتفاق بديل «بسرعة كبيرة»، يستبعد روسيا إذا لم يتراجع الكرملين عن مطالب اللحظة الأخيرة، واصفاً مطالب موسكو بأنها «العقبة الأكثر خطورة وعائق على سبيل التوصل إلى اتفاق».
وحسب الصحيفة فإن أحد الخيارات أمام الولايات المتحدة وشركائها يتمثل في التوصل إلى اتفاق مؤقت من شأنه تجميد بعض أنشطة إيران النووية، مقابل تخفيف بعض العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة. وقال المسؤول الأميركي: «أعتقد أننا سنكون منفتحين على مختلف البدائل. وقد بدأنا النظر في ماهية تلك البدائل. ونحن لن نستبعد أي شيء في هذه المرحلة».
لكنّ رفض طهران السماح لمفاوضيها بالتحدث مباشرةً إلى الولايات المتحدة حتى ترفع واشنطن عقوباتها، يزيد من تعقيد أي محاولة لإعادة صياغة اتفاق مع إيران، كما أن من شأن أي اتفاق جديد أن يؤدي أيضاً إلى سن تشريع أميركي يمنح الكونغرس وقتاً لإجراء مراجعة متعمقة للاتفاق بأسره، وفقاً لـ«وول ستريت جورنال».
في شأن متصل، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية، بأن وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سيلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف، في موسكو، اليوم، لبحث المطالب بإجراء محادثات بشأن عرقلة روسيا للاتفاق النووي الإيراني الجديد إضافةً إلى النزاع في أوكرانيا. وبدورها نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصدر مطلع أن الوزير القطري قد يلتقي أيضاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وتوجه آل ثاني إلى موسكو بعد ساعات من حديثه إلى نظيريه الأميركي أنتوني بلينكن، والإيراني حسين أميرعبداللهيان، حول مطالب روسيا الجديدة بشأن المحادثات النووية.
في غضون ذلك، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس، إن أنقرة تأمل ألا تتخذ روسيا موقفاً سلبياً خلال محادثات لإحياء الاتفاق لعام 2015.
ونقلت «رويترز» عن جاويش أوغلو، قوله للصحافيين في مدينة أنطاليا الجنوبية بعد منتدى دبلوماسي، إن أي موقف سلبي تتخذه موسكو سيؤثر على الجميع بما في ذلك روسيا.
وتُجري إيران والقوى الكبرى (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وروسيا، والصين)، منذ أشهر، محادثات في فيينا لإحياء اتفاق عام 2015 بشأن برنامج طهران النووي. وتشارك الولايات المتحدة التي انسحبت من الاتفاق عام 2018 في المحادثات بشكل غير مباشر.
في طهران، نقلت مواقع إيرانية عن المتحدث باسم «الخارجية» سعيد خطيب زاده، قوله، أمس: «لم نتوصل إلى نقطة الاتفاق بعد... ليس خفياً أن روسيا أعلنت عن مطلب جديد مؤخراً. يحق لأي بلد أن يطرح مطالبه وأن تناقشها اللجنة المشتركة في فيينا».
وتعليقاً على الطلب الروسي، قال خطيب زاده: «نتحرك وفقاً لمصالحنا الوطنية، إذا بُلغنا حل القضايا العالقة بيننا وبين الأميركيين سيتغير المشهد كثيراً، لكن على الأقل وصلنا إلى تلك النقطة في قضية أو قضيتين جوهريتين».
وأشار إلى تقديم الوفد الأميركي ثلاث قوائم صنّفها بـ«خضراء وصفراء وحمراء»، لافتاً إلى أن طهران وافقت على القائمة الخضراء، التي تضم أكثر عدد من الأفراد ضمن العقوبات الأميركية، منوهاً إلى أن طهران تفاوض على القائمة الصفراء، دون ذكر التفاصيل. أما بشأن القائمة الحمراء، فعدّها «مرفوضة» من الجانب الإيراني، مشدداً على أنها تشمل القضايا الصاروخية والإقليمية وحقوق الإنسان. وقال: «كلنا، المفاوضات في هذا المجال كانت من أجل أن نرفض القائمة الحمراء، وعدم الاعتراف بها».
وبشأن التحقق من رفع العقوبات، تحدث خطيب زاده عن تقدم كبير في هذا المجال قائلاً: «اقتربنا من نهاية قضية التحقق من رفع العقوبات».
من جهته، قال المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني عباس محمود زاده مشكيني، إن مفاوضات إيران ومجموعة «4+1» وصلت إلى اتفاق بشأن 80 إلى 90% من القضايا الخلافية، مشيراً إلى «بعض القضايا المتبقية، بما في ذلك مسألة الضمانات التي تبقى مهمة بالنسبة لنا والتي نعتقد أنها لم تُحل بعد».
ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية عن عباس زاده مشكيني، أن اللجنة البرلمانية للأمن القومي ناقشت مفاوضات فيينا في اجتماعها أمس. وقال: «نعتقد أن القضايا التقنية تم حلها وأن القضايا السياسية هي موضوع المفاوضات في فيينا». وقال: «المحطة الأخيرة للمفاوضات هي القرارات السياسية... إذا أظهر الغربيون حسن النية يمكن إنجاز اتفاق جيد، خلاف ذلك لن تقبل الجمهورية الإسلامية باتفاق سيئ». وأضاف: «يجب على المفاوضين الذهاب إلى العواصم لكي تُتخذ هناك القرارات السياسية».
وفي تعليق على توقف مفاوضات فيينا، نقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن مصدر مطلع أن «الغرب والأميركيين ما زالوا يقاومون إزالة العقوبات ولم يوفقوا على طلب إيران حتى الآن». وقال المصدر: «الطرف المقابل وافق على رفع العقوبات لكنّ بعض العقوبات الأصلية لا تزال متبقية».



يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.