يوميات أوكرانية نجت من «نهاية العالم»

«الشرق الأوسط» تروي قصة هروبها من خاركيف في أيام الحرب الأولى

لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)
لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)
TT

يوميات أوكرانية نجت من «نهاية العالم»

لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)
لودميلا وفيليب في مقهى بجيشوف (الشرق الأوسط)

لم يتردد فيليب، البريطاني المتقاعد، في مغادرة بيته بشيغويل، شمال لندن، للقاء شريكته لودميلا بجيشوف، القريبة من الحدود البولندية - الأوكرانية. «عشت عشرة أيام من الجحيم وأنا أتابع من لندن أخبار لودميلا. فقد أمضت أكثر من أسبوع في قطار الأنفاق بخاركيف على وقع القصف المستمر والقنابل، لتنطلق بعد ذلك في رحلة محفوفة بالمخاطر نحو لفيف، ومنها إلى الحدود».
رافقت «الشرق الأوسط» فيليب في ساعات الانتظار الأخيرة، فيما كانت لودميلا تنتظر عبور نقطة ميديكا الحدودية. «ستتجه إلى جيشوف قريباً. أتوقع وصولها قبل بزوغ الفجر».
- 10 أيام من الجحيم
كانت لودميلا في شقتها بالطابق الخامس في أحد أحياء خاركيف، عندما سمعت انفجاراً ضخماً صباح 24 فبراير (شباط). «توجهتُ إلى النافذة، ورأيت حريقاً كبيراً وأعمدة دخان تتصاعد. أدركت أن الحرب قد بدأت».
كان رد فعلها الأول أن تتصل بابنها سيرغي وصديقاتها، «خذوا أطفالكم وأوراقكم الثبوتية، وتوجهوا إلى أقرب محطة أنفاق!!». تعيش لودميلا، التي فقدت جدها في محرقة النازيين وخدم والدها في صفوف الجيش الأحمر، بمفردها وترعى قطاً طاعناً في السن. تقول لـ«الشرق الأوسط»، «مورزيك مريض ويحتاج لرعاية. لم أستطع اصطحابه معي، فقمت بإطعامه عن طريق حقنة طبية. وغادرت الشقة». توجهت لودميلا إلى محطة الأنفاق برفقة جيرانها. أما ابنها سيرغي، فقد تعرض سقف بيته للقصف، واصطحب حماته التي تقيم بالقرب منه إلى مكان آمن.

أحد أحياء خاركيف بعد القصف الروسي (أ.ف.ب)

«أمضينا أول ثلاثة أيام بلياليهن تحت الأرض، بينما كان القصف مستمراً دون توقف. كانت المحطة مليئة بالنساء والأطفال والمسنين والحيوانات الأليفة. بذل الساهرون على المحطة والمتطوعون جهداً رائعاً لتنظيم آلاف الأشخاص، وتوفير الماء وبعض الغذاء وحليب الأطفال وتنظيف المرافق الصحية. فتحوا مقطورات قطار متوقف لإيواء المستضعفين. لم تكن لدينا كهرباء». قدرت لودميلا عدد المحتمين في المحطة بقرابة 8 آلاف. «يجلسون على الأرض، وعلى الدرج، وفي المقطورات».
نجحت لودميلا في الخروج من المحطة في اليوم الرابع من الحرب، وتوجهت إلى شقتها لنقل قطها مورزيك إلى مكان آمن. «أمنتُ مكاناً للقط المريض لدى عيادة بيطرية تؤوي حيوانات أليفة في القبو. كنت أدرك أنه يعيش آخر أيامه». كان لدى لودميلا مهمة أخرى: توزيع الغذاء الصالح في ثلاجتها على الجيران الذين لم يتمكنوا من مغادرة بيوتهم، وحزم أمتعتها الأساسية: ملابس ساخنة، لعبة بلاستيكية أهداها لها ابنها عندما كان في الثالثة من عمره، وصورة حصلت عليها من والدتها الراحلة.

مدنيون يحتمون من القصف في محطة أنفاق (رويترز)

مع مرور كل يوم، كانت لودميلا تحاول تأمين طريق للخروج من خاركيف. «كان ابني ينصحني بالتوجه نحو كييف ومنها إلى لفيف، لكن العملية كانت صعبة. كان ينبغي عليّ التوجه إلى محطة القطار الرئيسية أولاً، والانطلاق نحو العاصمة من هناك. إلا أن الأولوية كانت للأمهات وأطفالهن».
في اليوم العاشر، عرض أحد المتطوعين نقلها إلى محطة القطار على متن سيارته. «كنت محظوظة للغاية». إلى جانب آلاف النازحين، انتظرت عدة ساعات خارج منصة القطار. «كان متطوعون ورجال أمن وقوات الدفاع الإقليمي ينظمون الحشود، ويمدوننا بالماء، وحتى أكواب شاي». رغم الازدحام الشديد، نجحت لودميلا في ركوب إحدى المقطورات، ليبدأ الجزء الثاني من رحلتها.
«كان القطار يسير بسرعة 20 كيلومتراً في الساعة. توقف السائق عدة مرات، لأن الوضع لم يكن آمناً أو لإجلاء مصابين. مئات الأطفال كانوا يبكون من كل جهة بسبب الخوف والبرد والجوع. أما الأمهات، فاستسلمن للرعب مما هن فيه وما قد يأتي. إنها نهاية العالم».
- بوتين «المحرر»
لم يغادر الرجال في سن القتال خاركيف، وانضموا إلى صفوف الجيش ووحدات الدفاع الإقليمي. تعرضت خاركيف، ثاني كبرى مدن أوكرانيا، لقصف كثيف منذ الأيام الأولى من الحرب الروسية. «غالبية القاطنين في هذه المدينة يتحدثون اللغة الروسية. فكثير من العائلات تتحدر من روسيا، التي لا تبعد حدودها سوى 40 كيلومتراً. وتتبادل الزيارات بانتظام». تضيف لودميلا: «كان بوتين يتوقع أن تستقبل خاركيف جنوده بالأحضان. يصفهم بالمحررين. من ماذا يعتقد أنه يحررنا؟ ما الذي اقترفته مدينتنا الجميلة لتنهمر عليها القنابل؟ أين أخطأت دار الأوبرا لتستحق غضب المقاتلات الروسية؟ بماذا أساءت له الحدائق والمجمعات التجارية والمستشفيات؟».
استهدف القصف الروسي مستشفى خاركيف لأمراض القلب. «كنت أتردد على هذا المستشفى باستمرار، بسبب متاعب صحية أعاني منها منذ فترة. دمروا المستشفى، كما دمروا جناح الولادة القريب منه. هناك وُلد ابني سيرغي».
- الملاذ البولندي
استغرقت الرحلة إلى كييف 9 ساعات، بدل الأربع المعتادة. انتظرت لودميلا 8 ساعات أخرى لركوب قطار متجه نحو لفيف، لتُمضي 20 ساعة إضافية على متنه قبل الوصول إلى وجهتها.
استبق فيليب وصول لودميلا إلى لفيف بحجز غرفة فندق تُقيم بها ليلة على الأقل قبل شد الرحال نحو الحدود. ويقول: «لك أن تتصوري خيبة أملي عندما تلقيت رسالة من الفندق تُبلغني بإلغاء الحجز. فلودميلا تأخرت عدة ساعات، والأولوية للأمهات والأطفال من النازحين».
وجدت لودميلا نفسها مرة أخرى دون مكان دافئ يؤويها، حتى تلقت اتصالاً من ابنها. «أمن لي سيرغي مكاناً في أحد فروع الشركة التي يعمل بها بلفيف». استعادت لودميلا بعضاً من قوتها، ونسقت رحلة الحدود مع أصدقاء لها موجودين في لفيف. «كانت معهم سيارة، وعرضوا اصطحابي إلى جيشوف رغم توجههم إلى مكان آخر في بولندا. حالفني الحظ مرة أخرى، أم ربما كانت دعوات أمي».
- رحلة العودة إلى لندن
بعد أيام بدت كأنها أسابيع، تحققت آمال فيليب، ووصلت شريكة حياته سالمة إلى جيشوف.
تقول لودميلا، من أحد مقاهي جيشوف البولندية، إنها لم تُدرك بعد ما حصل. «أتواصل مع ابني وصديقاتي كل يوم. بعضهن لا يزال في محطة الأنفاق بخاركيف، فيما بلغت أخرى لفيف حيث قررت البقاء، وانضمت الأخيرة لابنتها المقيمة في هولندا».
يستعد الزوجان لخوض المرحلة الأخيرة من الرحلة؛ تأمين تأشيرة دخول لودميلا إلى بريطانيا. يأمل فيليب أن لا تُفاقم الإجراءات المعقدة معاناة شريكته. «العملية معقدة للغاية وبطيئة. قد نضطر للبقاء هنا عدة أسابيع». ويقول بشيء من السخرية: «قد يكون هروب لودميلا من الحرب والدمار أهون من إجراءات التأشيرة البريطانية».


مقالات ذات صلة

خطة «سوريا بلا مخيمات»… عودة 10 آلاف أسرة وإغلاق 157 مخيماً

المشرق العربي تجهيز النازحين ببعض المستلزمات الضرورية قبل إعادتهم إلى مناطقهم التي نزحوا عنها في ريف حلب (وزارة الطوارئ)

خطة «سوريا بلا مخيمات»… عودة 10 آلاف أسرة وإغلاق 157 مخيماً

مع اقتراب فصل الشتاء تشهد خطة الحكومة السورية لتحقيق رؤية «سوريا بلا مخيمات» تسارعاً ملحوظاً وخلال الأسبوع الماضي عادت أكثر 500 عائلة نازحة إلى مناطقها الأصلية.

سعاد جرَوس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ما حجم الدعم الذي تطالب به مصر نظير استضافتها 10.5 مليون وافد؟

تكرِّر الحكومة المصرية مناشدتها المجتمع الدولي المساهمة في تحمُّل أعباء الوافدين، ضمن مبدأ «تقاسم الأعباء»، في ظلِّ أوضاع إقليمية تزداد صعوبة.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: خفض التمويل يهدد المساعدات الحيوية لـ 8.3 مليون لاجئ

حذَّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الثلاثاء، من أن نحو 8.3 مليون لاجئ ونازح قسراً، قد يفقدون مساعدات حيوية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج المشرف العام على «مركز الملك سلمان للإغاثة» خلال لقائه المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيويورك (واس)

إشادة أممية بالدور الإنساني للسعودية وجهودها في دعم اللاجئين

أشاد برهم صالح، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بالجهود الإنسانية السعودية في تقديم المساعدات الإغاثية والطارئة للاجئين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
شؤون إقليمية آخر ظهور لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من داخل سجن إيمرالي في غرب تركيا خلال رسالة مصورة في 9 يوليو 2025 دعا فيها أعضاء الحزب إلى إلقاء السلاح والتوجه للعمل السياسي الديمقراطي (رويترز)

«زواج» أوجلان يفجّر جدلاً في تركيا

تفجّر جدل جديد في تركيا حول زواج زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد الجدل الذي استمر لفترة حول بناء «فيلا» في جزيرة إيمرالي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
TT

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)

قدم رئيس وزراء ساموا اعتذارا الاثنين، بعد انتشار مقطع فيديو له يظهره وهو يهتف «هايل هتلر» (يحيا هتلر) ويؤدي تحية نازية.

وقال لاأولي ليواتيا شميدت في بيان إن اللقطات تعود لتجمع عائلي جرى قبل نحو 20 عاما، ولم يكن مفترضا أبدا أن تظهر للعلن. وأوضح «تُظهر اللقطات ترديدي لعبارة هايل هتلر وقيامي بحركة مرتبطة بألمانيا النازية خلال تجمع عائلي خاص (...) لم يكن موجها للعامة».

وأضاف «مهما كان السياق أو القصد خلال هذا التجمع قبل عشرين عاما، فإنني أدرك أن تلك الكلمات والحركة كانتا غير لائقتين ومن شأنها أن تسببا الإساءة والألم، ولذا فإنني أعتذر عن استخدامها».

وكان شميدت قد أعرب سابقا عن دعمه القوي لإسرائيل، وتعهد بفتح سفارة في القدس قبل نهاية العام. وقال «أنا أرفض النازية ومعاداة السامية والعنصرية وجميع أشكال التطرف السياسي».

وكان شميدت قد ارتدى شال الصلاة اليهودي عند أدائه اليمين الدستورية رئيسا للوزراء عام 2025، حيث دخل القاعة على وقع صوت بوق الشوفار الاحتفالي. وقال حينها وفقا لوسائل إعلام محلية «أنا أقف إلى جانب إسرائيل، أرض الله». وتابع «ستقف ساموا وتدعم أرض الله المقدسة».

وتؤمن دول المحيط الهادئ الشديدة التدين مثل ساموا، بنبوءات العهد القديم التي تقول إن اليهود مقدر لهم أن يعودوا يوما ما إلى أرض إسرائيل.


النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.