القوات الروسية تشدد حصارها لكييف... وزيلينسكي يتهم موسكو باستهداف المدنيين

أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)
أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)
TT

القوات الروسية تشدد حصارها لكييف... وزيلينسكي يتهم موسكو باستهداف المدنيين

أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)
أب في محطة كييف يودع ابنته التي تركب قطاراً متجهاً إلى لفيف (أ.ب)

اقتربت القوات الروسية، اليوم (الجمعة)، من كييف حيث قال مسؤولون إن العاصمة الأوكرانية تتحول إلى «حصن»، بينما اتهم الرئيس فولوديمير زيلينسكي موسكو باستهداف الممرات الإنسانية مرة أخرى، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وما زال مئات الآلاف المدنيين عالقين في مدن أوكرانية، بما في ذلك ماريوبول المحاصرة، وسط حملة قصف روسية بعد انتهاء المحادثات الأولى، بين وزيري خارجية روسيا وأوكرانيا في كييف من دون إحراز تقدم.
من جهة أخرى، يعقد مجلس الأمن الدولي الجمعة جلسة طارئة بطلب من روسيا للبحث في ملف «الأسلحة البيولوجية»، التي تؤكّد موسكو أنّ أوكرانيا تصنّعها بدعم من الولايات المتّحدة، في اتّهام سخّفته واشنطن ولندن خلال اجتماع للمجلس حول سوريا.
وتتّهم روسيا حكومة كييف بأنّها تدير بالتعاون مع واشنطن مختبرات في أوكرانيا بهدف إنتاج أسلحة بيولوجية، وهو ما نفته العاصمتان.
وحذر الجيش الأوكراني في بيان من أن «العدو يحاول القضاء على دفاعات القوات الأوكرانية حول» مناطق إلى الغرب والشمال الغربي من العاصمة «لإغلاق كييف». وأضاف: «لا يمكننا استبعاد تحرك العدو شرقاً باتجاه بروفاري».

في العاصمة، قال رئيس البلدية فيتالي كليتشكو إن نصف السكان فروا. وأضاف أن المدينة «تحولت إلى حصن»، مؤكداً أنه «تم تحصين كل شارع وكل مبنى وكل نقطة مراقبة فيها».
وتحاصر القوات الروسية حالياً أربع مدن أوكرانية كبرى على الأقل. وقد وصلت آليات مدرعة إلى الأطراف الشمالية الشرقية لكييف، حيث تعرضت الضواحي، بما في ذلك إيربين وبوتشا، لقصف مكثف لأيام.
ويتحدث جنود أوكرانيون عن معارك طاحنة للسيطرة على الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى العاصمة. وشاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» ضربات صاروخية في فيليكا ديميركا خارج حدود مدينة كييف.
وقال فاسيل بوبوف (38 عاماً) بائع إعلانات: «إنه أمر مخيف. لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟». وأضاف: «لا يمكننا الهرب إلى أي مكان ولا الاختباء. نحن نعيش هنا».
وقالت وزارة الدفاع البريطانية في تحديث لمعلوماتها في بيان على «تويتر» إن «القوات الروسية تدفع بالمزيد من قواتها المنتشرة لتطويق المدن الرئيسية». ورأت أن «ذلك سيقلل هذا من عدد القوات المتاحة لمواصلة تقدمها وسيزيد من إبطاء التقدم الروسي».
لم يهدأ الهجوم على العديد من المدن الكبرى؛ فمدينة ماريوبول الساحلية الجنوبية المحاصرة تتعرض لقصف بلا توقف يستهدف أيضا محاولات إيصال المساعدات، حسب زيلينسكي.
وقال الرئيس الأوكراني إن موسكو شنت «هجوماً بالدبابات» استهدف ممراً إنسانياً أرسل إليه قافلة لتحاول إدخال الطعام والماء والأدوية إلى المدينة.
وجاء هذا الهجوم الذي وصفه زيلينسكي في تسجيل فيديو بأنه «مرعب»، غداة قصف مستشفى للتوليد، قال مسؤولون محليون إنه أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم فتاة صغيرة.
واعتبر زيلينسكي «جريمة حرب» روسية في موقف كبار المسؤولين الغربيين، كان آخرهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال: «صُدمنا جميعاً بصور المستشفى» الذي أصيب «في وسط المدينة».
وأضاف أن «فرنسا تدين بأشد عبارات الحزم ما هو عمل حربي لا أخلاقي لأنه ليس عملاً حربياً يهدف إلى تحييد قواعد مسلحة أو قدرات عسكرية، بل عمل حربي هدفه الواضح هو قتل مدنيين».
لكن الجيش الروسي قال إن هذا القصف كان «استفزازاً مدبراً» من قبل أوكرانيا.

وفي تسجيل فيديو، قال رئيس بلدية ماريوبول فاديم بويتشنكو إن الطائرات الحربية الروسية كانت تقصف الخميس مناطق سكنية في المدينة «كل 30 دقيقة» ما أسفر عن «مقتل مدنيين بينهم مسنون ونساء وأطفال».
ووصف رئيس البلدية بـ«المروّع» الوضع في المدينة التي قُتل فيها أكثر من 1200 مدني خلال عشرة أيام من الهجمات المستمرة.
وقالت «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» إن بعض السكان بدأوا يتشاجرون من أجل الطعام، ولم يعد لدى كثيرين منهم مياه.
وقالت ساشا فولكوف ممثلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ماريوبول في تسجيل صوتي إنه «ما زال لدى بعض السكان طعام، لكني لست متأكدة إلى متى سيدوم ذلك»، موضحة أن «كثيرين تحدثوا عن عدم توفر طعام للأطفال».
وصمدت بعض الممرات الإنسانية خارج المدن التي تتعرض للهجوم.
وقال مسؤولون أوكرانيون إن نحو مائة ألف شخص تمكنوا من مغادرة مدينة سومي في شمال شرقي البلاد ومدينة إيزيوم (شرق) ومناطق في شمال غربي كييف في اليومين الماضيين.
أعلنت موسكو أنها ستفتح أيضا ممرات إنسانية يومية لإجلاء المدنيين إلى الأراضي الروسية، لكن كييف رفضت أي طرق مؤدية إلى روسيا.
وقال المسؤول في وزارة الدفاع الروسية ميخائيل ميزينتسيف: «نعلن رسميا فتح ممرات إنسانية لروسيا الاتحادية من الآن فصاعداً من جانب واحد، ودون تنسيق، من الساعة العاشرة (07.00 ت غ) يومياً».
وأضاف ميزينتسيف أنه سيتم التفاوض على الممرات «في اتجاهات أخرى» كل حالة على حدة مع السلطات الأوكرانية.
وتفيد تقديرات المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة بأن أكثر من 2.3 مليون لاجئ غادروا أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير (شباط). ونزح نحو 1.9 مليون أوكراني في الداخل.
وقُتل 71 طفلاً على الأقل، وأصيب أكثر من مائة آخرين في أوكرانيا منذ بدء الحرب، بحسب النائبة في البرلمان الأوكراني بشأن حقوق الإنسان ليودميلا دينيسوفا.
وتقول الأمم المتحدة إن مستشفيين أوكرانيين آخرين للتوليد تم قصفهما وتدميرهما، يقع أحدهما في جيتومير غرب كييف، بالإضافة إلى مستشفى ماريوبول.
وتقدر أوكرانيا قيمة الخسائر التي ألحقها بها الغزو الروسي بمائة مليار دولار.

تأتي هذه التطورات غداة لقاء بين وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأوكراني دميترو كوليبا اللذين تمسك كل منهما بموقفه خلال هذا الاجتماع الأول على هذا المستوى منذ 24 فبراير، برعاية نظيرهما التركي مولود جاويش أوغلو.
وقال كوليبا للصحافيين: «تحدثنا عن وقف لإطلاق النار ولكن لم يتم إحراز أي تقدم في هذا الاتجاه». وأضاف أن لافروف أكد له أن روسيا «ستواصل عدوانها إلى أن نقبل شروطهم بالاستسلام». لكنّه أكد للصحافيين أن «أوكرانيا لم ولن تستسلم».
من جانبه، قال لافروف إن روسيا «لا تعتزم مهاجمة بلدان أخرى»، وتريد مواصلة الحوار مع أوكرانيا، لكنه اعتبر أن «الصيغة (التفاوض) الروسية الأوكرانية في بيلاروسيا»، التي تجري على مستوى تمثيل أدنى «لا بديل لها».
وفي ردود الفعل والإجراءات الجديدة، أعلنت «مجموعة ستيلانتيس للسيارات»، أمس (الخميس)، أنها ستعلق كل صادرات وواردات السيارات من روسيا، لكنها ستواصل الإنتاج المحلي.
لكن المجموعة التي تملك علامات عدة («سيتروين» و«فيات» و«جيب» و«بيجو») ونشأت من اندماج الفرنسية «بيجو»، والإيطالية الأميركية «فيات كرايسلر»، أوضحت أن إنتاج مصنعها في كالوغا جنوب موسكو «يتواصل عند مستوى منخفض للغاية».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...