إردوغان لهرتسوغ: الأتراك واليهود «أفضل نموذج حي وإيجابي»

أشاد بـ«الزيارة التاريخية» للرئيس الإسرائيلي لأنقرة ونظم له استقبالاً حاراً

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

إردوغان لهرتسوغ: الأتراك واليهود «أفضل نموذج حي وإيجابي»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

بـ «استقبال حار» لنظيره الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، في أنقرة أمس، أراد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إظهار حرصه على تقوية العلاقات بتل أبيب، واصفاً الأتراك واليهود بأنهما «أفضل نموذج حي وإيجابي عاش مئات السنين» ومؤكدا «أننا لن نسمح لأحد بأن يغطي على هذه الحقيقة التاريخية».
وقال إردوغان، في مؤتمر صحافي مشترك مع هرتسوغ عقب محادثاتهما في أنقرة: «أعتقد أن هذه الزيارة التاريخية ستكون نقطة تحول جديدة في العلاقات التركية - الإسرائيلية... هدفنا المشترك هو تنشيط الحوار السياسي على أساس المصالح المشتركة... هناك قيمة كبيرة لتقوية العلاقات بين البلدين وتطويرها، أكان ذلك على صعيد الدولتين أو على صعيد السلام في منطقتنا».
وحرص إردوغان على التأكيد أن الموضوع الفلسطيني كان أحد أبرز المواضيع التي احتلت حيزاً في اللقاء. وقال: «أشركت الرئيس هرتسوغ بمشاعري في هذا الموضوع وكم نحن في تركيا حساسون له. وأخبرته بضرورة خفض التوتر في المنطقة والحرص على تسوية على أساس حل الدولتين. ولفتُّ نظره إلى ضرورة تحسين حياة الفلسطينيين. ونتوقع أن تؤيد المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة مواصلة نشاط منظمة تيكا المهتمة بالنشاطات الإنسانية لصالح الفلسطينيين».
واستنكر إردوغان ظاهرة اللاسامية والعداء لليهود واعتبرها جريمة بحق الإنسانية. وقال: «الأتراك واليهود هما أفضل نموذج حي وإيجابي عاش مئات السنين ولن نسمح لأحد بأن يغطي على هذه الحقيقة التاريخية. وإزاء تكاثر الاعتداءات اللاسامية، سنواصل الحفاظ على مواقفنا المبدئية الصارمة في مكافحة اللاسامية ومكافحة العداء للمسلمين (الإسلاموفوبيا) والعنصرية».
وأشار إردوغان إلى أن بلاده تسعى إلى تعزيز العلاقات بإسرائيل، وأن العمل جار لإعادة إحياء الروابط الاقتصادية بين البلدين إلى سابق عهدها، وقال: «أعتقد أن هذه فرصة لإحياء التعاون في مجال الطاقة، كما لدينا إمكانية للتعاون مع إسرائيل في القطاع الدفاعي... ويمكننا التعاون مع إسرائيل في قضايا الطاقة في شرق المتوسط».
هرتسوغ اعتبر من جهته أن العلاقات بين الشعبين اليهودي والتركي تشهد اليوم نقطة تحول إيجابية. وقال: «العلاقات بين شعبينا عتيقة وعريقة ولها جذور دينية وثقافية في التاريخ. وقد مرت في السنوات الأخيرة، وللأسف، فترة عصيبة ولكنني واثق من أنها ستعود إلى سابق عهدها من الاحترام المتبادل ومواجهة التحديات المختلفة».
وأضاف هرتسوغ: «على إسرائيل وتركيا أن تتعاونا في شتى المجالات في بيتنا المشترك، الشرق الأوسط... رواسب الماضي لا تختفي ولكننا نحن الشعبين والدولتين نريد أن نباشر طريقاً جديداً مبنياً على أسس الاحترام المتبادل. ومن البداية نتفق على أننا لن نكون على توافق في كل المواضيع ولكننا سنعرف كيف نجابه المشكلات بطرق راقية تلائم عمق علاقاتنا التاريخية».
وتوجه هرتسوغ الى إردوغان قائلاً إنه يتمنى الاستمرار في التعاون. وقال: «التقيت عدداً من الرؤساء في دول المنطقة وتوصلنا معا إلى الاستنتاج بأن الشراكة والتعاون مهمان لنا جميعاً. فنحن كلنا، أبناء جميع الديانات، نستطيع ويجب أن نعيش بسلام في هذا الحيز الساحر، كجيران طيبين».
وأشار إلى أن إسرائيل وتركيا تساهمان حالياً في الوساطة لوقف الحرب في أوكرانيا و«إنقاذ البشرية من حرب دمار أخرى»، لافتاً إلى أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو سيزور إسرائيل الشهر المقبل.
وقالت وسائل إعلام إسرائيلية لاحقاً إن الزيارة ستتم في 3 أبريل (نيسان) المقبل.
وفي السياق ذاته، قال إردوغان إن جاويش أوغلو سيزور إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وسيقوم وزير الطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز بزيارة إسرائيل بعد ذلك.
وصول الرئيس الإسرائيلي
إلى أنقرة
وكان هرتسوغ حط في أنقرة في زيارة لتركيا هي الأولى من نوعها منذ عام 2007. وحظي باستقبال حار. وقد وصف مرافقون إسرائيليون الاستقبال في القصر الرئاسي في أنقرة بأنه على أعلى مستوى وفقا للبروتوكول الدبلوماسي.
ووضع هرتسوغ إكليلا من الزهور على نصب مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. وتوجه بعد ذلك إلى قصر الرئاسة حيث حرص إردوغان على استقباله بشكل فخم. ثم اجتمع الرئيسان على انفراد لمدة ساعة وعقدا لقاءً موسعاً لساعة أخرى بحضور مساعدين. بعدها، أقام الرئيس التركي مأدبة عشاء كبرى للضيف. وطار هرتسوغ الى إسطنبول ليمضي ليلته هناك ثم يجتمع اليوم الخميس مع الجالية اليهودية ويعود إلى تل أبيب.
وكشف مصدر رفيع المستوى في تل أبيب أن الرئيسين اتفقا على سلسلة خطوات لتصحيح مسار العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين وتحسينها، وعلى مباشرة العمل بين الحكومتين في أسرع وقت لتحقيق هذا الهدف. وقال إن وزير الخارجية التركي سيصل إلى تل أبيب الشهر المقبل لترجمة الاتفاق إلى خطوات عملية.
وأكد المصدر أن إردوغان وهرتسوغ لم يعلنا استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتركا هذا الأمر للفترة المقبلة، لكنهما أكدا على انعطاف في العلاقات باتجاه استعادتها كاملة ولكن بالتدرج.
وكان هرتسوغ صرح قبل مغادرته إسرائيل بأن «العلاقات بين إسرائيل وتركيا مهمة لإسرائيل وتركيا والمنطقة كلها. وشهدت العلاقات صعوداً وهبوطاً. ولن نتفق على كل شيء، لكن سنحاول إعادة بدء العلاقات وبناءها بشكل حذر، وسيمتحن هذا بالأفعال والاحترام المتبادل بين الدولتين». وقال: «النظام العالمي يتقوض بالتأكيد، والحفاظ على الاستقرار والشراكة في منطقتنا جيد وصائب، وهذا ما شددت عليه خلال زيارتي لليونان وقبرص في الأسبوعين الأخيرين».
وكانت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تصدعت عام 2010، إثر مقتل 10 مدنيين أتراك في غارة إسرائيلية على سفينة المساعدات «مافي مرمرة»، التي كانت تحاول الوصول إلى قطاع غزة وكسر الحصار الذي تفرضه عليه إسرائيل. وفي عام 2016، أبرم البلدان اتفاق مصالحة شهد عودة سفيريهما. لكن هذه المصالحة ما لبثت أن انهارت بعد عامين، عندما استدعت تركيا سفيرها احتجاجاً على استخدام القوات الإسرائيلية العنف لقمع احتجاجات فلسطينية خلال «مسيرات العودة».
وخرجت احتجاجات ضد زيارة هرتسوغ، حيث نظم حزب السعادة التركي احتجاجات في 81 مقاطعة تركية، رفضاً لها. وقال الأمين العام للحزب عمر فاروق يازجي: «ندين بشدة دعوة رئيس إسرائيل الإرهابية لزيارة تركيا، نحن نرفض التطبيع. أولئك الذين يلقون بالقنابل على القدس وغزة، ويدوسون الأقصى بأحذيتهم القذرة، ويذبحون المظلومين، بغض النظر عما إذا كانوا أطفالًا أو نساء أو كبار السن، لا مكان لهم في بلادنا ولن يكون لهم وجود».
كما تجمعت أعداد من أعضاء جمعية «مافي مرمرة» في منطقة الفاتح في إسطنبول احتجاجا على الزيارة، رافعين الأعلام الفلسطينية بأيديهم. وقام متظاهرون بإحراق العلم الإسرائيلي.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.