إردوغان لهرتسوغ: الأتراك واليهود «أفضل نموذج حي وإيجابي»

أشاد بـ«الزيارة التاريخية» للرئيس الإسرائيلي لأنقرة ونظم له استقبالاً حاراً

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

إردوغان لهرتسوغ: الأتراك واليهود «أفضل نموذج حي وإيجابي»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

بـ «استقبال حار» لنظيره الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، في أنقرة أمس، أراد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إظهار حرصه على تقوية العلاقات بتل أبيب، واصفاً الأتراك واليهود بأنهما «أفضل نموذج حي وإيجابي عاش مئات السنين» ومؤكدا «أننا لن نسمح لأحد بأن يغطي على هذه الحقيقة التاريخية».
وقال إردوغان، في مؤتمر صحافي مشترك مع هرتسوغ عقب محادثاتهما في أنقرة: «أعتقد أن هذه الزيارة التاريخية ستكون نقطة تحول جديدة في العلاقات التركية - الإسرائيلية... هدفنا المشترك هو تنشيط الحوار السياسي على أساس المصالح المشتركة... هناك قيمة كبيرة لتقوية العلاقات بين البلدين وتطويرها، أكان ذلك على صعيد الدولتين أو على صعيد السلام في منطقتنا».
وحرص إردوغان على التأكيد أن الموضوع الفلسطيني كان أحد أبرز المواضيع التي احتلت حيزاً في اللقاء. وقال: «أشركت الرئيس هرتسوغ بمشاعري في هذا الموضوع وكم نحن في تركيا حساسون له. وأخبرته بضرورة خفض التوتر في المنطقة والحرص على تسوية على أساس حل الدولتين. ولفتُّ نظره إلى ضرورة تحسين حياة الفلسطينيين. ونتوقع أن تؤيد المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة مواصلة نشاط منظمة تيكا المهتمة بالنشاطات الإنسانية لصالح الفلسطينيين».
واستنكر إردوغان ظاهرة اللاسامية والعداء لليهود واعتبرها جريمة بحق الإنسانية. وقال: «الأتراك واليهود هما أفضل نموذج حي وإيجابي عاش مئات السنين ولن نسمح لأحد بأن يغطي على هذه الحقيقة التاريخية. وإزاء تكاثر الاعتداءات اللاسامية، سنواصل الحفاظ على مواقفنا المبدئية الصارمة في مكافحة اللاسامية ومكافحة العداء للمسلمين (الإسلاموفوبيا) والعنصرية».
وأشار إردوغان إلى أن بلاده تسعى إلى تعزيز العلاقات بإسرائيل، وأن العمل جار لإعادة إحياء الروابط الاقتصادية بين البلدين إلى سابق عهدها، وقال: «أعتقد أن هذه فرصة لإحياء التعاون في مجال الطاقة، كما لدينا إمكانية للتعاون مع إسرائيل في القطاع الدفاعي... ويمكننا التعاون مع إسرائيل في قضايا الطاقة في شرق المتوسط».
هرتسوغ اعتبر من جهته أن العلاقات بين الشعبين اليهودي والتركي تشهد اليوم نقطة تحول إيجابية. وقال: «العلاقات بين شعبينا عتيقة وعريقة ولها جذور دينية وثقافية في التاريخ. وقد مرت في السنوات الأخيرة، وللأسف، فترة عصيبة ولكنني واثق من أنها ستعود إلى سابق عهدها من الاحترام المتبادل ومواجهة التحديات المختلفة».
وأضاف هرتسوغ: «على إسرائيل وتركيا أن تتعاونا في شتى المجالات في بيتنا المشترك، الشرق الأوسط... رواسب الماضي لا تختفي ولكننا نحن الشعبين والدولتين نريد أن نباشر طريقاً جديداً مبنياً على أسس الاحترام المتبادل. ومن البداية نتفق على أننا لن نكون على توافق في كل المواضيع ولكننا سنعرف كيف نجابه المشكلات بطرق راقية تلائم عمق علاقاتنا التاريخية».
وتوجه هرتسوغ الى إردوغان قائلاً إنه يتمنى الاستمرار في التعاون. وقال: «التقيت عدداً من الرؤساء في دول المنطقة وتوصلنا معا إلى الاستنتاج بأن الشراكة والتعاون مهمان لنا جميعاً. فنحن كلنا، أبناء جميع الديانات، نستطيع ويجب أن نعيش بسلام في هذا الحيز الساحر، كجيران طيبين».
وأشار إلى أن إسرائيل وتركيا تساهمان حالياً في الوساطة لوقف الحرب في أوكرانيا و«إنقاذ البشرية من حرب دمار أخرى»، لافتاً إلى أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو سيزور إسرائيل الشهر المقبل.
وقالت وسائل إعلام إسرائيلية لاحقاً إن الزيارة ستتم في 3 أبريل (نيسان) المقبل.
وفي السياق ذاته، قال إردوغان إن جاويش أوغلو سيزور إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وسيقوم وزير الطاقة والموارد الطبيعية فاتح دونماز بزيارة إسرائيل بعد ذلك.
وصول الرئيس الإسرائيلي
إلى أنقرة
وكان هرتسوغ حط في أنقرة في زيارة لتركيا هي الأولى من نوعها منذ عام 2007. وحظي باستقبال حار. وقد وصف مرافقون إسرائيليون الاستقبال في القصر الرئاسي في أنقرة بأنه على أعلى مستوى وفقا للبروتوكول الدبلوماسي.
ووضع هرتسوغ إكليلا من الزهور على نصب مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. وتوجه بعد ذلك إلى قصر الرئاسة حيث حرص إردوغان على استقباله بشكل فخم. ثم اجتمع الرئيسان على انفراد لمدة ساعة وعقدا لقاءً موسعاً لساعة أخرى بحضور مساعدين. بعدها، أقام الرئيس التركي مأدبة عشاء كبرى للضيف. وطار هرتسوغ الى إسطنبول ليمضي ليلته هناك ثم يجتمع اليوم الخميس مع الجالية اليهودية ويعود إلى تل أبيب.
وكشف مصدر رفيع المستوى في تل أبيب أن الرئيسين اتفقا على سلسلة خطوات لتصحيح مسار العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين وتحسينها، وعلى مباشرة العمل بين الحكومتين في أسرع وقت لتحقيق هذا الهدف. وقال إن وزير الخارجية التركي سيصل إلى تل أبيب الشهر المقبل لترجمة الاتفاق إلى خطوات عملية.
وأكد المصدر أن إردوغان وهرتسوغ لم يعلنا استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتركا هذا الأمر للفترة المقبلة، لكنهما أكدا على انعطاف في العلاقات باتجاه استعادتها كاملة ولكن بالتدرج.
وكان هرتسوغ صرح قبل مغادرته إسرائيل بأن «العلاقات بين إسرائيل وتركيا مهمة لإسرائيل وتركيا والمنطقة كلها. وشهدت العلاقات صعوداً وهبوطاً. ولن نتفق على كل شيء، لكن سنحاول إعادة بدء العلاقات وبناءها بشكل حذر، وسيمتحن هذا بالأفعال والاحترام المتبادل بين الدولتين». وقال: «النظام العالمي يتقوض بالتأكيد، والحفاظ على الاستقرار والشراكة في منطقتنا جيد وصائب، وهذا ما شددت عليه خلال زيارتي لليونان وقبرص في الأسبوعين الأخيرين».
وكانت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين تصدعت عام 2010، إثر مقتل 10 مدنيين أتراك في غارة إسرائيلية على سفينة المساعدات «مافي مرمرة»، التي كانت تحاول الوصول إلى قطاع غزة وكسر الحصار الذي تفرضه عليه إسرائيل. وفي عام 2016، أبرم البلدان اتفاق مصالحة شهد عودة سفيريهما. لكن هذه المصالحة ما لبثت أن انهارت بعد عامين، عندما استدعت تركيا سفيرها احتجاجاً على استخدام القوات الإسرائيلية العنف لقمع احتجاجات فلسطينية خلال «مسيرات العودة».
وخرجت احتجاجات ضد زيارة هرتسوغ، حيث نظم حزب السعادة التركي احتجاجات في 81 مقاطعة تركية، رفضاً لها. وقال الأمين العام للحزب عمر فاروق يازجي: «ندين بشدة دعوة رئيس إسرائيل الإرهابية لزيارة تركيا، نحن نرفض التطبيع. أولئك الذين يلقون بالقنابل على القدس وغزة، ويدوسون الأقصى بأحذيتهم القذرة، ويذبحون المظلومين، بغض النظر عما إذا كانوا أطفالًا أو نساء أو كبار السن، لا مكان لهم في بلادنا ولن يكون لهم وجود».
كما تجمعت أعداد من أعضاء جمعية «مافي مرمرة» في منطقة الفاتح في إسطنبول احتجاجا على الزيارة، رافعين الأعلام الفلسطينية بأيديهم. وقام متظاهرون بإحراق العلم الإسرائيلي.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...