«بيروت للكتاب»... تخفيضات قياسية والقرّاء يفاجئون الناشرين

دور النشر أخرجت مخزونها وباعت آلاف الكتب

جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية
جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية
TT

«بيروت للكتاب»... تخفيضات قياسية والقرّاء يفاجئون الناشرين

جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية
جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية

«الناس متعطشة للكتاب»، هذه هي العبارة التي رددها الناشرون الذين سألناهم عن مدى رضاهم عن مشاركتهم وحركة الشراء، في «معرض بيروت للكتاب» في دورته (63)، الذي افتتح في الثالث من الشهر الحالي في «سي سايد أرينا» وسط بيروت، ويستمر حتى 13 منه. ظواهر جديدة عند القراء، واستراتيجيات مختلفة لدى الناشرين أيضاً، للتأقلم مع معطيات تختلف كلياً عما سبق أزمتي «كورونا» والانهيار الاقتصادي.
على عكس المتوقع، رغم الوضع الصعب، وارتفاع أسعار التنقلات، وحتى الشح في البنزين، فإن ثمة من جاء من خارج بيروت. تقول فاطمة بيضون من «دار رياض الريس للكتب والنشر» إنه يصعب عليها تحديد أنواع الكتب التي تشهد إقبالاً خاصاً. «الرواد يشترون كتباً متنوعة وفي مختلف المجالات. يشترون كل شيء، الرواية، الشعر، التاريخ، إصدارت قديمة وجديدة». تذكر فاطمة بيضون على سبيل المثال الإقبال على شراء كتب صادرة حديثاً مثل «الماسونية في عماء التاريخ» لصقر أبو فخر، وكذلك كتاب «الانتخابات النيابية اللبنانية 2016 - 2019. طقوسية اللادولة الطائفية» لشربل نحاس، و«الألغاز الكبرى في اليهودية» للمؤرخ العراقي فاضل الربيعي. وشهدت الدار عدداً من التواقيع، إذ أصدرت «حوارات في الثقافة والتاريخ» للدكتور خالد زيادة، و«الإعلام والحرب في بيئة أمنية متغيرة» لعبد الناصر العبري، وكتب أخرى.

كلمة السرّ: الحسومات
شهد المعرض عدداً كبيراً من حفلات التوقيع، بسبب تراكم الإصدارات في السنتين الأخيرتين، التي لم يُحتفَ بها بسبب أزمة «كورونا»، ومقتضيات الحجر، فجاءت المناسبة.
كلمة سرّ المعرض هي تخفيض أسعار الكتب إلى الحدود القصوى. فقد لجأ الناشرون إلى حسومات قياسية، لكنهم رغم ذلك يتحدثون عن أرباح محققة. يؤكد غالبية من سألناهم أنهم في يوم ونصف كانوا قد سددوا تكاليف اشتراكهم، وكل ما أتى بعد ذلك، هو ربح للدار. فالاشتراكات في الأصل كانت رمزية، مراعاة للوضع العام، مما شجع على المشاركة، رغم المخاوف.
يتحدث الناشر عبودة أبو جودة «دار الفرات»، الذي عرض مجموعات من المطبوعات القديمة لقيت إقبالاً خاصاً، عن «أن الربح بنسبة 100 في المائة كما كان الوضع سابقاً، والتعويل على المداخيل الكبيرة، هي أمور انتهت، وعلى الناشر أن يقبل بربح 20 في المائة أو أقل، والبيع بالليرة اللبنانية هو مفيد وتحتاجه الدور».

مزاج القراء: شراء كل ما هو رخيص
أما عن مزاج القراء فيقول أبو جودة «الناس تريد أن تقرأ. تشتري كل ما هو رخيص وفي متناولها”. تجربته في المعرض كانت مشجعة «أتيت بثلاثة آلاف كتاب إنجليزي وفرنسي، بيعت جميعها لم يبق منها سوى 200 كتاب. يتراوح سعر الكتاب بين 10 آلاف و25 ألف ليرة (الدولار نحو 20 ألف ليرة) هي في مختلف المجالات الموسيقى، والأدب، والفن، خلال ثلاثة أيام كانت قد طارت جميعها. الكتب العربية نفس الوضع». وماذا عن الأعداد الكثيرة من السلاسل الكويتية الموجودة في جناحه؟ مطلوبة للغاية، «عالم المعرفة» تباع بأقل من دولار، وكذلك «المسرح العالمي»، ومجلة «الفنون». الناس مقبلة، وتريد أن تشتري، لأن سعر الكتاب الجديد الذي يعرض بـ250 ألف ليرة (نحو 12 دولاراً)، ليس في متناول الجميع.
باعت «دار الفرات» بحسب ما يشرح أبو جودة أعداداً وافرة من أرشيف الصحف والمجلات القديمة، «النهار»، «السفير»، «الحوادث» وغيرها التي تعود إلى الأعوام ما بين 1975 - 1982. بنصف دولار للعدد الواحد. لماذا يشتري القراء هذا الأرشيف؟ يجيب أبو جودة: «حين يعثر القارئ على مقالة تعجبه يشتري العدد. ثم إن هذا الأرشيف يعود إلى عزّ فترة الحرب الأهلية. إنها عشرة أيام فقط، خلال فترة المعرض، تنخفض الأسعار، وبعدها، لن أبيع لا الكتب القديمة ولا الأعداد الصحافية بهذا السعر على الإطلاق. هي فرصة لمن يريد أن يقتني».

مؤنة السنة من الكتب
البعض يقول إنها فرصة مواتية للناشرين ليفرغوا مخازن دور النشر اللبنانية التي تحتوي على أرتال من الكتب المكدسة من عشرات السنين. لكن أبو جودة يفضل النظر إلى الأمر بطريقة أخرى «على الناشر أن يفكر في القارئ أيضاً. أنا خطتي أن أبيع عشرة آلاف كتاب، أخفف من المخزون عندي هذا صحيح، وأحصل على ليرة لبنانية كاش، وفي نفس الوقت أفسح للقارئ الذي لا يستطيع أن يدفع غالياً، أن يحصل على مؤنته من الكتب لكل السنة. وهذا أمر في غاية الأهمية». يشرح أبو جودة بأن سوق الكتاب في لبنان تغير، «هذا بلدنا، وعلينا أن نتأقلم مع الوضع الجديد».
جدير بالذكر أن الكتب الصادرة قبل الانهيار أي قبل عامين، كانت قد طبعت على السعر القديم للدولار مقابل الليرة، وهو ما يسمح للناشرين ببيعها اليوم بأسعار مخفضة جداً. متوسط سعر الكتاب في «دار رياض الريس» يتراوح بين خمسة دولارات ودولارين للكتاب. التخفيضات تصل إلى ما يقارب 60 في المائة على السعر الأصلي. وهو إغراء غير مسبوق لقارئ يبحث عن كتاب جديد.
هي الأسعار أيضاً التي اعتمدتها «دار نلسن»، إذ يحدثنا الناشر سليمان بختي عن سياسة تكثيف التواقيع التي أصبحت شبه يومية، وتخفيض الأسعار، بحيث يتراوح سعر الكتاب بين ستة وأربعة دولارات، وقليلة هي الكتب التي ترتفع إلى أكثر من ذلك. وبالنسبة لبختي فأكثر ما باعت داره هي كتب السير الذاتية والمذكرات، «الجمر والرماد» لهشام شرابي، «ذكريات أمين نخلة»، «أغصان وجذور» لإلهام كلاّب، «أوراق عمر مكتوب» لمنى دملوجي. ملاحظة ثانية لفتت بختي، «هي سلوكيات الجيل الجديد، الذي يأتي بلائحة الكتب التي يريدها مسجلة على تليفونه ويختار العناوين قبل الوصول إلى المعرض. التسكع بحثاً عن الكتاب ليس في أولويات الشباب، فهم يعرفون ما يريدون، ويقرأون عنه سلفاً وقبل الشراء».
ازدحام على الكتب الإنجليزية
من الظواهر اللافتة جداً إقبال الشباب على الكتب الأجنبية التي باعت بشكل ملحوظ. مكتبة «بوك بار» الموجودة في المعرض والمتخصصة بالكتب الإنجليزية، التدفق عليها كبير طوال النهار. ليست أرخص الموجود، لكن الجيل الجديد يقرأ الإنجليزية على حساب العربية في أغلبيته الساحقة. ما هو مشجع أنهم لا يزالون يبحثون عن الكتاب الورقي. صاحب المكتبة خضر شقير، يشارك في المعرض منذ عام 1996. يأتي بكتبه حالياً من موجودات السوق اللبنانية، ويقول: «بعنا عناوين في مختلف المواضيع، بشكل خاص الكلاسيكيات، والروحانيات، والروايات. وكل يوم المبيع أفضل من الذي قبله. كتبنا قديمة لكنها ليست مستعملة، يتراوح سعر الكتاب من نصف دولار وصولاً إلى 14 دولاراً للكتاب». أسعار لكل الميزانيات، وهو ما ينتهزه الجيل الجديد.
المخزون الكبير، من الكتب الإنجليزية المعروضة في غالبيته، مستورد من قبل الأزمة، وانتظر طوال فترة الحجر، وها هو يخرج ويستفيد منه القراء اليوم بأسعار خيالية، نسبة لما سيدفعونه عند إعادة الاستيراد. مكتبة «بوك بازار» وجهه أخرى للشباب، ظاهرة بحد ذاتها، إذ تعمر بالرواد على مدار اليوم، حيث تتكوم الكتب المستعملة وخاصة الإنجليزية والفرنسية. يقول صاحبها إنه افتتح في بيروت فرعاً ثانياً بعد الأزمة، بسبب تنامي الطلب.

عتاب المحبين
العتب كبير من عديد من الناشرين، على دور النشر الكبرى التي رفضت أن تكون في هذا المعرض خشية الأوضاع غير الملائمة، مفضلة انتظار المشاركة في الدورة المقبلة التي ستنعقد في ديسمبر (كانون الأول). تقول فاطمة بيضون: «المعرض جيد، ولو أنهم شاركوا معنا لكان الوضع أفضل بكثير. سياسة التعطيل تهيمن على البلد كله. الناس تريد أن تتنفس، وتقرأ. لماذا نعطّل بعضنا بعضاً، ماذا نستفيد؟»
وكان الخلاف قد حصل بين الناشرين عند الإعلان عن إقامة المعرض، وتغيبت دور نشر كبيرة، مثل «الآداب»، «الساقي»، «العربية للعلوم»، «الجمل»، «الجديد» وغيرها، معتبرين أن الوقت غير مناسب، وأن الناس ليست في وارد الاهتمام بالكتب بينما الشحّ هو السمة الغالبة، فيما اعتبر «النادي الثقافي العربي»، الجهة المنظمة تاريخياً للمعرض منذ 63 سنة، أنه لا يجوز حرمان بيروت من معرضها لثلاث سنوات، ولا بد من إعطاء أمل للناس، حتى ولو اكتفوا بالفرجة. ويقول أبو جودة: «هناك وجهات النظر، وأنا أتفهمها. لكل قراءته كما لكل جمهوره، والناس الذين يأتونه. ونحن ارتأينا أن نشارك، والنتائج جيدة». فيما يجد بختي أن «جميع المشاركين هذه المرة، جاءوا وهم يتقبلون حتى الخسائر، لأن الثقافة جزء رئيسي من تركيبة لبنان، ولا يجوز تغييب الكتاب. والمشاركة كانت واجب. لكن المفاجأة السارة أن الناس أتت واشترت، وكنا لنقبل بأي شيء. لكننا سعدنا أن الدور تبيع من (دار النهار) إلى (مركز دراسات الوحدة العربية) و(دار العلم للملايين)، وهذا ما أفرح قلوبنا. المدينة كانت بحاجة للعودة إلى إنسانيتها، إلى مواطنتها».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً