«بيروت للكتاب»... تخفيضات قياسية والقرّاء يفاجئون الناشرين

دور النشر أخرجت مخزونها وباعت آلاف الكتب

جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية
جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية
TT

«بيروت للكتاب»... تخفيضات قياسية والقرّاء يفاجئون الناشرين

جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية
جناح مكتبة «بوك بازار» المتخصصة ببيع الكتب الإنجليزية

«الناس متعطشة للكتاب»، هذه هي العبارة التي رددها الناشرون الذين سألناهم عن مدى رضاهم عن مشاركتهم وحركة الشراء، في «معرض بيروت للكتاب» في دورته (63)، الذي افتتح في الثالث من الشهر الحالي في «سي سايد أرينا» وسط بيروت، ويستمر حتى 13 منه. ظواهر جديدة عند القراء، واستراتيجيات مختلفة لدى الناشرين أيضاً، للتأقلم مع معطيات تختلف كلياً عما سبق أزمتي «كورونا» والانهيار الاقتصادي.
على عكس المتوقع، رغم الوضع الصعب، وارتفاع أسعار التنقلات، وحتى الشح في البنزين، فإن ثمة من جاء من خارج بيروت. تقول فاطمة بيضون من «دار رياض الريس للكتب والنشر» إنه يصعب عليها تحديد أنواع الكتب التي تشهد إقبالاً خاصاً. «الرواد يشترون كتباً متنوعة وفي مختلف المجالات. يشترون كل شيء، الرواية، الشعر، التاريخ، إصدارت قديمة وجديدة». تذكر فاطمة بيضون على سبيل المثال الإقبال على شراء كتب صادرة حديثاً مثل «الماسونية في عماء التاريخ» لصقر أبو فخر، وكذلك كتاب «الانتخابات النيابية اللبنانية 2016 - 2019. طقوسية اللادولة الطائفية» لشربل نحاس، و«الألغاز الكبرى في اليهودية» للمؤرخ العراقي فاضل الربيعي. وشهدت الدار عدداً من التواقيع، إذ أصدرت «حوارات في الثقافة والتاريخ» للدكتور خالد زيادة، و«الإعلام والحرب في بيئة أمنية متغيرة» لعبد الناصر العبري، وكتب أخرى.

كلمة السرّ: الحسومات
شهد المعرض عدداً كبيراً من حفلات التوقيع، بسبب تراكم الإصدارات في السنتين الأخيرتين، التي لم يُحتفَ بها بسبب أزمة «كورونا»، ومقتضيات الحجر، فجاءت المناسبة.
كلمة سرّ المعرض هي تخفيض أسعار الكتب إلى الحدود القصوى. فقد لجأ الناشرون إلى حسومات قياسية، لكنهم رغم ذلك يتحدثون عن أرباح محققة. يؤكد غالبية من سألناهم أنهم في يوم ونصف كانوا قد سددوا تكاليف اشتراكهم، وكل ما أتى بعد ذلك، هو ربح للدار. فالاشتراكات في الأصل كانت رمزية، مراعاة للوضع العام، مما شجع على المشاركة، رغم المخاوف.
يتحدث الناشر عبودة أبو جودة «دار الفرات»، الذي عرض مجموعات من المطبوعات القديمة لقيت إقبالاً خاصاً، عن «أن الربح بنسبة 100 في المائة كما كان الوضع سابقاً، والتعويل على المداخيل الكبيرة، هي أمور انتهت، وعلى الناشر أن يقبل بربح 20 في المائة أو أقل، والبيع بالليرة اللبنانية هو مفيد وتحتاجه الدور».

مزاج القراء: شراء كل ما هو رخيص
أما عن مزاج القراء فيقول أبو جودة «الناس تريد أن تقرأ. تشتري كل ما هو رخيص وفي متناولها”. تجربته في المعرض كانت مشجعة «أتيت بثلاثة آلاف كتاب إنجليزي وفرنسي، بيعت جميعها لم يبق منها سوى 200 كتاب. يتراوح سعر الكتاب بين 10 آلاف و25 ألف ليرة (الدولار نحو 20 ألف ليرة) هي في مختلف المجالات الموسيقى، والأدب، والفن، خلال ثلاثة أيام كانت قد طارت جميعها. الكتب العربية نفس الوضع». وماذا عن الأعداد الكثيرة من السلاسل الكويتية الموجودة في جناحه؟ مطلوبة للغاية، «عالم المعرفة» تباع بأقل من دولار، وكذلك «المسرح العالمي»، ومجلة «الفنون». الناس مقبلة، وتريد أن تشتري، لأن سعر الكتاب الجديد الذي يعرض بـ250 ألف ليرة (نحو 12 دولاراً)، ليس في متناول الجميع.
باعت «دار الفرات» بحسب ما يشرح أبو جودة أعداداً وافرة من أرشيف الصحف والمجلات القديمة، «النهار»، «السفير»، «الحوادث» وغيرها التي تعود إلى الأعوام ما بين 1975 - 1982. بنصف دولار للعدد الواحد. لماذا يشتري القراء هذا الأرشيف؟ يجيب أبو جودة: «حين يعثر القارئ على مقالة تعجبه يشتري العدد. ثم إن هذا الأرشيف يعود إلى عزّ فترة الحرب الأهلية. إنها عشرة أيام فقط، خلال فترة المعرض، تنخفض الأسعار، وبعدها، لن أبيع لا الكتب القديمة ولا الأعداد الصحافية بهذا السعر على الإطلاق. هي فرصة لمن يريد أن يقتني».

مؤنة السنة من الكتب
البعض يقول إنها فرصة مواتية للناشرين ليفرغوا مخازن دور النشر اللبنانية التي تحتوي على أرتال من الكتب المكدسة من عشرات السنين. لكن أبو جودة يفضل النظر إلى الأمر بطريقة أخرى «على الناشر أن يفكر في القارئ أيضاً. أنا خطتي أن أبيع عشرة آلاف كتاب، أخفف من المخزون عندي هذا صحيح، وأحصل على ليرة لبنانية كاش، وفي نفس الوقت أفسح للقارئ الذي لا يستطيع أن يدفع غالياً، أن يحصل على مؤنته من الكتب لكل السنة. وهذا أمر في غاية الأهمية». يشرح أبو جودة بأن سوق الكتاب في لبنان تغير، «هذا بلدنا، وعلينا أن نتأقلم مع الوضع الجديد».
جدير بالذكر أن الكتب الصادرة قبل الانهيار أي قبل عامين، كانت قد طبعت على السعر القديم للدولار مقابل الليرة، وهو ما يسمح للناشرين ببيعها اليوم بأسعار مخفضة جداً. متوسط سعر الكتاب في «دار رياض الريس» يتراوح بين خمسة دولارات ودولارين للكتاب. التخفيضات تصل إلى ما يقارب 60 في المائة على السعر الأصلي. وهو إغراء غير مسبوق لقارئ يبحث عن كتاب جديد.
هي الأسعار أيضاً التي اعتمدتها «دار نلسن»، إذ يحدثنا الناشر سليمان بختي عن سياسة تكثيف التواقيع التي أصبحت شبه يومية، وتخفيض الأسعار، بحيث يتراوح سعر الكتاب بين ستة وأربعة دولارات، وقليلة هي الكتب التي ترتفع إلى أكثر من ذلك. وبالنسبة لبختي فأكثر ما باعت داره هي كتب السير الذاتية والمذكرات، «الجمر والرماد» لهشام شرابي، «ذكريات أمين نخلة»، «أغصان وجذور» لإلهام كلاّب، «أوراق عمر مكتوب» لمنى دملوجي. ملاحظة ثانية لفتت بختي، «هي سلوكيات الجيل الجديد، الذي يأتي بلائحة الكتب التي يريدها مسجلة على تليفونه ويختار العناوين قبل الوصول إلى المعرض. التسكع بحثاً عن الكتاب ليس في أولويات الشباب، فهم يعرفون ما يريدون، ويقرأون عنه سلفاً وقبل الشراء».
ازدحام على الكتب الإنجليزية
من الظواهر اللافتة جداً إقبال الشباب على الكتب الأجنبية التي باعت بشكل ملحوظ. مكتبة «بوك بار» الموجودة في المعرض والمتخصصة بالكتب الإنجليزية، التدفق عليها كبير طوال النهار. ليست أرخص الموجود، لكن الجيل الجديد يقرأ الإنجليزية على حساب العربية في أغلبيته الساحقة. ما هو مشجع أنهم لا يزالون يبحثون عن الكتاب الورقي. صاحب المكتبة خضر شقير، يشارك في المعرض منذ عام 1996. يأتي بكتبه حالياً من موجودات السوق اللبنانية، ويقول: «بعنا عناوين في مختلف المواضيع، بشكل خاص الكلاسيكيات، والروحانيات، والروايات. وكل يوم المبيع أفضل من الذي قبله. كتبنا قديمة لكنها ليست مستعملة، يتراوح سعر الكتاب من نصف دولار وصولاً إلى 14 دولاراً للكتاب». أسعار لكل الميزانيات، وهو ما ينتهزه الجيل الجديد.
المخزون الكبير، من الكتب الإنجليزية المعروضة في غالبيته، مستورد من قبل الأزمة، وانتظر طوال فترة الحجر، وها هو يخرج ويستفيد منه القراء اليوم بأسعار خيالية، نسبة لما سيدفعونه عند إعادة الاستيراد. مكتبة «بوك بازار» وجهه أخرى للشباب، ظاهرة بحد ذاتها، إذ تعمر بالرواد على مدار اليوم، حيث تتكوم الكتب المستعملة وخاصة الإنجليزية والفرنسية. يقول صاحبها إنه افتتح في بيروت فرعاً ثانياً بعد الأزمة، بسبب تنامي الطلب.

عتاب المحبين
العتب كبير من عديد من الناشرين، على دور النشر الكبرى التي رفضت أن تكون في هذا المعرض خشية الأوضاع غير الملائمة، مفضلة انتظار المشاركة في الدورة المقبلة التي ستنعقد في ديسمبر (كانون الأول). تقول فاطمة بيضون: «المعرض جيد، ولو أنهم شاركوا معنا لكان الوضع أفضل بكثير. سياسة التعطيل تهيمن على البلد كله. الناس تريد أن تتنفس، وتقرأ. لماذا نعطّل بعضنا بعضاً، ماذا نستفيد؟»
وكان الخلاف قد حصل بين الناشرين عند الإعلان عن إقامة المعرض، وتغيبت دور نشر كبيرة، مثل «الآداب»، «الساقي»، «العربية للعلوم»، «الجمل»، «الجديد» وغيرها، معتبرين أن الوقت غير مناسب، وأن الناس ليست في وارد الاهتمام بالكتب بينما الشحّ هو السمة الغالبة، فيما اعتبر «النادي الثقافي العربي»، الجهة المنظمة تاريخياً للمعرض منذ 63 سنة، أنه لا يجوز حرمان بيروت من معرضها لثلاث سنوات، ولا بد من إعطاء أمل للناس، حتى ولو اكتفوا بالفرجة. ويقول أبو جودة: «هناك وجهات النظر، وأنا أتفهمها. لكل قراءته كما لكل جمهوره، والناس الذين يأتونه. ونحن ارتأينا أن نشارك، والنتائج جيدة». فيما يجد بختي أن «جميع المشاركين هذه المرة، جاءوا وهم يتقبلون حتى الخسائر، لأن الثقافة جزء رئيسي من تركيبة لبنان، ولا يجوز تغييب الكتاب. والمشاركة كانت واجب. لكن المفاجأة السارة أن الناس أتت واشترت، وكنا لنقبل بأي شيء. لكننا سعدنا أن الدور تبيع من (دار النهار) إلى (مركز دراسات الوحدة العربية) و(دار العلم للملايين)، وهذا ما أفرح قلوبنا. المدينة كانت بحاجة للعودة إلى إنسانيتها، إلى مواطنتها».


مقالات ذات صلة

دائرة الكُتّاب المجهولين

ثقافة وفنون دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).

عاجل غارات إسرائيلية تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت