مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر

الدبلوماسي المخضرم عاصر عهوداً من التحولات السياسية والثقافية

مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر
TT

مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر

مذكرات مصطفى الفقي... صفحات من تاريخ مصر

منذ التحاقه بمنظمة الشباب العربي الاشتراكي في النصف الثاني من عقد الستينات في عصر عبد الناصر حتى توليه رئاسة مكتبة الإسكندرية حالياً، كان د. مصطفى الفقي شاهد عيان على عصر من التحولات السياسية والاجتماعية، انخرط في بعضها، وعاش بعضها الآخر عن قرب، بالإضافة إلى كونه دبلوماسياً مخضرماً عمل نائباً للقنصل العام المصري في لندن ثم سفيراً لبلاده في فيينا، كما شغل منصب سكرتير الرئيس الأسبق حسني مبارك للمعلومات لسنوات كثيرة. كل ذلك يجعل سيرته الذاتية «الرواية - رحلة الزمان والمكان» الصادرة حديثاً عن «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة تحظى بأهمية خاصة.
تقع المذكرات في 511 صفحة من القطع الكبير، وتغطي قوساً زمنياً واسعاً لبعض أبرز محطاته ومنها الطفولة وبدايات التكوين، وهوية البلاد وكيف ألقت التحولات السياسية بظلالها السوداء على أبناء الوطن الواحد.
يروي الفقي، ابن مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة، كيف أنه «ذات صباح مع بداية العام الدراسي في سبتمبر (أيلول) عام 1956 دخل مدرس اللغة العربية والدين الإسلامي الأستاذ عبد العظيم، الفصل، السنة الثانية من المرحلة الإعدادية، وقال إن هذه حصة الدين وطلب من أشقائنا المسيحيين أن ينتقلوا إلى فصل مجاور مع زملائهم من الفصول الأخرى لتلقي حصة الدين المسيحي أيضاً، فخرج أربعة أو خمسة من زملائنا ثم قال المدرس: جميعكم الآن تدرسون دينكم الإسلامي، فرفع التلميذ رحمين إبراهيم رحمين يده قائلاً: أنا لست مسلماً. فقال له المدرس: لقد خرج زملاؤك المسيحيون، فما ديانتك؟ هل أنت مجوسي؟ رد رحمين: بل أنا يهودي مصري! فأُسقط في يدَي الأستاذ ولم يجد ما يقوله سوى أن يتمتم ببعض عبارات غير واضحة تدل على الحيرة وعدم القدرة على اتخاذ قرار».
كان رحمين زميلهم في الفصل ويحبه زملاؤه كثيراً ويلعبون معه في أثناء الفسحة لعبة الفرسان بالأدوات المدرسية كالمسطرة بدلاً من السيوف، ولم يخطر ببالهم قط مسألة اختلاف الديانة، فلم يكن أحد واعياً بها أو مهتماً بالتعليق عليها. طلب المدرس من رحمين أن يذهب إلى حجرة الناظر وينتظره هناك. عندما انتهت حصة الدين عاد التلميذ إلى الفصل مبتسما وقال إن ناظر المدرسة استمع إلى وجهة نظر المدرس وأنه لا يوجد من يستطيع تدريس الديانة اليهودية فهو الطالب الأوحد في مدرسة دمنهور الإعدادية وعليه فقد تقرر أن يقضي حصة الدين في فناء المدرسة يلهو وحده إلى أن تتمكن المدرسة من تدبير مدرس له يعطيه مقرر الدين اليهودي ويرصد له درجة فيه. ولم تمر أسابيع قليلة حتى وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وتوقفت الدراسة لشهرين تقريبا وحين عادت لم يجدوا رحمين مرة أخرى وعندما استفسروا عنه قيل لهم إنه هو وأسرته رحلوا من البلاد.
ويعلق الفقي على الواقعة قائلاً: «لم ندرك بالطبع وقتها الملابسات والتداعيات المرتبطة بذلك الحدث ولكننا كنا نشعر أننا فقدنا زميلاً عزيزاً يرتبط بنا برباط براءة الطفولة البعيدة تماماً عن الحياة السياسية».
كانت بداية انخراط المؤلف في العمل العام خلال المرحلة الثانوية فقد أصبح مسؤولاً عن اتحاد طلاب محافظة البحيرة بدعم ورعاية من محافظها الراحل وجيه أباظة شخصياً، هذا الرجل الذي يعده مهندس دمنهور الحديثة وصاحب المشروعات الباقية حتى الآن في إقليم البحيرة. لقد كان واحداً من الضباط الأحرار القريبين من عبد الناصر ومع ذلك لم يكن يهتم بحدود الروتين بل كان يمضي في تنفيذ أهدافه بلا تردد.
في ذلك الوقت بدأ مصطفى الفقي يشارك في الأحداث الوطنية في عصر الرئيس عبد الناصر، ففي أثناء انطلاق إحدى المظاهرات الكبرى بسبب الثورة العراقية، طلب أستاذه الراحل الدكتور ثروت بدوي الذي كان يدرّس له القانون الدستوري أن يلقي خطاباً أمام زملائه طلاب الجامعة. وكان معهم زميلة لم يتعرفوا على شخصيتها الحقيقية إلا بعد أسابيع من بدء العام الدراسي وهي هدى جمال عبد الناصر فقد كانت طالبة عادية تأتي إلى الجامعة بلا حراسة تقريباً. وبعد أن ألقى خطابه في ذلك اليوم أمام جموع الطلاب اكتسب شعبية كبيرة.
في تلك المرحلة عرف أيضاً الطريق إلى الصحف القومية ومعايشة كبار الكتاب ومتابعة أعمالهم، ويذكر كيف ذهب آنذاك إلى مؤسسة «الأهرام» في مطلع ستينات القرن الماضي لتوجيه دعوة إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل، رئيس التحرير وأشهر كاتب سياسي عربي، باسم اتحاد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية لإلقاء محاضرة وإجراء حوار معه. قابلت الفقي سكرتيرة هيكل السيدة نوال المحلاوي، وأخبرته عن امتناع هيكل عن الحديث في السياسة خارج مقالاته فأخبرها الطالب المتحمس أنه اختار موضوع «أزمة المثقفين» وهو بعيد عن السياسة التي يرفض هيكل الحديث فيها فنظرت إليه في دهشة قائلة: كيف لا تعد أن أزمة المثقفين موضوعاً سياسياً مع أنك طالب علوم سياسية؟

من لندن إلى نيودلهي
ومن خلال موقعه كنائب للقنصل العام المصري في لندن، يروي الفقي شهادته حول الفريق سعد الشاذلي الذي تم تعيينه سفيراً لمصر في لندن، مشيراً إلى أنه كان طبيعياً أن يتم إبعاده عن الساحة بعد أن وضعت مجلتا «الحوادث» العربية و«باري ماتش» الفرنسية صورته على غلافهما بوصفه رئيس أركان الحرب العربية المنتصرة، ما أثار حفيظة الرئيس السادات! وعندما تسلم الفريق الشاذلي عمله في السفارة استقبله الدبلوماسيون فيها بقلق شديد ومخاوف مبررة، فالرجل معروف بصرامته العسكرية وقد لا تكون إدارته لبعثة دبلوماسية كبيرة على النحو المطلوب ولكنهم فوجئوا بـ«عسكري مصري يتحدث بلغة إنجليزية طليقة تفوق في جودتها لغات عشرات السفراء المدنيين، فضلاً عن أن لديه أفكاراً غير تقليدية في العمل وقدرة واضحة في الوصول إلى الهدف». ولعله من أوائل من فطنوا إلى قيمة وزيرة التعليم البريطاني آنذاك مارجريت تاتشر ومستقبلها السياسي المنتظر فدعاها إلى عشاء في بيت مصر بالسفارة في حي «ماي فير». وهو أيضاً الذي دعا في مرة أخرى «أسقف كانتربري» على العشاء في السفارة المصرية ودعا معه كبار الشيوخ من بعثة الأزهر الشريف في المركز الإسلامي بلندن، و«هو تفكير ينمّ عن سعة الأفق والفهم المبكر لقضية الوحدة الوطنية، كما أنه فاجأ الجميع ذات يوم بأن أعلن أن السفارة المصرية سوف تستضيف احتفال كل البعثات الأفريقية في لندن بيوم أفريقيا، وهو الخامس والعشرون من شهر مايو (أيار)». ونجح في ذلك بشكل واضح وحقق لمصر الأفريقية مكانة متميزة في العاصمة البريطانية، حيث حضر إلى السفارة رئيس الوزراء البريطاني ووزير الخارجية والقيادات المرموقة في العاصمة البريطانية كافة وفي مقدمتهم مندوب صاحبة الجلالة وقيادات الكومنولث كلها. لقد كان يوماً شعر فيه الفقي بأن «للرجل رؤية تستحق الإكبار». وهو أيضاً الذي وافق في بداية السبعينات على المشاركة في مواجهة تلفزيونية مع السفير الإسرائيلي في لندن من مكانين مختلفين. ويقول الفقي إن «الشاذلي اكتسح خصمه في المناظرة وأصبح حديث المدينة وبعثاتها الدبلوماسية لعدة أيام بعد ذلك وهو أيضاً العسكري المصري الصلب الذي ألقى محاضرة رائعة في مجلس العموم البريطاني حول إعادة فتح قناة السويس عام 1975 للملاحة وترك أثراً كبيراً لدى مشاهديه ومستمعيه على السواء».
وفي عام 1979 يشد صاحب المذكرات الرحال هو وأسرته الصغيرة المكونة من زوجته وطفلته صوب العاصمة الهندية لكي يتسلم عمله دبلوماسياً في السفارة المصرية بنيودلهي لأربع سنوات «شاهد فيها من العجائب والغرائب والمتناقضات ما يؤكد رؤية الفيلسوف العربي البيروني عندما زارها منذ عدة قرون وخرج بالانطباع ذاته».
الكتاب مليء بالوقائع المشوقة ويتسم بسلاسة السرد وجمال اللغة، لكن صاحب المذكرات لا يقدم هنا سوى ما يمكن تسميته «التاريخ العام» متجنباً التطرق إلى أي شأن شخصي أو خاص مثل وقائع الحب والزواج وعلاقته بالمرأة على سبيل المثال. وأرى أن قيمة أي مذكرات تنبع من مدى اقتراب صاحبها من الجانب المظلم في حياته وقدرته على تعرية جوانب الضعف الإنساني التي مر بها. يبقى أيضاً حرصه على أن تكون المثالية رمانة الميزان الحاكمة لعملية السرد والتذكر، وعدم انتقاص طرف على حساب طرف آخر... وهكذا لم ينسَ د. مصطفى الفقي أنه دبلوماسي!


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً