«عطر نجيب محفوظ»... حين تتزاوج الفلسفة مع الأدب

صلاح عساف يتتبع الأسئلة الوجودية والكونية في أعماله

«عطر نجيب محفوظ»... حين تتزاوج الفلسفة مع الأدب
TT

«عطر نجيب محفوظ»... حين تتزاوج الفلسفة مع الأدب

«عطر نجيب محفوظ»... حين تتزاوج الفلسفة مع الأدب

في كتابه «عطر نجيب محفوظ... قطوف من بستان السرد» الذي صدر حديثاً عن دار «أكتب» للنشر والتوزيع بمصر، يقوم الباحث والقاص صلاح عساف برحلة في عقل وروح الأديب المصري صاحب نوبل نجيب محفوظ، يرصد من خلالها الأفكار والقضايا التي انشغل بها عبر مسيرة إبداعه الطويلة الزاخرة بالمباهج والآلام من خلال مقاطع ومقتطفات من أعمال محفوظ، بعضها لم يتجاوز بضع كلمات وامتد البعض الآخر لعدة أسطر، وهناك فقرات طويلة لافتة تشرح وتحلل، وعبارات قصيرة محمّلة بحكمة خاطفة، وجُمل حوارية حافلة بالمفارقة وتعدد وجهات النظر، كتبها محفوظ بصياغة لغوية دقيقة وساحرة، محرضة على التفكير والتأمل، وأجراها على ألسنة بعض أبطاله وشخصيات رواياته وقصصه، كأنها تجسيد لما يدور في خواطرهم وأفكارهم، ما يعكس قدرته الخلاقة على التأثير والحضور وعبور الزمن.
قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول: «الوجود والموت» و«الوصول إلى الله» و«أواصر وعلاقات»، وأشارت المختارات التي انتقاها من أعمال محفوظ إلى قلق الوجود والبحث عن المعنى، والحكمة والعقل والمرض والجنون، وغيرها من الأفكار التي اتخذت مناحي فلسفية، وسعى لإعادة قراءتها بوعي جديد.
أما عن فكرة هذا الكتاب وكيف تبلورت، فيقول عساف «إنه في أثناء قراءة أعمال نجيب محفوظ كان كثيراً ما تستوقفه عبارة أو جملة أو جزء من حوار، فيتأملها مليّاً، ويستغرق في التفكير فيما تطرحه، ويضع عليها علامة ليسهل العودة إليها، وتظل تشغل عقله بكلماتها، ويتذكرها فيما بعد عندما يجد ما يناسبها من مفردات الحياة. وذات يوم وهو يقرأ مجموعة «بيت سيئ السمعة» توقف طويلاً أمام عبارة من قصة «يوم حافل» جاءت على لسان البطل، وقد صدمته بجرأتها، وجعلته يعيد النظر فيما قرأه من قبل لمحفوظ. وكان يضع دائماً علامات وإشارات أمام العبارات والكلمات والجمل الحوارية التي تحمل معنى خاصاً أو دلالة مفارقة، وبدأ العمل بجمعها وإعادة تصنيفها وفقاً لما تشير إليه كل جملة أو عبارة من معنى، وحاول ترتيب المقتطفات والجمل بحيث تنتظم الإشارات التي تحتويها كل عبارة تحت العنوان المناسب لها. وهكذا تجمع لدى عساف العديد من العناوين الفرعية اندرجت داخلها العبارات والمختارات، وانتظمت بدورها تحت عناوين الفصول الثلاثة التي تضمنها الكتاب.
لم يلتزم المؤلف بالترتيب التاريخي للأعمال الإبداعية، فقد تتجاور عبارة من «رادوبيس» مع جملة من «الحرافيش» أو «قشتمر»، وقد يظهر إلى جوارهما حلم من «أحلام فترة النقاهة»، لكنها رغم ذلك تعمل جميعها على إضاءة ظل من ظلال معنى ما أو فكرة. وقد أشار المؤلف إلى مصدر كل عبارة سواء كان من رواية أو قصة، وكتب أسماء الأشخاص الذين جرت على ألسنتهم بعض الحوارات التي وردت في الكتاب، واسم الفصل أو المقطع الذي جاءت منه.
يقول عساف: «إن نجيب محفوظ لديه قدرة دائمة على مسايرة ومراودة الزمن في أحواله وتقلباته، وقد عرفه وأجاد التعامل معه على المستويين الشخصي والإبداعي، وأسهم وهو شاب بنصيبٍ وافر في تأسيس رواية عربية فنية حقيقية، وحين تقدم به العمر طوّر وأبدع أشكالاً جديدة في السرد الروائي والقصصي بنصوصه المدهشة في (أحلام فترة النقاهة)».
وذكر عساف أن الحديث عن الجانب الشخصي لمحفوظ يقود إلى حقيقة مهمة، وهي انعكاس ملامح هذا الجانب على ما أنتج من أدب. فحيرته في مطلع حياته العملية بين الفلسفة والأدب، كشفت الصراع بين عقله وقلبه، وحين حسم اختياره بالاتجاه نحو الأدب لم يطرح الفلسفة جانباً، واستطاع أن يزاوج بينهما فيما أبدع، فتخللت الفلسفة الأدب بشكل واضح، واستطاعت أن تفرض نفسها بصورة سافرة على أعمال عديدة، وأصبح لدينا أدب محفوظي عنوانه «البحث عن الحقيقة»، يحاول الإجابة عن الأسئلة الوجودية والكونية الكبرى، واستنطاق المسكوت عنه داخل النفس الإنسانية، واجتياز المناطق الخطرة في الدين والسياسة والمجتمع.
في الفصل الأول من الكتاب تبرز العبارات والمختارات التي أوردها عساف مثل استمرار الصراع واحتدامه بين «آفاق العقل وساحات اليقين»، فيبدو عدد غير قليل من أبطاله ذوي سمات تراجيدية، كما لو أنهم منذورون لقدر العذاب، مأزومون يفترسهم القلق، لا يكفُّون عن السؤال عن معنى وجودهم في الحياة ومغزى الوجود، يبحثون دوماً عن شيءٍ ما لا يسهل الحصول عليه ويتأملون في ماضيهم وحاضرهم، ويعيدون اكتشاف الأشياء مجدداً كأنما لأول مرة، ويقدمون تعريفات جديدة للقيم والمسلّمات.
وفي الفصل الثاني «الوصول إلى الله» أورد المؤلف الكثير من المقتطفات التي تركز حول الإيمان والحيرة، بعضها جاء على لسان كمال عبد الجواد بطل «الثلاثية» الشهيرة وتجربته المزلزلة في الحب، وانهيار معتقداته الروحية وتحوله إلى المادية، ومنها ما يعبر عن التجربة العقلية والروحية التي عصفت بمحفوظ في مقتبل حياته، وألقت بظلالها على شخصية «عمر الحمزاوي» في «الشحاذ» الذي أصيبت حياته بالشلل الروحي التام لبحثه عن معنى للحياة، وكذلك «عيسى الدباغ» في «السمان والخريف» و«عثمان بيومي» في «حضرة المحترم» الذي يتردد في الزواج ويبحث في الوظيفة عن المجد السماوي.
وتبرز في المختارات أيضاً أسئلة الموت والوجود التي تطرق رأس «جمعة» بطل قصة «موعد» في مجموعة «دنيا الله»، و«عبد الفتاح الدارجي» في قصة «من فضلك وإحسانك» في مجموعة «رأيت فيما يرى النائم»، و«إسماعيل قدري» في «قشتمر»، و«شاذلي محمد إبراهيم» في «حديث الصباح والمساء»، وكلها أصداء لأسئلة الوجود التي ظلت تناوش أديب نوبل.
وضمن المختارات تأتي شذرات ومقاطع كثيرة شحنها محفوظ بنبض الروح المصرية وتحولاتها الاجتماعية والسياسية في مختلف مراحلها، اقتطعها المؤلف من «الثلاثية»، وما تلاها من روايات مثل «السمان والخريف» و«الكرنك» و«يوم قتل الزعيم» و«أمام العرش»، ومنها ما دار حول الكون وأزمته ومصيره واحتدام الصراعات بين أقطاب العالم بما تملك من آيديولوجيات وإمكانات وأدوات تقنية، وقد جاءت بعضها على لسان شخصيات محفوظ النخبوية، وهي تبحث عن وسائل «لإنقاذ العالم من مصيره المحتوم»، مثل «جعفر الراوي» في رواية «قلب الليل»، وغيرها من الشخصيات التي تكشف بمعتقداتها وأفكارها عن شيء من فكر ورؤية نجيب محفوظ حتى ولو جاءت متخفية على لسان شخصياته الروائية.



رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي
TT

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

نعى اتحاد أدباء العراق الكاتبة والروائية، الزميلة لطفية الدليمي، التي وافاها الأجل بعد صراع مرير مع المرض، في إحدى مستشفيات عَمَّان، بعد مسيرة غنية في كتابة القصة والرواية استمرت أكثر من خمسين عاماً.

ولدت الراحلة في بغداد عام 1943، وأكملت دراستها في مدارس بغداد، وحصلت على شهادة بكالوريوس الآداب في اللغة العربية. وتعتبر من المدافعات البارزات عن حقوق المرأة في العراق، وأسست مع عدد من المثقفات العراقيات منتدى المرأة الثقافي في بغداد.

عملت في تدريس اللغة العربية لسنوات عدَّة، ثم عملت محررة للقصة في مجلة الطليعة الأدبية العراقية، ومديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية العراقية.

ساهمت على مدى سنوات في كتابة أعمدة صحافية في الصفحات الثقافية العراقية والعربية، ومنها صفحتا «ثقافة»، و«كتب»، في «الشرق الأوسط»؛ حيث نشرت كثيراً من المقالات الأدبية والترجمات على امتداد أكثر من ثماني سنوات.

درست اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة لندن، كلية غولدسمث عام 1978.

تُرجِمت قصصها إلى الإنجليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، وتُرجمت رواية «عالم النساء الوحيدات» إلى اللغة الصينية، كما شاركت في معرض الكتاب الدولي في مدينة فرانكفورت الألمانية بدعوة من معهد غوته، وقدَّمت محاضرة عن تجربتها الإبداعية فيه عام 2004، وكذلك في مهرجان القارات الثلاث بجزر الكناري، في ندوة الرواية عام 2004.

وقُدمت رسائل دكتوراه وأطروحات ماجستير عدَّة عن قصصها ورواياتها في عدد من الجامعات العراقية والعربية والعالمية، وكانت عضواً مؤسساً في المنبر الثقافي العراقي. وعضواً مؤسساً في الجمعية العراقية لدعم الثقافة.

أسَّست مركز «شبعاد» لدراسات حرية المرأة في بغداد عام 2004، وترأست تحرير مجلة «هلا» الثقافية الشهرية التي صدرت في بغداد عام 2005، والتي صدر منها أربعة أعداد وتوقفت في 2006. وشاركت في كثير من المؤتمرات والملتقيات والندوات، في تونس والأردن والمغرب وسوريا والإمارات العربية وإسبانيا وفرنسا وسويسرا وألمانيا.

غادرت العراق عام 2006 إلى الأردن، ثم إلى فرنسا لحضور مؤتمر حرية الإعلام بدعوة من اليونيسكو وهيئة الإعلام العراقية. أقامت بصفة لاجئة في باريس أواخر عام 2006 وعام 2007، وغادرت نهاية 2008 إلى العاصمة الأردنية عمان؛ حيث كانت تقيم لحين رحيلها.

تركت لطفية الدليمي آثاراً أدبية كثيرة. ففي مجال القصة والرواية نُشر لها أكثر من ثلاثين عملاً، وفي الترجمة أكثر من عشرين عملاً، إضافة إلى أعمال درامية في المسرح والتلفزيون.


مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
TT

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب الصحافي البريطاني ويليام ويذربي «حوارات مع مارلين» (Conversations avec Marilyn). هذا الكتاب، الصادر عن دار «سيغير» في 12 فبراير (شباط) الماضي يقدم شهادةً حية تُفكك الصورة النمطية التي سعت هوليوود لترسيخها حول «الشقراء القنبلة» أو «ممثلة الإغراء» التي لا تملك سوى جمالها.

يكشف ويذربي، الذي التقى بمونرو خلال تصوير فيلم «المختلون» عام 1960 واستمرت لقاءاتهما في حانات نيويورك المتوارية، عن امرأةٍ مسكونة بهواجس الفكر، تتحدث عن الأدب والسياسة والتحليل النفسي بوعيٍ حادٍ واهتمام بالغ. كانت مونرو تدرك تماماً «اللعبة» التي تفرضها الصناعة السينمائية؛ حيث وصفت الشخصية التي تؤديها بأنها «عبءٌ ثقيل» وفستانٌ ترتديه وتخلعه حسب الطلب، بينما يظل جوهرها الحقيقي غارقاً في بطون الكتب وعوالم الأدب.

ويذكر ويذربي أن مارلين مونرو لم تكن مجرد ممثلةٍ طاردتها العدسات، بل كانت «مثقفةً متخفية» في جسد أيقونة إغراء، وقد جاء كتابه «حوارات مع مارلين» ليمنح هذه الحقيقة توثيقاً إنسانياً بعيداً عن صخب النجومية. ففي ثنايا لقاءاتها السّرية بمدينة نيويورك، تبرز مونرو كعاشقة للأدب والشعر، تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها، وكأداةٍ لفهم الذات والمجتمع.

يشرح الكاتب أن مكتبة مارلين الشخصية لم تكن مجرد ديكور في الغرفة، بل بمثابة مختبر لعقلٍ جائع للمعرفة، حيث احتوت على أكثر من 430 كتاب، تنوعت بين الفلسفة والتحليل النفسي والأدب والشعر، منها أعمال لألبير كامو وبودلير وفيتزجيرالد، وعملاق الأدب الآيرلندي جيمس جويس التي كانت تحتفظ بنسخٍ مُعلّمة بخط يدها من أعماله، ولا سيما روايته «يوليسيس» التي تُعدُّ من أبرز أعمال الأدب الحداثي وتحدياً فكرياً يستحق المحاولة المتكررة، بحسب ما نقله الصحافي البريطاني. كما كانت مارلين قارئة نهمة للأدب الروسي، لتولستوي وبالأخص لدوستويفسكي الذي وجدت في شخصياته المعذبة صدىً لمعاناتها الشخصية، حيث قرأت «الإخوة كارامازوف» مرتين، وكانت تُعلّم المقاطع التي تتحدث عن الألم والخلاص، وكتبت عنه في مدونتها التي نشرت في السيرة الذاتية المخصصة لها بعنوان «الشظايا» ما يلي: «دوستويفسكي يفهمني، يعرف ما معنى أن تكون ممزقاً بين الضوء والظلام، بين الرغبة في القداسة والسقوط في هاوية الخطيئة». كما كانت من عشاق أعمال فرانز كافكا، واحتفظت بنسخة من روايته «المحاكمة»، وكانت مليئة بالملاحظات في الهوامش، ومنها هذه العبارة التي كتبت بخط يدها: «هذا هو عالم هوليوود بالضبط: محاكمة دائمة دون معرفة التهمة الحقيقية».

مكتبة مارلين مونرو

وأشار الكاتب إلى أن مارلين كانت تحب قراءة أعمال من الأدب الاجتماعي التقدمي، كأعمال لينكولن ستيفنز، الصحافي الاستقصائي الذي فضح الفساد في أميركا، لكنها كانت تخفي كتبه في مواقع التصوير خوفاً من الاتهام بالتعاطف مع اليسار في تلك الحقبة التي عرفت بالمكارثية واضطهاد الاشتراكيين، كما قرأت أيضاً لجون شتاينبك، خاصة «عناقيد الغضب»، ووجدت في روايته صوتاً للمهمشين والفقراء، الطبقة التي انتمت إليها قبل أن تصبح نجمة. وكانت قد صرَّحت للكاتب ويذربي في حواريهما: «شتاينبك يكتب عن الناس الحقيقيين، الناس الذين عرفتهم في طفولتي، هؤلاء الذين يشكلون أميركا العميقة. هوليوود تريد مني أن أنسى من أين أتيت، لكن هذه الكتب تذكّرني دائماً بأصولي».

كما كان للشعر مكانة خاصة في قلب مارلين. فكانت تحتفظ بدواوين والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب». أما كارل ساندبرغ، الشاعر الذي وصفته بـ«صوت أميركا الحقيقي»، فقد كان بمثابة الأب الروحي لها. التقت به شخصياً عدة مرات، وكانت تستشيره في قراءاتها، وكان قد أهداها نسخة موقعة من سيرته الذاتية عن أبراهام لينكولن، قرأتها أكثر من ثلاث مرات. أحبت مارلين قصائد إي. إي. كامينغز وكذلك إديث سيتويل وكانت تميل إلى الشعر الذي يكسر القواعد ويتمرد على الأشكال التقليدية، ربما لأنها رأت في ذلك انعكاساً لرغبتها الدائمة في التمرد على القوالب النمطية التي حُبست فيها. وما يجهله البعض هو أن مارلين مونرو قد كتبت نصوصاً شعرية جُمعت في كتاب «الشظايا» الذي نشر في 2010، كشفت عن موهبة شعرية حقيقية تبحث عن نفسها، حيث تناولت في كتابتها موضوعات الوحدة، والحب المضطرب، والهوية المشتتة.

كانت تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها

في قصيدة أسمتها «الحياة» كتبت ما يلي:

أنا من كلا الاتجاهين

أبقى بطريقة ما معلّقة نحو الأسفل أكثر ما أكون

لكنّني قوية كخيط العنكبوت في مواجهة الريح

أشدّ حضوراً حين يتجلّى الصقيع البارد المتلألئ

بيد أنّ أشعتي المُحبَّبة تحمل الألوان

التي رأيتها ذات مرة في لوحة

آه أيتها الحياة، لقد خدعوك

كما أشار كاتب «حوارات مع مارلين مونرو» إلى أن اهتمام مارلين بالتحليل النفسي أكثر من مجرد فضول فكري، حيث قرأت معظم أعمال فرويد، وكانت تحضر جلسات التحليل النفسي مع أساتذة معروفين، كما احتفظت بنسخٍ من «تفسير الأحلام» و«الأنا والهو»، وكانت تحاول فهم عقدها النفسية من خلال نظريات فرويد. في حواراتها مع ويذربي تقول: «فرويد علّمني أن أفهم لماذا أبحث دائماً عن الحب في الأماكن الخاطئة، ولماذا أخاف من النجاح بقدر ما أسعى إليه». كانت تقرأ أيضاً لكارل يونغ، وانجذبت بشكل خاص لنظريته حول «الظل»، أو الجانب المظلم من الشخصية الذي نحاول إخفاءه.

لم ينفصل وعي مارلين الثقافي عن التزامها بالقضايا الإنسانية الكبرى. ففي حواراتها مع ويذربي، أبدت فضولاً عميقاً تجاه نضال الأميركيين الأفارقة من أجل الحقوق المدنية، وربطت بين قراءاتها التاريخية وبين واقع التمييز الذي كانت ترفضه بشدة.

 


«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية
TT

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يلتحفون الكفاف، وهم «يكافحون الانصهار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

في الرواية -الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد «قهر النهار»، يلتف حولها الناس بجوار «كانون» الشاي الثقيل، وقد اختار الكاتب تلك التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات.

سيزيف مُعاصر

يستدعي الراوي الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها، يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعِل» اختياراً دالاً؛ فـ«حامد» أقرب إلى «سيزيف» معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الذي يكون عزاءه الوحيد في اليوم، ليُنذر ما تبقى من يوميته لأمه؛ حيث لا تبدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر.

يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محرراً الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كان صيف هذا العام ساخناً. والقيظ على أشده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بين حقول القصب، وتارة أخرى يقطع الطريق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفاً ومهيمناً، يفرض حضوره كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي «تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار». هكذا يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»، بوصفهما «عاشقين» خرجا عن تقاليد القرية. وعلى إيقاع تلك الحكايا تُرسم صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.

نباهة شعبية

يتجلى تعلُّق «حامد» بالراديو، وبغناء المداحين، وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية، فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة في قوله: «من الأشياء التي استوقفتني في أهل قريتي عموماً، أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ورغم ذلك يستمعون بشغف إلى غناء المداحين، وأحياناً يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن عربي؟ لم أصل إلى إجابة محددة، فتركت التفكير في هذا الأمر مثل أمور أخرى عجزت عن فهمها». هذا الاعتراف بالعجز يكشف عن وعي نقدي يتسرَّب داخل طبقات السرد، عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يدَّعي الفهم الكامل؛ بل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

عندليب أسود

يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهو يغني بصوته الغليظ، في مقابل سعيه الدؤوب لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، بما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافاً لا توفره له بنية القرية اليومية، بينما تبدو علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي باستعصاء حال ابنها اجتماعياً، وبالهامش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه.

يبدو صوت الراوي المتداخل مع استدعاء ملامح «حامد»، قائماً على طبقتين ينهض عليهما السرد في تداخلٍ واضح، فمن جهة يستعيد طفولته التي جمعته بـ«حامد»، ومن جهة أخرى يكشف عن إحساسٍ غامضٍ يلازمه تجاهه، فيقول: «منذ أن كان طفلاً، كان دائماً يلازمني شعور ما بأن (حامد) ليس طفلاً عادياً؛ القوة البدنية التي يمتلكها، شروده الدائم وعدم إلمامه بما يدور حوله، تلكؤه الغريب وصمته اللامتناهي، نظراته الزائغة دوماً، حتى ردود أفعاله البطيئة، كانت تعبر دوماً عن شيء مغاير يمتلكه هذا (الحامد) دوناً عن الآخرين؛ شيء ليس بالذميم أو الحميد، ولكنْ هناك اختلاف ما يسترعي انتباه من يتعامل معه».

لا يحسم السارِد طبيعة هذا «الاختلاف»؛ بل يتركه موارباً، وهذا الإرجاء يمنح الشخصية عمقاً سردياً؛ إذ لا يُختزل «حامد» في توصيف جاهز؛ بل يظل في منطقة رمادية بين البراءة والغموض، بوصفه «شيئاً مغايراً»، وفي هذه المسافة يتجلى موقف السارِد بوضوح؛ فهو لا يتبنى حُكم الجماعة؛ بل يعيد مساءلته.

مع عودة «حامد» و«صباح» يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع، تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، وكأن القرية باتت في حاجة إلى إعادة تعريف مركزها؛ حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرُّد والسلطة الاجتماعية، وقوانين الثأر، غير أن رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب، والتعلُّق بأغاني الصعيد الشجيَّة التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.