غريزة البقاء تسيطر على الأوكرانيين

«الشرق الأوسط» ترصد معاناة النازحين على الحدود مع رومانيا

مدير عمليات الدفاع الوطني بمدينة شيرنفستسي في أحد مراكز الرعاية بالنازحين (الشرق الأوسط)
مدير عمليات الدفاع الوطني بمدينة شيرنفستسي في أحد مراكز الرعاية بالنازحين (الشرق الأوسط)
TT

غريزة البقاء تسيطر على الأوكرانيين

مدير عمليات الدفاع الوطني بمدينة شيرنفستسي في أحد مراكز الرعاية بالنازحين (الشرق الأوسط)
مدير عمليات الدفاع الوطني بمدينة شيرنفستسي في أحد مراكز الرعاية بالنازحين (الشرق الأوسط)

خلال الليل الطويل، ومن خلف الأبواب الموصدة جيداً والنوافذ المعتمة، كان يمكن سماع الآليات العسكرية تتجول في مدينة شيرنفستسي الحدودية غرب أوكرانيا. لم تعد عربات الشرطة وحدها في الشوارع. انضمت إليها أصوات آليات ثقيلة. وعند الصباح، ومع رفع حظر التجول، أفاقت هذه المدينة القريبة من الحدود مع رومانيا على المزيد من التحصينات حول المراكز الحكومية. أكياس رمل فوق كتل خرسانية وخلفها جنود شبان ينتظرون ما هو آت.
المدينة استأنفت نشاطها كأنها بحالة طبيعية، إلا أن الوجوم سيد الموقف. يعلم الجميع هنا أن مدينتهم بموقعها الاستراتيجي تشكل خط إمداد لجيشهم. لكن الحديث عن مثل هذا الأمر خارج الاهتمام المباشر للمتطوعين الذين يهمهم أكثر تنظيم يوم عملهم. فالمزيد من النازحين يصلون لاحتلال الأسرة التي يتم تجهيزها لهم. بعضهم ينهار نائماً على الفور. لقد قضوا أياماً طويلة على الطرق.
«الطريق نحو كييف خطيرة جداً»، يقول أحد الواصلين حديثاً، مضيفاً أن «الحصار كامل». يقاطعه أحد المتطوعين قائلاً: «لا، الطريق ما زالت مؤمنة نحو كييف».
وماذا لو خرجت الحكومة من العاصمة ولجأت إلى الخارج لاستكمال القتال؟ ترد نيسا (25 عاماً) بالقول: «كلا (لن تخرج الحكومة من كييف). نحن ندعم الحكومة لأنها بيننا، وإذا خرجت فلن يدعمها أحد».
طريق الإمداد شأن غامض، لا غرباء عن المدينة من خارج البلاد، فقط آلاف النازحين الذين يبدو أن ماكينة المتطوعين تستوعبهم مباشرة. لا مظاهر لتشرد، ما عدا بعض الكلاب الشاردة التي تلقت طعومها، حسب ما تشير علامة على أذنها. لا أحد في هذه المدينة يجلس على الأرصفة أو يفترش الأرض. «عدة آلاف يصلون كل يوم»، يقول ديما عبر مترجم غوغل الآلي، «ولكن حتى الآن يمكننا تدبر الأمر».
ينشغل النازحون بشؤون يومهم. الأولويات هي كالتالي: إخراج النساء والأطفال والعجائز، إيجاد أماكن سكن أو التطوع لتقديم المساعدة. أهل المدينة، في المقابل، يتأقلمون على إيقاع حياتهم الجديدة. بعضهم يبدو أكثر اهتماماً بمواضيع غير قضية النازحين، على غرار «اختفاء» النائب الأوكراني فلاديمير باراسيوك عن النشر عبر حسابه على «فيسبوك».
تحول ديمتري (مواليد 1987) إلى بطل اللحظة بين النازحين منذ «انتفاضة الميدان» في كييف عام 2014، حينها وقف كقائد لإحدى فرق الدفاع عن الميدان على المنصة ورفض خطة الاتفاق المعقود بين المعارضة الرسمية وبين الحكومة. أصبح قائداً محبوباً وهو الشاب الصغير، وخلال الانتخابات اللاحقة في نفس العام احتل القائد الشاب والمحامي الناشئ منصب نائب في البرلمان. واليوم هو على الخطوط الأولى ينشر الصور والفيديوهات والمعلومات بصفته مصدراً مباشراً وشاهد عيان، دون أن تفارق البندقية كتفه. الشاب ديمتري يعطي الناس الأمل، والكثير من الصلوات ترفع من أجله.
بعد السؤال السريع عن الوجهة تتجه سيارة التاكسي بأحد المتطوعين إلى مركز تجميع التبرعات العينية. «لا تضع حزام الأمان، أوكرانيا حرة»، يقول سائق التاكسي. دقائق ويستقبلك شبان متطوعون جدد يفرزون التبرعات، ولكن يقطعون عملهم لتقديم الشاي والبسكويت والقليل من الحليب المكثف. «لا بد من السكر لمقاومة برد مارس (آذار)»، يقول شاب قبل أن يسأل عن أوراق تعريف أو إثبات لعملك كصحافي.
يتحدث ألكسندر، مدير عمليات الدفاع الوطني، مع صديقه المحاصر في خاركيف. الشاب المحاصر يقول عبر تطبيق «واتساب»: «ربما هي المحادثة الأخيرة، كل شيء يتعطل هنا». ويسأل عن ابنة ألكسندر البالغة من العمر خمسة أعوام: «هل أخرجت ناتاليا من أوكرانيا؟».
تدخل امرأة مع طفلين. ثمة من أرشدها إلى المكان للحصول على ملجأ. يتولى أحد المتطوعين مهمة اصطحابها إلى مركز توزيع النازحين، خلفها مباشرة يدخل عجوزان محملان بأكياس كبيرة... والمزيد من التبرعات من أهل المدينة.
كل المواد هنا من منشأ أوكراني مما يشير إلى أن المساعدات الغربية لم تصل إلى هذه المنطقة بعد، ربما نظراً لانعدام الحاجة لها حالياً.
لا يزال الثلج ينهمر في الخارج، ومع تقدم الوقت يشرب الشبان والشابات الشاي في استراحة قصيرة. «سينتهي الأمر قريباً»، يقول أحد الشبان صغار السن، فتقرعه زميلته: «هل تعتقد أن بوتين أرسل الجيش الروسي في إجازة أسبوعين في أوكرانيا؟ ستكون حربنا طويلة».
الحرب التي يتوقع البعض هنا أن يطول أمدها، لم تؤثر في نهاية أسبوعها الثاني على أسعار السلع. الوقود قليل ولكنه متوافر بشكل عام. فما زالت المناطق الآمنة تعيش حالة شبه طبيعية لناحية توافر المواد التموينية والسلع المختلفة. أسعار صرف العملات تأثرت تأثراً طفيفاً. لم يتراجع سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية بأكثر من 15 في المائة عن السعر الأصلي، بينما شهد الروبل الروسي سقوطاً حراً في أسواق العملات العالمية.
ليست المشكلة في توافر المواد الغذائية في الأسواق، المشكلة الآن هي في تهافت الناس على تكديس السلع استجابة لغريزة البقاء، كما تقول يفغينيا كريكليفتس (21 عاماً) المتطوعة في فريق الشباب. تضيف: «هذا الجزء من البلاد لا يزال آمناً نسبياً، وهو يشكل ملجأ لكل الفارين، الطرق أسهل من أماكن أخرى كلفيف (قرب الحدود البولندية)».
يفغينيا التي اتصل بها الحاخام في المدينة وطلب منها المساعدة نظراً لإجادتها اللغة الإنجليزية كانت تتحدث عبر الهاتف مع متبرعين في ألمانيا: «نحتاج إلى كل شيء أساسي تقريباً. مواد للأطفال من طعام وملبس، وكذلك فرش. النازحون يتدفقون والمزيد يصل كل يوم». ثم تشرح يفغينيا أن كل شيء في المدينة تحول إلى أماكن إقامة مؤقتة للنازحين: «المعابد اليهودية والمسيحية فتحت أبوابها للمبيت، السكن الطلابي تحول إلى مركز إيواء، ما زالت المدينة آمنة لحسن الحظ والناس تنزح باتجاه الغرب من أوكرانيا الآن».
«كلا، لا أعمل للجالية اليهودية فقط»، تقول يفغينيا، قبل أن تضيف أن «الجاليات والجمعيات كلها تعمل الآن للمجتمع الأوكراني».
يصل فريق تلفزيوني محلي لتصوير عمل المتطوعين، بينما يعتذر الكاتب الأوكراني أندريه كوركوف عن الإجابة عن أسئلة الصحافيين. أندريه يكتب على حسابه على «تويتر» أنه يخرج من كييف برفقة قطته وحيوان الهامستر، وأن الطريق إلى الغرب آمنة. الكاتب الشهير أمضى أيام الحرب يتواصل مع الصحافة الغربية بشكل خاص متحدثاً عن آمال الشعب الأوكراني وثقافته قبل أن يضطر اليوم للمغادرة مع حيواناته الأليفة.
نازار (24 عاما)، الشاب المتطوع من اليوم الثاني للحرب، يقول إن البقاء في كييف كان صعباً من اليوم الأول. «أنا أتيت بعد أول جولة من الإنزالات في محيط كييف، أعرف ما حدث في أماكن أخرى وما جرى معنا في 2004 و2014، والآن هذه الحرب لن تكون سهلة».
وفي المقارنة مع ما قام به الطيران الروسي في مدينة حلب السورية عامي 2016 و2017 يقول نازار: «أوروبا لن تتركنا، سنكون أقوياء ولكن لن يتم التخلي عنا، نحن جزء من أوروبا وحين يروننا ربما يخافون من أن بوتين لن يتوقف هنا، وسيعلمون أنه سيتمدد نحو ليتوانيا وبولندا». يقول شاب آخر: «لن يدعونا نسقط. نحن نشكل درع أوروبا اليوم»، فيرد زميله بالقول: «يمكن أيضاً أنهم يستخدموننا كأضحية من أجل أوروبا».
قبل أن ينتهي النقاش، تسأل نسيا قائلة: «هل لا تزال تريد الذهاب إلى كييف؟».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended