تحقيق «الجنائية الدولية» يعيد إلى الذاكرة جرائم حرب القرن الماضي... فما هي؟

المحكمة الجنائية الدولية لا تتمتع باختصاص محاكمة الكيانات (أرشيفية - أ.ف.ب)
المحكمة الجنائية الدولية لا تتمتع باختصاص محاكمة الكيانات (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تحقيق «الجنائية الدولية» يعيد إلى الذاكرة جرائم حرب القرن الماضي... فما هي؟

المحكمة الجنائية الدولية لا تتمتع باختصاص محاكمة الكيانات (أرشيفية - أ.ف.ب)
المحكمة الجنائية الدولية لا تتمتع باختصاص محاكمة الكيانات (أرشيفية - أ.ف.ب)

فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً في جرائم حرب محتملة بعد أن وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على «عملية عسكرية خاصة» ضد أوكرانيا، في تذكير بعدد جرائم الحرب التي ارتكبت خلال القرن الماضي.
وبحسب تقرير نشرته قناة «فوكس نيوز»، قالت الأمم المتحدة، إن جرائم الحرب يجب أن تحدث أثناء النزاع المسلح، وقد تشمل الأمثلة: القتل والمعاملة القاسية والتعذيب وأخذ الرهائن وتعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين، وغير ذلك.

قال الخبير في القانون الدولي والنزاع المسلح بجامعة هارفارد داستن لويس للقناة «بالنسبة للوضع في أوكرانيا، يجوز للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في مزاعم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية»، مضيفاً «للمحكمة الجنائية الدولية سلطة ممارسة الولاية القضائية على الأشخاص الطبيعيين فقط. وبعبارة أخرى يجوز لها إقامة دعاوى ضد الأفراد فقط. وليس للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص على الكيانات التي قد ينتسب إليها هؤلاء البشر، مثل الحكومات أو الجيش».
فيما يلي نظرة على بعض جرائم الحرب في القرن الماضي:

الإبادة الجماعية للأرمن
من عام 1915 إلى عام 1916، لقي مئات الآلاف من الأرمن مصرعهم بعد أن بدأ الأتراك العثمانيون عمليات الترحيل الجماعي من شرق الأناضول؛ مما أدى إلى وفاة أعداد كبيرة من الأشخاص بسبب الجوع أو المرض، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية.
تقدر الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية، أن عدد الوفيات كان «أكثر من مليون»، لكن هذا الرقم محل خلاف. يزعم الأرمن أن عدد الوفيات 1.5 مليون، بينما تقول تركيا إنه 300 ألف.

حوكم العديد من كبار المسؤولين العثمانيين فيما يتعلق بالإبادة الجماعية. على سبيل المثال، أدين محمد كمال، الحاكم المحلي، وشُنق لتورطه في القتل الجماعي للأرمن، وفقاً للتقرير.
بينما لا تنكر تركيا العدد الكبير للقتلى الأرمن، تقول حكومتها، إن «وفيات الأرمن لا تشكل إبادة جماعية»، بحسب إذاعة «أوروبا الحرة».

جرائم الحرب الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية
في حين تم ارتكاب العديد من جرائم الحرب خلال الحرب العالمية الثانية، كانت أبشعها «الهولوكوست»، عندما قتل النظام النازي الألماني ستة ملايين يهودي أوروبي.
اعتبر الزعيم النازي أدولف هتلر اليهود عرقاً متدنياً يمثلون تهديداً للنقاء العرقي الألماني، وسن قوانين تستهدف اليهود وتستثنيهم من المجتمع الألماني، وفقاً لمتحف الهولوكوست في الولايات المتحدة.

في سبتمبر (أيلول) 1941، طُلب من كل شخص يُصنف على أنه يهودي في ألمانيا النازية أن يرتدي نجمة صفراء؛ مما جعله هدفاً.
بين عامي 1941 و1945، خلال الحرب العالمية الثانية، أنشأت ألمانيا النازية معسكرات الموت، حيث قُتل ستة ملايين يهودي. نقل المسؤولون في ألمانيا اليهود إلى معسكرات، حيث حُرموا من الطعام والماء والحمامات والتدفئة والرعاية الطبية.
انتهى الأمر في مايو (أيار) 1945، عندما بدأ الحلفاء في اجتياح معسكرات الاعتقال وتحرير أولئك الذين نجوا.

الحرب الجزائرية
قاتلت «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية فرنسا بين عامي 1954 و1962 في الحرب الجزائرية، ويقدر المؤرخون أن ما بين 250 ألفاً و300 ألف جزائري لقوا حتفهم خلال الحرب، بحسب جامعة نورث كارولينا.
في عام 1954، شنّت الجبهة عدداً من الهجمات المسلحة في جميع أنحاء البلاد وطالبت بإعلان الأمة مستقلة، وأرسلت فرنسا قوات إلى البلاد لمراقبة الوضع.
بعد سنوات من المعارك ومقتل مئات الآلاف من المدنيين، أعلن الفرنسيون وقف إطلاق النار وصوت الشعب الجزائري للاستقلال عن فرنسا عام 1962.
اعترف ضابط فرنسي، بول أوساريس، بتعذيب وقتل أسرى حرب جزائريين، بحسب «بي بي سي» وأدانت محكمة فرنسية أوساريس بالدفاع عن استخدام التعذيب في عام 2002.
وقالت «بي بي سي»، إن العفو الذي أعقب الحرب منع أوساريس وآخرين من المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

الحرب الروسية - الجورجيّة
بدأت الحرب الروسي - الجورجيّة في 8 أغسطس (آب) 2008، عندما تحركت القوات الروسية إلى جورجيا لتبدأ أول حرب في أوروبا بالقرن الحادي والعشرين.
خلال الصراع الذي استمر خمسة أيام، لقي المئات من المدنيين والعسكريين مصرعهم، وفقاً لمعهد «بروكينغز»، لكن القتال أدى إلى نزوح ما بين 100 ألف و200 ألف فرد.

فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً في جرائم الحرب التي ارتُكبت خلال الحرب، لكنها واجهت العديد من التحديات.
وقالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في يناير (كانون الثاني) 2021، إن روسيا مسؤولة عن عدة انتهاكات لحقوق الإنسان خلال الحرب، منها قتل المدنيين الجورجيّة، فضلاً عن نهب وحرق المنازل، بحسب صحيفة «الغارديان».

الحروب بين روسيا والشيشان
بعد تبني دستور أعلن استقلال الشيشان عام 1992، دخلت القوات الروسية البلاد عام 1994 بهدف إسقاط حركة الاستقلال، بحسب «بي بي سي». قتلت الحرب، التي استمرت 20 شهراً، نحو 100000 شخص واستمرت من 1994 إلى 1996.
بدأت الحرب الثانية بين روسيا والشيشان في صيف عام 1999، حيث اشتبك المقاتلون الشيشان مع القوات الروسية على حدود الشيشان - داغستان. استمرت الحرب الثانية من 1999 إلى 2000، حيث أعلنت روسيا حكمها المباشر على البلاد.
زعمت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، أن القوات الروسية ارتكبت «انتهاكات جسيمة» من بينها جرائم حرب.
في جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، قدم الباحث في المنظمة بيتر بوكارت أدلة على جرائم الحرب.
وقال بوكارت، إن القوات الروسية شنّت «حملة قصف عشوائي» أسفرت في «غالبيتها العظمى» عن مقتل مدنيين.
وأضاف «استخدمت القوات الروسية صواريخ أرض - أرض قوية في مناسبات عديدة؛ مما تسبب في مقتل المئات في قصف السوق المركزية في غروزني وفي العديد من البلدات والقرى الصغيرة».
ولفت إلى أن القوات الروسية حولت معظم الشيشان إلى «أرض قاحلة».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».