الروس يحيون عادات سوفياتية ويخشون عودة «الستار الحديدي»

قيود على شراء مواد غذائية وارتفاع كبير في أسعار السيارات... ومخاوف من نفاد الأدوية الأجنبية

مسافرون في مطار دوموديدوفو الروسي أمس (أ.ف.ب)
مسافرون في مطار دوموديدوفو الروسي أمس (أ.ف.ب)
TT

الروس يحيون عادات سوفياتية ويخشون عودة «الستار الحديدي»

مسافرون في مطار دوموديدوفو الروسي أمس (أ.ف.ب)
مسافرون في مطار دوموديدوفو الروسي أمس (أ.ف.ب)

تقف فالانتينا سيميونوفا حائرة، وهي تفكر كيف ستضع لائحة احتياجاتها للأيام الصعبة المقبلة. عليها أن تخزن كميات من الدقيق والسكر والغريشكا (الحنطة السوداء) والزيت والقهوة والشاي. قالت إن هذه أهم المواد التي ينبغي «تدبيرها» بسرعة. وتحاول ألا تنسى بعض الأدوية والمستلزمات الضرورية الأخرى.
قالت سيميونوفا (59 سنة)، المتقاعدة من وظيفة حكومية وتملك بيتاً في ريف موسكو: «قد يكون عليّ أن أزرع بعض البطاطس والجزر والخس والبصل الأخضر». وتذكرت أن جدتها «قالت لي يوماً: إن كانت لديك قطعة أرض صغيرة، لا تفرطي بها أبداً. فهي سوف تطعمك إذا عادت الأيام الصعبة».
يستذكر كثيرون في روسيا حالياً، كيف عاش أجدادهم في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويبدو أنهم يستعدون حالياً لسنوات صعبة جديدة، وقد تكون طويلة، على الأقل هذا ما توحي به الهمهمات القلقة التي قد يسمعها المتجوّل بين الصفوف في أحد المتاجر الكبرى في العاصمة الروسية.
لكن، هل وصلت تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى هذا الحد؟ يبدو الوضع في المدن الروسية وكأنها تعيش فعلاً حالة حرب، لكنها الحرب الاقتصادية التي يتهم الكرملين الغرب بأنه قد شنّها على الروس. ورغم تأكيد الرئيس فلاديمير بوتين أنه لا يفكر في فرض حال الطوارئ أو الأحكام العرفية في البلاد، على خلفية تفاقم الموقف، لكن الروس يشعرون بأنها باتت موجودة حتى لو لم تعلن رسمياً.
أول المظاهر برز في الانعكاسات على بيع المواد الغذائية، مع الإعلانات المتتالية خلال اليومين الماضيين، من جانب الشبكات التجارية الكبرى عن وضع قيود على بيع عدد واسع من المواد، بينها الدقيق والسكر والزيت وأصناف أخرى عديدة. وفقاً لمعطيات تناقلتها وسائل الإعلام الحكومية، لن يكون بمقدور أي شخص أن يشتري أكثر من 5 إلى 10 كيلوغرامات من هذه المواد، والكمية هنا تتراوح بين شبكة متاجر وأخرى.
قبل ذلك، شهدت محال التقنيات والأجهزة الكهربائية تدافعاً واسعاً في الإقبال على المشتريات، إذ يعتقد الروس أن العقوبات المفروضة التي أدت إلى انسحاب كبريات الشركات المنتجة من السوق الروسية سوف تؤدي في مرحلة قريبة إلى فقدان هذه المنتجات من الأسواق، أو إلى ارتفاع أسعارها بنسب خيالية.
وعموماً تُعدّ هذه عادة سوفياتية متوارثة أيضاً، إذ كان المواطنون يقبلون على شراء أي سلعة تظهر في الأسواق رغم أنهم قد لا يحتاجون إليها، والسبب أنها سرعان ما ستختفي من رفوف المتاجر. وهكذا لم يكن مستغرباً في ذلك العهد أن تجد لدى العائلة مكواة واحدة فقط، بل 4 أو 5 مكاوٍ، وليس جهاز تلفزيون واحداً بل ثلاثة، وهذا ينسحب على كل المنتجات المماثلة. كنت تجدها مغلفة في منازل الروس في صناديقها تنتظر أوقات الحاجة إليها.
أيضاً، لم يكن يتوقع كثيرون أن تشهد موسكو والمدن الكبرى إقبالاً كثيفاً على شراء السيارات الأجنبية. قد لا يرغب كثيرون في الاضطرار إلى الاعتماد على منتجات «لادا» التي لم تعد تراها في السنوات الأخيرة، إلا في مناطق ريفية نائية. وأسفر ارتفاع الأسعار الجنوني، بسبب انهيار سعر العملة الروسية، عن تحول قيمة السيارة المتوسطة التي كان يمكن قبل شهرين شراؤها بمبلغ لا يزيد على 3 ملايين روبل (50 ألف دولار) إلى خمسة أو ستة ملايين حالياً، وفي بعض الحالات أكثر من ذلك. على سبيل المثال، فإن سيارة من طراز «تويوتا كامري» كانت تباع بنحو 3.5 مليون روبل، غدت معروضة حالياً في الأسواق الروسية بـ8.8 مليون.
الملاحظ هنا أن نسب زيادات الأسعار تفاوتت بحسب البلد المنتج، وفي مقابل زيادة بنسبة 300 في المائة على السيارات الألمانية مثلاً، بلغت نسب الزيادة على السيارات الكورية بنسب تراوحت بين 70 و100 في المائة.
ومع المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية وأسواق السيارات، يتزايد القلق على وضع المنتجات الطبية الأجنبية التي باتت مرشحة لأن تفقد من الأسواق قريباً. وكتب كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي أنهم لم يجدوا في الأسبوع الأخير أنواعاً من الأدوية الأجنبية التي اختفت من الأسواق.
تبدو التأثيرات على حياة المواطنين اليومية واضحة، وهي تدفع كثيرين من القادرين على الانتقال ولو بشكل مؤقت إلى بلدان أخرى. لذلك شهدت حركة الطيران إلى بعض الاتجاهات، خصوصاً تركيا التي لم تفرض أي قيود على الروس، نشاطاً زائداً، لكن أسعار تذاكر السفر إليها تضاعفت مرتين تقريباً. كما يلاحظ تدفق كثيرين في سياراتهم الشخصية على المراكز الحدودية مع فنلندا مثلاً، لكن هذه فرصة لا يحصل عليها إلا قلة، مثل سكان سان بطرسبورغ ومحيطها الذين لديهم تسهيلات للحصول على تأشيرة البلد الجار.
ومع الإعلان، أمس، عن «توصية» بوقف رحلات الطيران الروسي إلى خارج البلاد، بدءاً من يوم غدٍ، بدا أن هذا الطريق أيضاً بات مغلقاً أمام كثيرين. القرار حمل شكل توصية للشركات الروسية، انطلاقاً من أن غالبيتها الساحقة تستخدم طائرات أجنبية الصنع، مما يهدد بأن تتم «مصادرتها»، وفقاً لبيان الهيئة المشرفة على الطيران المدني. وعلى الفور، استجابت «إيرفلوت» وهي الناقل الأساسي في البلاد، وأعلنت وقف كل رحلاتها الخارجية ابتداءً من 8 مارس (آذار). والغريب أن «التوصية» نصحت بتجنب تنظيم رحلات جوية إلى البلدان التي أسهمت بشكل أو بآخر في التضييقات المفروضة على الروس، مما يضع أسئلة على وقف «كل الرحلات الخارجية». هذا كله ينسحب على كل الروس، الذين يتعاملون في حياتهم اليومية بالروبل ولا يتأثرون كثيراً بانهيار العملة إلا من زاوية ارتفاع الأسعار. لكن هناك فئات منهم تعتمد كلياً في أمور الحياة على تحويلات من الخارج، هذه باتت مهددة كلها حتى لو لم تأتِ من بلدان الغرب المعادي لروسيا حالياً.
وفرضت المصارف الروسية قيوداً على سحب العملة الأجنبية، ويمكن لمن يمتلك رصيداً بالدولار أن يسحب بعض نقوده، لكن عليه أن يسجل طلباً وينتظر لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع «تجهيز المبلغ»، وهذا حتى لو كان يرغب في سحب 500 دولار مثلاً.
وحتى البعثات الأجنبية باتت تعاني من هذا الوضع، مما يوضح درجة معاناة المواطن العادي الذي لا يمكنه الاعتراض. ومع القيود على سحب الودائع أو التحويلات، برزت مشكلة أخرى بالنسبة إلى الذين تقيم عائلاتهم خارج البلاد، إذ قرر المصرف المركزي، أمس، فرض قيود إضافية على التحويلات بالدولار إلى الخارج حتى لو كان التحويل إلى أفراد العائلة القريبين.
يقول بعض الروس إنهم عادوا إلى زمن الاتحاد السوفياتي، وإنهم يراقبون يومياً كيف يرتفع الستار الحديدي أمام أعينهم.
مع كل هذا، يجد بعضهم فرصة للمزاح. وتداول كثيرون على شبكات التواصل مقولة إن ثمة عنصراً إيجابياً للغاية في قرار الرئيس بإطلاق الحرب في أوكرانيا، فهو «قضى بضربة واحدة على فيروس كورونا ليس في روسيا وحدها، بل وفي كل العالم، الذي لم يعد يوليه الاهتمام الأول».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».