واشنطن تدرس خيارات تسليح أوكرانيا بصواريخ مضادة للطائرات

ضمن حزمة مساعدات أمنية واستخباراتية

جنود أوكرانيون خلال تدريبات على استخدام صواريخ متطورة مضادة للدبابات في قاعدة قرب لفيف بغرب أوكرانيا في يناير الماضي (أ.ب)
جنود أوكرانيون خلال تدريبات على استخدام صواريخ متطورة مضادة للدبابات في قاعدة قرب لفيف بغرب أوكرانيا في يناير الماضي (أ.ب)
TT

واشنطن تدرس خيارات تسليح أوكرانيا بصواريخ مضادة للطائرات

جنود أوكرانيون خلال تدريبات على استخدام صواريخ متطورة مضادة للدبابات في قاعدة قرب لفيف بغرب أوكرانيا في يناير الماضي (أ.ب)
جنود أوكرانيون خلال تدريبات على استخدام صواريخ متطورة مضادة للدبابات في قاعدة قرب لفيف بغرب أوكرانيا في يناير الماضي (أ.ب)

سُجل في الأيام الماضية صدور تعهدات من مشرعين أميركيين، وكذلك من الجهاز التنفيذي في واشنطن، بإرسال مزيد من «الإمدادات العسكرية والأمنية» إلى كييف، وذلك ضمن خيارات «الرد الأميركي» على الغزو الروسي. وعلى رغم أن هذه الإمدادات ليست في إطار مواجهة أميركية – روسية مباشرة، فإن الواضح أن الحرب الأوكرانية تحولت إلى ساحة لاستعراض «عضلات القوة» بين قطبي العالم الشرقي والغربي.
وتأتي هذه «المساعدات العسكرية» الجديدة ضمن خطة عمل تدرسها حكومة الرئيس جو بايدن، بالتنسيق مع المشرعين في الكونغرس، وذلك حسبما أفادت به العديد من وسائل الإعلام الأميركية، حيث نقلت عن اثنين من كبار المسؤولين الأميركيين أن الولايات المتحدة تدرس إرسال مجموعة من الأسلحة المتطورة إلى أوكرانيا، مثل صواريخ «ستينغر» المضادة للطائرات، لكن لم يصدر أي إعلان أو تأكيدات رسمية فورية من البيت الأبيض أو «البنتاغون» أو وزارة الخارجية.
بيد أن هذه الأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام، ظهرت إلى العلن بعدما عقدت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، أول من أمس، جلسة استماع حول كيفية تعامل الولايات المتحدة مع الشركاء والحلفاء. وفي أثناء الجلسة، وجه المشرعون أسئلة مباشرة إلى جيسيكا لويس، مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية والعسكرية، ومارا كارلين مساعدة وزير الدفاع للاستراتيجية والخطط والقدرات، حول مساعدة أميركا لأوكرانيا بعد الغزو الروسي. وقد ردت المسؤولتان بالإقرار بأن الإدارة الأميركية تدرس خيارات التسليح لأوكرانيا بإرسال صواريخ «ستينغر»، مضيفتين بأنه منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، كان هناك نطاق واسع من الدعم، بما في ذلك صواريخ «ستينغر»، وأنظمة الصواريخ المضادة للدبابات، وقاذفات القنابل اليدوية، وأكثر من 2000 طن من الذخيرة، بما في ذلك قذائف الهاون والمدفعية، والأسلحة الصغيرة والمدافع الرشاشة، وقائمة طويلة من القدرات العسكرية الأخرى. وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة «بوليتيكو» الأميركية، أمس، أنه تم تسليم «صواريخ ستينغر» المضادة للطائرات للمرة الأولى إلى أوكرانيا الأسبوع الماضي، ووصل 200 منها يوم الاثنين، وبالتالي، فمن الأمور المعلنة أن الولايات المتحدة أرسلت مثل هذه الأسلحة لمساعدة كييف في محاربة القوات الروسية، وهو ما يؤكد الإعلان الأميركي الصادر من وزارة الخارجية نهاية الشهر الماضي، بتقديم 350 مليون دولار إضافية كمساعدة أمنية لأوكرانيا، ما يزيد المجموع إلى 1.4 مليار دولار منذ عام 2021.
وقال مسؤول دفاعي كبير لعدد من الصحافيين، الخميس الماضي، إن واشنطن «تواصل تزويد أوكرانيا بالأنظمة التي يحتاجونها للدفاع عن أنفسهم، وهذا يشمل أفضل الأنظمة والأسلحة التي يمكنهم استخدامها للتعامل مع التهديدات على الأرض، فضلاً عن التهديدات المحمولة جواً». وعلى رغم هذه التصريحات من المسؤول الدفاعي، فإن البيت الأبيض ظل ملتزماً الصمت ولم يصدر أي تعليق حتى الآن.
ويعزو بعض المتابعين والنقاد في وسائل الإعلام والصحف الأميركية هذا الصمت من البيت الأبيض إزاء حزمة المساعدات العسكرية إلى كييف بأن نهج إدارة بايدن هو عدم استفزاز الروس من خلال عدم الإعلان عن تقديم أسلحة فتاكة ومعلومات استخباراتية. وواضح أن الإدارة قيمت أن أي تأكيد رسمي من البيت الأبيض سيُنظر إليه على أنه «تصعيد خطير» من قبل موسكو.
بدورها، أكدت شبكة «سي إن إن» الأميركية، نقلاً عن مصادر أميركية، أن واشنطن تشارك المعلومات الاستخباراتية مع كييف بوتيرة «محمومة» لمساعدتها على صد الغزو الروسي. كما أقر مسؤولون بأن الولايات المتحدة أصبحت أكثر «محدودية في قدرتها على جمع المعلومات الاستخباراتية في الوقت الحالي»، مع عدم وجود عناصر بشرية على الأرض، والافتقار الواضح للطائرات العسكرية بدون طيار التي تحلق في سماء المنطقة وتجمع المعلومات، مضيفين أنه تم بالفعل تخفيض العمل الاستخباراتي ميداناً، لكنهم أضافوا أنه لا يزال هناك العديد من المصادر والأساليب الحساسة التي تستخدمها واشنطن في الحصول على معلوماتها. وأشارت القناة الأميركية إلى أن مصدرين مطلعين على نظام المشاركة الاستخباراتية أفادا بأنه في معظم الحالات فإن المعلومات الاستخباراتية التي يتم تبادلها تتضمن معلومات حول تحركات القوات الروسية ومواقعها، فضلاً عن الاتصالات التي يتم اعتراضها حول خطط موسكو العسكرية، لافتين إلى أنه يتم تقديم تلك المعلومات عادة للمسؤولين الأوكرانيين في غضون 30 دقيقة إلى ساعة منذ تسلم الولايات المتحدة لها. ومن المتوقع أن يكون هناك رد بإطلاق «تسلل شامل ومكثف للأخبار الكاذبة... متوقع في المستقبل القريب». حسبما أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية ذلك.
-- أرقام في الأزمة الأوكرانية
- منذ بدء الحرب، شهدت روسيا مقتل أو إصابة أكثر من 9000 جندي وفقد 33 طائرة حربية و37 طائرة هليكوبتر و251 دبابة، حسبما ذكرت وزارة الخارجية الأوكرانية.
- القصف الروسي لـ«تشرنيهيف» يوم الخميس الماضي، أسفر عن مقتل 47 شخصاً، 38 رجلاً و9 نساء، حسبما أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية.
- قال مسؤول دفاعي أميركي لصحيفة «وول ستريت جورنال» إن روسيا أرسلت 92 في المائة من قواتها الجاهزة على الحدود الأوكرانية، ولم يكن هناك تحرك حقيقي ملموس من قبل الروس في الشمال والشرق، رغم أنهم استمروا في التقدم بثبات في الجنوب «حيث حققوا المزيد من النجاح».
- جددت إدارة بايدن طلب التمويل الطارئ صباح الخميس، وطلبت من الكونغرس ما يقرب من 33 مليار دولار، بما في ذلك 10 مليارات دولار للرد على تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، و22.5 مليار دولار لمواجهة الوباء، ومن المتوقع أن يضع المشرعون الأموال في حزمة واحدة بقيمة 1.5 تريليون دولار لتمويل الحكومة في الخريف المقبل، وسيتم توزيعها على النحو التالي، حسبما نقلت صحيفة «ديفينس نيوز» الأميركية:
• 1.8 مليار دولار للجنود لدعم القيادة الأميركية في أوروبا وقوة الرد التابعة لحلف شمال الأطلسي.
• 1.25 مليار دولار لبرامج الاستخبارات والأمن السيبراني والبرامج المصنفة.
• 1.35 مليار دولار لأوكرانيا لأسلحة وتدريب عسكري ومساعدات أخرى.
• 5 مليارات دولار للجهود الإنسانية التي تقودها وزارة الخارجية.
• 1.2 مليار دولار على شكل «سلطة رئاسية» يمكن سحبها من المخزونات العسكرية الأميركية الحالية.
• 200 مليون دولار لوزارات التجارة، والخزانة، والعدل لاستمرار فرض العقوبات، ومواصلة العمل في الأزمة.
موسكو تستدعي السفير الأميركي
في غضون ذلك، استدعت وزارة الخارجية الروسية، أمس السبت، السفير الأميركي لدى موسكو، وسلمته مذكرة احتجاج على «التصريحات الاستفزازية والعدوانية للسيناتور الأميركي ليندسي غراهام». وذكرت الوزارة في بيان أورده موقع قناة (آر تي) الروسية الناطقة بالعربية، أنها حذرت السفير الأميركي من أن تصريحات غراهام «تمثل هجوماً يعتبره القانون الجنائي الروسي تعدياً على حياة رجل الدولة وتترتب عليه عواقب وخيمة، بما في ذلك المقاضاة».
وعبر غراهام في حوار مع قناة «فوكس نيوز» بعبارات صريحة وصادمة حرض فيها على اغتيال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولم يكتف بذلك، إذ نشر بعد المقابلة سلسلة تغريدات على موقع «تويتر» حرض فيها مجدداً بحماس أكبر على مثل هذا الفعل الإجرامي.
وسرعان ما واجه غراهام موجة من الانتقادات حتى من زملائه الجمهوريين الذين تفاجأوا بصدور موقف من هذا القبيل على لسان سيناتور لديه نفوذ واسع كغراهام. فاعتبروا أنه من غير المناسب أن يدعو مسؤول أميركي إلى قتل زعيم بلد آخر. وقال السيناتور الجمهوري تيد كيروز تعليقاً على تصريحات غراهام: «هذه فكرة سيئة جداً. استعملوا العقوبات الاقتصادية القاسية. قاطعوا النفط والغاز الروسي. وقدموا المساعدات العسكرية للأوكرانيين كي يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم. لكننا لا يجب أن ندعو إلى اغتيال رؤساء دول».



مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 5 أشخاص بهجوم أميركي استهدف قاربين بشرق المحيط الهادئ

ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
ضربة أميركية استهدفت قارباً يُشتبه في استخدامه لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

قال الجيش الأميركي، أمس الأحد، إن غارات أميركية على قاربين يحملان مهربي مخدرات مشتبه بهم في شرق المحيط الهادئ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص.

وقالت القيادة الجنوبية الأميركية إن خمسة من «إرهابيي المخدرات الذكور» قتلوا في «غارتين نشطتين فتاكتين» على قاربين تزعم الولايات المتحدة أنهما «كانا يعبران مسارات معروفة لتهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ ويشاركان في عمليات تهريب مخدرات».

وأضافت القيادة الجنوبية أن شخصاً واحداً نجا من الغارات، التي وقعت يوم السبت.

وفي الأشهر الأخيرة أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً بشن هجمات على قوارب في منطقة البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ.

ويقول منتقدون إن الهجمات المميتة في المياه الدولية تنتهك القانون الدولي. ووفقاً للأرقام الرسمية، فقد قتل بالفعل أكثر من 130 شخصاً.


صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.