«العراب»... صياغة معاصرة لعلاقات القوة في المجتمع الأميركي

الرواية الأيقونة في خمسينية الفيلم

ماريو بوزو
ماريو بوزو
TT

«العراب»... صياغة معاصرة لعلاقات القوة في المجتمع الأميركي

ماريو بوزو
ماريو بوزو

ليس ثمة فيلم سينمائي أنتجته هوليوود وترك بصمات لا تُنسى في الثقافة الشعبية داخل الولايات المتحدة، وعبر العالم، كما «العراب»، أو Godfather، الثلاثية التي قدمها المخرج الأميركي - الإيطالي فرانسيس فورد كوبولا. ويحتفل هذا العام بخمسينية عرض الجزء الأول منه (1972).
تحفة سينمائية متكاملة الأركان نصّاً وتمثيلاً، وإخراجاً وتصويراً وحواراً وموسيقى تركت بصمة لا تُنسى على صناعة السينما، وتحديداً أفلام العصابات، وغيَّرت نظرة الأميركيين للأقليات المهاجرة، لا سيما الإيطاليين منهم، وصاغت إلى حد بعيد تصورات كثيرين عن طبيعة تنظيمات الجريمة التي اتخذت من المافيا الإيطالية منهجاً لها، كما طرحت عدة أوجه نقدية لفكرة الحلم «الرأسمالي» الأميركي، على نحو لم يُطرح من قبل بهذا الشمول في أي منتج ثقافي موجَّه للاستهلاك الجماهيري.
النجاح البارق والمستحق لـ«العراب»، الفيلم لا ينبغي له أن يحجب القيمة الرفيعة للعمل الأساس الذي استند إليه: أي الرواية التي كتبها ماريو بوزو، الأميركي من أصل إيطالي، ونشرت في 1969 لتلقى نجاحاً فورياً هائلاً، إذ احتلت مكانة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً لما يزيد على العام، وباعت ما يفوق الـ25 مليون نسخة في ترجمات وطبعات عدة، وصارت النموذج لكل أدب يتعلق بالجرائم والمافيات.
لكن الحياة الأهم لهذه الرواية، التي تسجّل نوعاً من سيرة لزعيم مافيا إيطالية في نيويورك عبر مراحل حياته المهنية والشخصية المتعاقبة، امتداداً لتقاعده ونقله مقاليد السلطة لابنه، قد تكون صياغتها المعاصرة لعلاقات القوة في المجتمع الأميركي - كنموذج للمجتمعات الرأسمالية الغربية، وتحليلها المعمق للصراعات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تحكم مصائر الأفراد فيه، حتى صارت نوعاً من «إنجيل» للسياسة والقوة (وفق التعبير باللغة الإنجليزية) لا يستغني عنه كل معنيّ بفهم ديناميات صنع الأحداث المعاصرة داخل مؤسسات الحكم والسلطة الأميركية، حتى يمكن الزعم بأنه كتاب «الأمير المعاصر» على نسق ما كان كتاب «الأمير» لنيقوليو ميكافيللي دليلاً للسياسة والحكم في عصر النهضة، و«الأمير الجديد» لأنطونيو غرامشي في وصفه للحزب السياسي كأداة تقوم بدور «الأمير» الميكافيللي في مجتمعات الحداثة. وفي الواقع فإن عدداً من الكتب اعتمد مفاهيم مستلة من «العراب» لتحليل أوضاع سياسية معاصرة، ومن أحدثها «عقيدة العراب» لجون هولسمان وويس ميشل الذي يقدم تفسيراً لانعطافات السياسة الخارجية الأميركية منذ حادثة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، استناداً إلى المادة السياسية لرواية «بوزو».
لكن المفارقة أن صاحب رواية «العراب» لم يكن يوماً قريباً من السلطة أو مراكز صنع القرار، ولم يلتقِ في حياته - وفق تصريحاته للصحف - بأي زعيم عصابات حقيقي. فماريو بوزو الذي رحل عن عالمنا في 1999، كان قد ولد عام 1920 لأبوين أميين من المهاجرين الإيطاليين في حي هيل - كيتشين الشعبي في نيويورك، وهو يدين بفكرة شخصية «العراب»، التي تمزج بين الصرامة المطلقة والحنان الفياض إلى والدته التي تولَّت رعايته صغيراً مع ستة من إخوته، وإدارة شؤون العائلة بعدما أصيب والده بالشيزوفرانيا، وعُزِل في المستشفى، وأصبح مصدر دخل الأسرة معتمداً على التقدمات الاجتماعية من المؤسسات الحكومية؛ فمارست سياسة براغماتية لكن حاسمة لحماية أولادها من الأجواء الموبوءة بالجريمة والفقر من حولهم - تماماً كما يليق بأم إيطالية تقليدية، ليترك حضورها انطباعاً لا يُنسى في ذاكرة الابن.
وبحكم ظروفه المادية، كان بوزو الصبي الفقير يجد ملجأ للتحليق بخياله، وإزجاء الوقت في المكتبة العامة، حيث سحرته الروايات التاريخية كحكايات الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة. شظف العيش دفعه للالتحاق بسكك الحديد كعامل إشارة، وهو لما يزال في الخامسة عشرة، لكن الكتب والقراءة بقيت شغفه، لدرجة أنه تسبب ليلة في تعطل حركة القطارات، عندما نسي، وهو مستغرق بقراءة رواية لدوستويفسكي، أن يغير الإشارات في الوقت المحدد.
شعوره بالحرمان والحصار في بيت مكتظ وأسرة متطلبة وحي فقير وتعليم محدود، دفعه لاتخاذ قرار بأن يخرج من الدائرة المفرغة للعيش في طبقة شعبية إلى فضاء أرحب، عبر امتهان الكتابة، وهو أمر وجدت أمه أنه مجرد جنون ولد مراهق. لكن فرصته أتت للخروج من ربقة ظروفه القاسية، مع انخراط الولايات المتحدة بالحرب العالمية الثانية، فسارع للالتحاق بالخدمة العسكرية في أوروبا، ولم يعد إلى نيويورك إلا عام 1949 بعد مهمة إضافية مع الجيش في الدعاية والعلاقات العامة استمرت لما بعد سنوات القتال. وإثر عودته، التحق بجامعة كولومبيا المرموقة لدراسة الكتابة الإبداعية، فكتب نصوصاً لمجلات شعبية قبل أن يصدر روايته الأولى «الساحة المظلمة» عام 1955، عن الحياة في ألمانيا بعد الحرب وبعدها بعقد «الحاج المحظوظ» - 1965. لكن تلك الأعمال لم تبع جيداً، وأصبح ماريو موضع سخرية العائلة والأقارب، فكان قاب قوسين أو أدنى من التخلي عن حلمه، ويدع مسألة الكتابة تلك لوقت ما بعد التقاعد.
ما أوقفه عن ذلك حينها كان اقتراح من ناشر رواية «الحاج المحظوظ» بأن يكتب رواية عن المافيا، لكنه أصرَّ على قبض مقدم قبل الشروع في الكتابة، وهو أمر لم يقبل به ذلك الناشر، لكن ناشراً آخر وافق - إثر توصية من صديق - على منحه خمسة آلاف دولار أميركي لتلك الغاية. تردد وقتها، لكنه كان مفلساً تماماً، بل ومديناً بعشرين ألف دولار للأقارب والبنوك وبيوت المقامرات، فلم يجد بُدّاً من القبول.
ومع أن بوزو قضى سنوات يفاعته في أجواء حي شعبي تنتشر فيه الجريمة، وأنه لاحقاً خبر بيئة بيوت المراهنات والقمار، إلا أنه لم يلتق في حياته بزعيم مافيا حقيقي كما ذكرنا، ولذلك فإن كل «العراب» مستوحاة من بحث معمَّق أجراه في الكتب المتوفرة وتحقيقات الكونغرس عن أنشطة المافيا على الأراضي الأميركية. وللحقيقة، فإنه كسليل عائلة إيطالية من المهاجرين التعساء، فإن خبرته الإثنية كانت بعيدة تماماً عن الكليشيهات المتوقعة عن نظام عيش العائلات البرجوازية المتحدرة من هناك؛ فهو لم يسمع في طفولته أي غناء إيطالي في مناسبة عائلية، وكانت كل الشخصيات الإيطالية التي التقاها قاسية الطبع، أقرب للجلافة والجهل. وقد كبر ليدرك أن هجرة أهله وآلاف غيرهم من بلادهم إلى العالم «الجديد» لم تكن سوى نتيجة استمتاع تلك العائلات البرجوازية بملذات الحياة الباهظة على حساب مواطنيهم.
استفاد بوزو من تواتر الأنباء عن أنشطة المافيا وجرائمها وصراعاتها خلال الستينات من العقد الماضي ليخلق شخصيات وأحداثاً قريبة من الواقع على نسقها. ويقال إن شخصية الدون فيتو كورليوني مستمدة من فرانك كاستيلو (رئيس وزراء) المافيا الذي كان معروفاً بميله إلى حل المشكلات بالدبلوماسية، وعبر رشوة القضاة والسياسيين بدلاً من العنف.
استغرقت كتابة العراب وقتاً طويلاً، ولما أراد بوزو الحصول على سلفة مقدمة بقيمة 1200 دولار للذهاب مع عائلته إلى أوروبا، اضطر إلى أن يسلم الناشر نسخة من النص ليثبت تقدمه في العمل، فأعلمهم بأنه لن يغيب طويلاً، وأن تلك النسخة غير نهائية وتحتاج لكثير من التعديل وإعادة الكتابة لدى عودته. لكنه بعد فترة، تورط بديون لبيوت المراهنات تجاوزت الثمانية آلاف دولار، فلم يجد بداً من الاتصال بناشره لطلب المساعدة والحصول على سلفة إضافية، ليُفاجأ بالأخبار المذهلة: لقد تنافس عديدون لشراء حقوق نشر الرواية، وأن الناشر على وشك بيعها بما يقرب من نصف مليون دولار أميركي.
لم يجرؤ بوزو على المطالبة باستعادة النص لإجراء التعديلات التي كانت في ذهنه خوفاً من أن يخسر فرصة الثراء المفاجئ، إن غير الناشر رأيه، وهكذا نُشِرت الرواية دون تعديلات، لتحظى بنجاح تجاري فوري كبير. وقد قابل بعدها بعضاً من الشخصيات المرتبطة بالمافيا التي شككت بادعاء بوزو بأنه كتب روايته من الأبحاث فحسب، دون أن يكون هو نفسه مستشاراً لأحد العرابين على الأقل.
لم تكن رواية «العراب» مع ذلك ضربة حظ، بل نتاج سنوات طويلة من العزيمة والإصرار ومقارعة الأدب والقراءة المكثفة حتى أصبح روائياً محترفاً يُشار إليه بالبنان. أما ما الذي ألهمه لامتهان الكتابة من حيث المبدأ، فليس واضحاً تماماً. أهو الفقر، أم الولع بالقراءة، أو شخصية أمه الصارمة الحنون، أو ربما «الإخوة كارامازوف»، كما قال في إحدى المقابلات. لكننا اليوم مدينون له لقراره ذاك، مهما كانت دوافعه.


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».