ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

كانت ممرضة الشاعر قبل أن تصبح ملهمته ورفيقة سنواته الأخيرة

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا
TT

ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا

شوقي بزيع

«ماتيلدا، اسم حجر أو نبتة أو نبيذ
في صيف اسمكِ تتفجر حبات الليمون
على هذا الاسم ترحل راكضة سفن الغابات
آه لهذا الاسم المكتشَف تحت زهرة ليلكٍ أرجوانية
اسم شبيه بمدخل نفقٍ مجهول
متصلٍ خفية بجميع طيوب العالم».

بهذه الأبيات المفعمة بالرقة والافتتان يستهل الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا، ديوانه الشعري «مائة قصيدة حب»، الذي يهديه لـ«الفؤوس وحب ماتيلدا والقرنفل»، محملاً إياه كل ما جاشت به نفسه من مشاعر إزاء المرأة التي رأى فيها نسخة رمزية مصغرة عن وطنه الأم، وواحدة من اللقى الثمينة التي أتيح له أن يزيح النقاب عن جمالها المخبوء في مناجمه المعتمة.
على أن الصورة الزاهية لذلك الحب، كما لغيره من علاقات نيرودا العاطفية لن يعثر عليها القارئ في سيرته النثرية، التي نشرها الشاعر تحت عنوان «أعترف أنني قد عشت»، بل في قصائده ودواوينه ونتاجه الشعري الوافر. والواقع أن سيرة نيرودا الذاتية، هي واحدة من أفضل السير وأكثرها تشويقاً، لما تتمتع به من صدق تعبيري وجماليات أسلوبية تلقائية واحتفاء عارم بالحياة. فعبر ما يزيد عن المئات الخمس من الصفحات نتعرف نحن القراء على الطفولة الغنية ذات البعد المشهدي الشاسع، لصاحب «حجارة تشيلي» الذي ولد في قرية بارال مطالع القرن الفائت، والذي قدر له أن يفقد أمه روسا باسولاتو بعد أسابيع معدودة من ولادته، ليترعرع في عهدة أب بسيط يعمل في سكة الحديد، وزوجة أب بالغة الحنو. وحيث لم يُظهر الأب أي حماس يُذكر إزاء موهبة ابنه الشعرية المبكرة، فقد اختار ريكاردو نيفتالي رييس، أن يتخلى عن اسمه الأصلي لينشر بكورته الشعرية تحت اسم بابلو نيرودا، الذي سيلازمه بعد ذلك إلى الأبد. وليس بالأمر المستغرب أن يُفرد الشاعر صفحات كثيرة من مذكراته للتحدث عن تلك العوالم الساحرة التي تبلورت في كنفها موهبته الفريدة، حيث تتشابك القمم الثلجية العاصفة مع حمم البراكين، وسط حقول الطين المتشققة، و«قطرات المطر التي فُصدت من الشرايين، والغابة الطولية الهائلة التي تنتهي عند أطرافها حدود الكوكب السيار». ومع ذلك فإن الشاعر المسكون بالقلق والفضول ورغبة التعرف إلى العالم، لم يتوان إثر تعيينه قنصلاً في السلك الدبلوماسي، عن السفر إلى الأطراف الشرقية للأرض، كقنصل لبلاده في كل من بورما وسيلان وسنغافورة، قبل أن يتم تعيينه في بيونس آيرس في وقت لاحق. على أن من حق القارئ أن يتساءل عن السبب الفعلي الذي يقف وراء العدد القليل من الصفحات التي يخصصها نيرودا للحديث عن حياته الزوجية والعاطفية، في حين أن الحيز الأكبر من السيرة قد توزع بين الحديث عن النشأة وأدب الرحلات والعمل الدبلوماسي والانتماء العقائدي وملحمة الهروب من التشيلي في أزمنة الاستبداد، إضافة إلى كل ما يتعلق بالشعر والثقافة والفن في الأرباع الثلاثة الأولى من القرن العشرين. لا بل إن الشاعر المعروف بنزوعه الشهواني وتعلقه بالحياة، آثر أن يخصص لوصف الأطعمة والأطباق التي تذوقها عبر العالم، أضعاف ما خصصه من الصفحات للحديث عن زوجاته الثلاث ومغامراته العاطفية الكثيرة.
وفي اعتقادي أن الأمر ليس عائداً إلى خجل الشاعر الفطري الذي خصص للحديث عنه صفحات عدة من سيرته، مشيراً إلى أنه ظل لفترة من حياته يعاني من الارتباك واحمرار الوجه في حضور النساء، لأنه كان قد تخلص من تلك العقدة لدى كتابته لمذكراته، بل إلى كون السيرة قد كُتبت في ظل الصعود المتعاظم للآيديولوجيا الماركسية، حيث اعتبر الحديث عن الحب والهموم الشخصية، في ظل أوضاع التشيلي المتفاقمة، والاستقطاب العقائدي الحاد بين طرفي العالم، نوعاً من «الميوعة» أو الترف البورجوازي الزائد. وهو ما ترجمه صاحب «إسبانيا في القلب» بشكل واضح عبر رده على الذين يطالبونه بالإكثار من شعر الحب ووصف الطبيعة، بالقول «تعالوا انظروا الدم في الشوارع »، أو قوله في مكان آخر:
عندما أفتح نافذتي في الصباح
فأرى قتيلاً وأرى وردة
أليس من المخجل أن أتجاهل القتيل وأكتب عن الوردة؟

أما السبب الآخر لتقشف نيرودا في الإفصاح السردي عن حياته العاطفية، فيعود إلى كونه قد ترك تلك المهمة الحساسة في عهدة شعره المتفرد، الذي يمتلك، بوصفه لغة الإشارة والإيماء، أكثر من النثر القدرة على التعبير عن فوراناته الداخلية ومشاعره المحتدمة. وهو ما أكدته على نحو جلي، مجموعات شديدة التميز، من مثل «عشرون قصيدة حب وقصيدة يائسة» و«أغاني القبطان» و«مائة قصيدة حب» و«سيف اللهب» وغيرها.
ومع ذلك، فإن نيرودا في سيرته لم يتوان عن إطلاعنا، وبطرافة لافتة، على بعض صولاته الغرامية العابرة، من مثل علاقته بخوسيه بليس التي التقى بها في بورما، ثم أغرمت به إلى حد مطاردته بالمسدس وتهديده بالقتل، بعد أن ساورتها الشكوك بخيانته لها، أو مثل الشاعرة الشابة التي التقاها في بيونس أيرس أثناء سهرة عامرة، وبحضور غارسيا لوركا، قبل أن يستدرجها إلى أعلى المبنى طالباً من هذا الأخير أن يتولى حراسة ذلك اللقاء الساخن. كما تصل روح الدعابة عند الشاعر إلى ذروتها، لدى حديثه عن المرأة التي التقاها في سنغافورة، ثم طلب منها أن تهديه قطعة من ملابسها ممهورة بتوقيعها الشخصي. كما أن نيرودا، الذي اضطر إلى بيع بذلته وساعة يده لكي يدفع لناشره الجشع كلفة مجموعته الأولى «شفقيات»، يعترف لدى سؤاله عن الملهمة الحقيقية لديوانه الثاني «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» بأنه مدين في هذا الديوان لملهمات ثلاث، تداخلت وجوههن الغضة مع اللوحات المتداخلة للطبيعة التشيلية ذات الجمال الأخاذ.
يقر نيرودا في سيرته بأن زواجه الأول من ماريا أغينار، الهولندية المقيمة في جاوا الإندونيسية، كان ناجماً عن شعوره الداهم بالوحدة لدى عمله قنصلاً لبلاده في الملايو، وفي محاولة مخاتلة لتلافي الإساءة المباشرة إلى زوجته، ينسب إلى كاتبة سيرته مارغريتا أغيرا قولها عن تلك المرأة «إن ما لم تستطع تعلمه خلال وجودهما معاً لم يقتصر على اللغة الإسبانية وحدها». ثم تضيف قائلة: «كانت طويلة جداً وبطيئة ومتكلفة الرصانة». ومع أن نيرودا الذي وضع بعد سنوات قليلة حداً نهائياً لهذا الزواج البائس، لم يشر في مذكراته إلى أي أمر يتعلق بحمْل زوجته أو إنجابها، إلا أن ذلك لم يمنع البروفسور التشيلي ديفيد سخلدلوفسي من التأكيد قبل سنوات قليلة، على أن أغينار أنجبت منه طفلة مريضة أسمياها مالفا، لم يعترف بها الشاعر بسبب إعاقتها وتركها مع والدتها إلى مصير مجهول. وهو الزعم الذي استندت إليه الكاتبة الهولندية هاخر بيترز في تأليفها لروايتها «مالفا» التي تحمل اسم الطفلة، والتي وفر لها موضوعها الصادم وغير المتوقع، الكثير من الرواج وذيوع الصيت.
وفي منتصف الأربعينات يلتقي نيرودا، أثناء وجوده في المكسيك، بالرسامة الأرجنتينية ديليا كاريل، التي شده إليها التزامها العقائدي وسعة ثقافتها، فيقرر الارتباط بها رغم أنها تكبره بخمسة عشر عاماً. وإذ لم يكن مقدراً للزواج الجديد أن يجد له مآلات مختلفة عن سابقه، حيث الأول أفسده التسرع الناجم عن الشعور بالوحشة، والثاني أفسدته برودة العاطفة «المعقلنة»، يتعرف الشاعر عام 1946، وأثناء حضوره حفلاً موسيقياً في الهواء الطلق، إلى مواطنته التشيلية ماتيلدا أوروتيا، ليتذوق متأخراً طعم الحب الحقيقي، ويخوض بعيداً عن ناظري زوجته الثانية، مغامرة عاطفية عاصفة نمت في كنف الخفاء لسنوات عدة، قبل أن تتكلل بزواجٍ ناجح استمر هذه المرة حتى نهاية حياته.
ولعل الرسائل الكثيرة التي تبادلها العاشقان، والتي تم جمعها في إسبانيا لتصدر قبل سنوات في كتاب مستقل، هي شاهد الإثبات الأصدق على أن ماتيلدا أوروتيا هي، من بين الكثيرات اللواتي عرفهن الشاعر الحائز على جائزة نوبل، المرأة الوحيدة التي أحبها بعمق، والتي اخترقت شغاف قلبه. ومع أن بعض متعقبي حياة أوروتيا من الكتاب والمهتمين، يشيرون إلى أنها كانت مجرد مغنية عادية في المسارح الليلية، وصولاً إلى القول إنها كانت تعمل في شبكة للدعارة وبعيدة كل البعد عن العقيدة الشيوعية، فإن الجميع يؤكدون على أن عمها الشيوعي هو الذي رتب لقاءها بنيرودا، مقترحاً أن تكون ممرضته وراعيته الصحية، قبل أن تتحول العلاقة مع الوقت إلى حب جارف. والأرجح أن بابلو رغم تفهمه النسبي لماضي ماتيلدا المرتبط بعالم الليل والحافل بالمغامرات، لم ينجح تماماً في كبت مشاعر الغيرة التي كانت تتأجج في داخله، وبخاصة في المراحل الأولى من العلاقة، حيث لم يكونا يلتقيان إلا لماماً. لذلك فهو لا يتوانى خلال فترات انقطاعهما القسري عن أن يكتب لها حانقاً: «أنا تعِب من الخيانات، هذه هي ماتيلدا الحقيقية التي تتنزه مع صديقها الصغير على الشاطئ الأزرق، وتنسانا.
أريد معرفة كل شيء، وسأتحقق من ذلك بأي حال».
لكن نيرودا المتعب من الخيانات، كما يقول، لم يتورع عن إقامة علاقة غرامية مشبوبة مع إليسيا أوروتيا، ابنة أخ ماتيلدا، وفق ما أورده الكاتب الأميركي أنريكي لافوركادي في كتابه «نيرودا في بلاد العجائب»، مضيفاً أن الزوجة المصدومة، عمدت إلى طرد الفتاة الشابة بعد اكتشافها لما يحدث من وراء ظهرها. ومع أن إليسيا لم تنف أو تؤكد علاقتها بزوج عمتها، فقد تم العثور لاحقاً على العديد من الرسائل التي تكشف بوضوح عن طبيعة علاقتها بالشاعر الكهل الذي تخاطبه بالقول «حبيبي بابلو.
أقبل جسدك الحبيب، أنا إليسيا التي تحبك».
وسواء كانت هذه المغامرة الصادمة قد حدثت بالفعل، أم هي محض رواية مختلقة بهدف الإساءة إلى صورة الشاعر الزاهية، فإن علاقة الشاعر بزوجته لم تتعرض للاهتزاز والتصدع، بل حافظت على ثباتها ونوهجها على امتداد حياتهما المشتركة، خصوصاً أن الزوجين المتحابين ظلا يجوبان جنباً إلى جنب بلدان العالم وأمصاره ومنافيه. ولأن الحب، كما الشعر، يحتاج لكي لا يخبو أواره إلى مسرح ملائم، فقد قرر الحبيبان أن يبنيا عشهما الزوجي فوق مرتفع ساحر يطل على المحيط الهادئ في إيسلا نيغرا، حيث سيقدر للشاعر أن يكون قريباً من المناجم الخام لقريحته المتوقدة، وأن ينأى بحبه في الآن ذاته عن شرور العالم ومنغصاته، بعيداً عن «زحام المدينة العصبية ووجود الآخرين المعقد»، على حد تعبيره الحرفي.
ورغم أن منزل الزوجين الأنيق والباذخ، قد تعرض للدمار الجزئي بفعل إحدى الهزات الأرضية العنيفة، فقد أمن نيرودا بأن الحب والشعر قادران، وسط الزجاج المهشم والتشققات العميقة للجدران، أن يعيدا لحياتهما الصعبة البهجة والدفء والألفة الهانئة. إلا أن هاتين البهجة والألفة لم تدوما طويلاً، بل تهشمتا بشكل كامل تحت سنابك الانقلاب العسكري الذي قاده بينوشيه عام 1973، مطيحاً بنظام الحكم القائم وبرئيسه المنتخب سلفادور أليندي، كما بالبقية الباقية من أحلام نيرودا، الذي رفع راية استسلامه بعد أربعين يوماً من مقتل صديقه الرئيس، والذي يرجح الكثيرون بأن موته لم يكن بفعل المرض وحده، بل بفعل جرعة مسمومة من الدواء. أما طلب ماتيلدا بأن تدفن إلى جانبه حين تأزف ساعة رحيلها عن العالم، فقد بدا من بعض وجوهه محصلة طبيعية لرغبة كل منهما في الانصهار بالآخر في الحياة كما في الموت، وترجمة مؤثرة لقوله في إحدى القصائد:
ماتيلدا، يا حبيبتي، دعي شفتيك منفرجتين
لأنه بهذه الطريقة يمكن لقبلتك الأخيرة
أن تتبعني في الموت
سأموت معانقاً عنقود جسدك التائه
وحين ستتلقى الأرض عناقنا هذا
سنمضي متحدين في موت واحد
وفي قبلة أبدية



تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.