ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

كانت ممرضة الشاعر قبل أن تصبح ملهمته ورفيقة سنواته الأخيرة

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا
TT

ماتيلدا أوروتيا وبابلو نيرودا: الحب المتوهج الذي لم يتمكن الزواج والزمن من إخماده

ماتيلدا ونيرودا
ماتيلدا ونيرودا

شوقي بزيع

«ماتيلدا، اسم حجر أو نبتة أو نبيذ
في صيف اسمكِ تتفجر حبات الليمون
على هذا الاسم ترحل راكضة سفن الغابات
آه لهذا الاسم المكتشَف تحت زهرة ليلكٍ أرجوانية
اسم شبيه بمدخل نفقٍ مجهول
متصلٍ خفية بجميع طيوب العالم».

بهذه الأبيات المفعمة بالرقة والافتتان يستهل الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا، ديوانه الشعري «مائة قصيدة حب»، الذي يهديه لـ«الفؤوس وحب ماتيلدا والقرنفل»، محملاً إياه كل ما جاشت به نفسه من مشاعر إزاء المرأة التي رأى فيها نسخة رمزية مصغرة عن وطنه الأم، وواحدة من اللقى الثمينة التي أتيح له أن يزيح النقاب عن جمالها المخبوء في مناجمه المعتمة.
على أن الصورة الزاهية لذلك الحب، كما لغيره من علاقات نيرودا العاطفية لن يعثر عليها القارئ في سيرته النثرية، التي نشرها الشاعر تحت عنوان «أعترف أنني قد عشت»، بل في قصائده ودواوينه ونتاجه الشعري الوافر. والواقع أن سيرة نيرودا الذاتية، هي واحدة من أفضل السير وأكثرها تشويقاً، لما تتمتع به من صدق تعبيري وجماليات أسلوبية تلقائية واحتفاء عارم بالحياة. فعبر ما يزيد عن المئات الخمس من الصفحات نتعرف نحن القراء على الطفولة الغنية ذات البعد المشهدي الشاسع، لصاحب «حجارة تشيلي» الذي ولد في قرية بارال مطالع القرن الفائت، والذي قدر له أن يفقد أمه روسا باسولاتو بعد أسابيع معدودة من ولادته، ليترعرع في عهدة أب بسيط يعمل في سكة الحديد، وزوجة أب بالغة الحنو. وحيث لم يُظهر الأب أي حماس يُذكر إزاء موهبة ابنه الشعرية المبكرة، فقد اختار ريكاردو نيفتالي رييس، أن يتخلى عن اسمه الأصلي لينشر بكورته الشعرية تحت اسم بابلو نيرودا، الذي سيلازمه بعد ذلك إلى الأبد. وليس بالأمر المستغرب أن يُفرد الشاعر صفحات كثيرة من مذكراته للتحدث عن تلك العوالم الساحرة التي تبلورت في كنفها موهبته الفريدة، حيث تتشابك القمم الثلجية العاصفة مع حمم البراكين، وسط حقول الطين المتشققة، و«قطرات المطر التي فُصدت من الشرايين، والغابة الطولية الهائلة التي تنتهي عند أطرافها حدود الكوكب السيار». ومع ذلك فإن الشاعر المسكون بالقلق والفضول ورغبة التعرف إلى العالم، لم يتوان إثر تعيينه قنصلاً في السلك الدبلوماسي، عن السفر إلى الأطراف الشرقية للأرض، كقنصل لبلاده في كل من بورما وسيلان وسنغافورة، قبل أن يتم تعيينه في بيونس آيرس في وقت لاحق. على أن من حق القارئ أن يتساءل عن السبب الفعلي الذي يقف وراء العدد القليل من الصفحات التي يخصصها نيرودا للحديث عن حياته الزوجية والعاطفية، في حين أن الحيز الأكبر من السيرة قد توزع بين الحديث عن النشأة وأدب الرحلات والعمل الدبلوماسي والانتماء العقائدي وملحمة الهروب من التشيلي في أزمنة الاستبداد، إضافة إلى كل ما يتعلق بالشعر والثقافة والفن في الأرباع الثلاثة الأولى من القرن العشرين. لا بل إن الشاعر المعروف بنزوعه الشهواني وتعلقه بالحياة، آثر أن يخصص لوصف الأطعمة والأطباق التي تذوقها عبر العالم، أضعاف ما خصصه من الصفحات للحديث عن زوجاته الثلاث ومغامراته العاطفية الكثيرة.
وفي اعتقادي أن الأمر ليس عائداً إلى خجل الشاعر الفطري الذي خصص للحديث عنه صفحات عدة من سيرته، مشيراً إلى أنه ظل لفترة من حياته يعاني من الارتباك واحمرار الوجه في حضور النساء، لأنه كان قد تخلص من تلك العقدة لدى كتابته لمذكراته، بل إلى كون السيرة قد كُتبت في ظل الصعود المتعاظم للآيديولوجيا الماركسية، حيث اعتبر الحديث عن الحب والهموم الشخصية، في ظل أوضاع التشيلي المتفاقمة، والاستقطاب العقائدي الحاد بين طرفي العالم، نوعاً من «الميوعة» أو الترف البورجوازي الزائد. وهو ما ترجمه صاحب «إسبانيا في القلب» بشكل واضح عبر رده على الذين يطالبونه بالإكثار من شعر الحب ووصف الطبيعة، بالقول «تعالوا انظروا الدم في الشوارع »، أو قوله في مكان آخر:
عندما أفتح نافذتي في الصباح
فأرى قتيلاً وأرى وردة
أليس من المخجل أن أتجاهل القتيل وأكتب عن الوردة؟

أما السبب الآخر لتقشف نيرودا في الإفصاح السردي عن حياته العاطفية، فيعود إلى كونه قد ترك تلك المهمة الحساسة في عهدة شعره المتفرد، الذي يمتلك، بوصفه لغة الإشارة والإيماء، أكثر من النثر القدرة على التعبير عن فوراناته الداخلية ومشاعره المحتدمة. وهو ما أكدته على نحو جلي، مجموعات شديدة التميز، من مثل «عشرون قصيدة حب وقصيدة يائسة» و«أغاني القبطان» و«مائة قصيدة حب» و«سيف اللهب» وغيرها.
ومع ذلك، فإن نيرودا في سيرته لم يتوان عن إطلاعنا، وبطرافة لافتة، على بعض صولاته الغرامية العابرة، من مثل علاقته بخوسيه بليس التي التقى بها في بورما، ثم أغرمت به إلى حد مطاردته بالمسدس وتهديده بالقتل، بعد أن ساورتها الشكوك بخيانته لها، أو مثل الشاعرة الشابة التي التقاها في بيونس أيرس أثناء سهرة عامرة، وبحضور غارسيا لوركا، قبل أن يستدرجها إلى أعلى المبنى طالباً من هذا الأخير أن يتولى حراسة ذلك اللقاء الساخن. كما تصل روح الدعابة عند الشاعر إلى ذروتها، لدى حديثه عن المرأة التي التقاها في سنغافورة، ثم طلب منها أن تهديه قطعة من ملابسها ممهورة بتوقيعها الشخصي. كما أن نيرودا، الذي اضطر إلى بيع بذلته وساعة يده لكي يدفع لناشره الجشع كلفة مجموعته الأولى «شفقيات»، يعترف لدى سؤاله عن الملهمة الحقيقية لديوانه الثاني «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» بأنه مدين في هذا الديوان لملهمات ثلاث، تداخلت وجوههن الغضة مع اللوحات المتداخلة للطبيعة التشيلية ذات الجمال الأخاذ.
يقر نيرودا في سيرته بأن زواجه الأول من ماريا أغينار، الهولندية المقيمة في جاوا الإندونيسية، كان ناجماً عن شعوره الداهم بالوحدة لدى عمله قنصلاً لبلاده في الملايو، وفي محاولة مخاتلة لتلافي الإساءة المباشرة إلى زوجته، ينسب إلى كاتبة سيرته مارغريتا أغيرا قولها عن تلك المرأة «إن ما لم تستطع تعلمه خلال وجودهما معاً لم يقتصر على اللغة الإسبانية وحدها». ثم تضيف قائلة: «كانت طويلة جداً وبطيئة ومتكلفة الرصانة». ومع أن نيرودا الذي وضع بعد سنوات قليلة حداً نهائياً لهذا الزواج البائس، لم يشر في مذكراته إلى أي أمر يتعلق بحمْل زوجته أو إنجابها، إلا أن ذلك لم يمنع البروفسور التشيلي ديفيد سخلدلوفسي من التأكيد قبل سنوات قليلة، على أن أغينار أنجبت منه طفلة مريضة أسمياها مالفا، لم يعترف بها الشاعر بسبب إعاقتها وتركها مع والدتها إلى مصير مجهول. وهو الزعم الذي استندت إليه الكاتبة الهولندية هاخر بيترز في تأليفها لروايتها «مالفا» التي تحمل اسم الطفلة، والتي وفر لها موضوعها الصادم وغير المتوقع، الكثير من الرواج وذيوع الصيت.
وفي منتصف الأربعينات يلتقي نيرودا، أثناء وجوده في المكسيك، بالرسامة الأرجنتينية ديليا كاريل، التي شده إليها التزامها العقائدي وسعة ثقافتها، فيقرر الارتباط بها رغم أنها تكبره بخمسة عشر عاماً. وإذ لم يكن مقدراً للزواج الجديد أن يجد له مآلات مختلفة عن سابقه، حيث الأول أفسده التسرع الناجم عن الشعور بالوحشة، والثاني أفسدته برودة العاطفة «المعقلنة»، يتعرف الشاعر عام 1946، وأثناء حضوره حفلاً موسيقياً في الهواء الطلق، إلى مواطنته التشيلية ماتيلدا أوروتيا، ليتذوق متأخراً طعم الحب الحقيقي، ويخوض بعيداً عن ناظري زوجته الثانية، مغامرة عاطفية عاصفة نمت في كنف الخفاء لسنوات عدة، قبل أن تتكلل بزواجٍ ناجح استمر هذه المرة حتى نهاية حياته.
ولعل الرسائل الكثيرة التي تبادلها العاشقان، والتي تم جمعها في إسبانيا لتصدر قبل سنوات في كتاب مستقل، هي شاهد الإثبات الأصدق على أن ماتيلدا أوروتيا هي، من بين الكثيرات اللواتي عرفهن الشاعر الحائز على جائزة نوبل، المرأة الوحيدة التي أحبها بعمق، والتي اخترقت شغاف قلبه. ومع أن بعض متعقبي حياة أوروتيا من الكتاب والمهتمين، يشيرون إلى أنها كانت مجرد مغنية عادية في المسارح الليلية، وصولاً إلى القول إنها كانت تعمل في شبكة للدعارة وبعيدة كل البعد عن العقيدة الشيوعية، فإن الجميع يؤكدون على أن عمها الشيوعي هو الذي رتب لقاءها بنيرودا، مقترحاً أن تكون ممرضته وراعيته الصحية، قبل أن تتحول العلاقة مع الوقت إلى حب جارف. والأرجح أن بابلو رغم تفهمه النسبي لماضي ماتيلدا المرتبط بعالم الليل والحافل بالمغامرات، لم ينجح تماماً في كبت مشاعر الغيرة التي كانت تتأجج في داخله، وبخاصة في المراحل الأولى من العلاقة، حيث لم يكونا يلتقيان إلا لماماً. لذلك فهو لا يتوانى خلال فترات انقطاعهما القسري عن أن يكتب لها حانقاً: «أنا تعِب من الخيانات، هذه هي ماتيلدا الحقيقية التي تتنزه مع صديقها الصغير على الشاطئ الأزرق، وتنسانا.
أريد معرفة كل شيء، وسأتحقق من ذلك بأي حال».
لكن نيرودا المتعب من الخيانات، كما يقول، لم يتورع عن إقامة علاقة غرامية مشبوبة مع إليسيا أوروتيا، ابنة أخ ماتيلدا، وفق ما أورده الكاتب الأميركي أنريكي لافوركادي في كتابه «نيرودا في بلاد العجائب»، مضيفاً أن الزوجة المصدومة، عمدت إلى طرد الفتاة الشابة بعد اكتشافها لما يحدث من وراء ظهرها. ومع أن إليسيا لم تنف أو تؤكد علاقتها بزوج عمتها، فقد تم العثور لاحقاً على العديد من الرسائل التي تكشف بوضوح عن طبيعة علاقتها بالشاعر الكهل الذي تخاطبه بالقول «حبيبي بابلو.
أقبل جسدك الحبيب، أنا إليسيا التي تحبك».
وسواء كانت هذه المغامرة الصادمة قد حدثت بالفعل، أم هي محض رواية مختلقة بهدف الإساءة إلى صورة الشاعر الزاهية، فإن علاقة الشاعر بزوجته لم تتعرض للاهتزاز والتصدع، بل حافظت على ثباتها ونوهجها على امتداد حياتهما المشتركة، خصوصاً أن الزوجين المتحابين ظلا يجوبان جنباً إلى جنب بلدان العالم وأمصاره ومنافيه. ولأن الحب، كما الشعر، يحتاج لكي لا يخبو أواره إلى مسرح ملائم، فقد قرر الحبيبان أن يبنيا عشهما الزوجي فوق مرتفع ساحر يطل على المحيط الهادئ في إيسلا نيغرا، حيث سيقدر للشاعر أن يكون قريباً من المناجم الخام لقريحته المتوقدة، وأن ينأى بحبه في الآن ذاته عن شرور العالم ومنغصاته، بعيداً عن «زحام المدينة العصبية ووجود الآخرين المعقد»، على حد تعبيره الحرفي.
ورغم أن منزل الزوجين الأنيق والباذخ، قد تعرض للدمار الجزئي بفعل إحدى الهزات الأرضية العنيفة، فقد أمن نيرودا بأن الحب والشعر قادران، وسط الزجاج المهشم والتشققات العميقة للجدران، أن يعيدا لحياتهما الصعبة البهجة والدفء والألفة الهانئة. إلا أن هاتين البهجة والألفة لم تدوما طويلاً، بل تهشمتا بشكل كامل تحت سنابك الانقلاب العسكري الذي قاده بينوشيه عام 1973، مطيحاً بنظام الحكم القائم وبرئيسه المنتخب سلفادور أليندي، كما بالبقية الباقية من أحلام نيرودا، الذي رفع راية استسلامه بعد أربعين يوماً من مقتل صديقه الرئيس، والذي يرجح الكثيرون بأن موته لم يكن بفعل المرض وحده، بل بفعل جرعة مسمومة من الدواء. أما طلب ماتيلدا بأن تدفن إلى جانبه حين تأزف ساعة رحيلها عن العالم، فقد بدا من بعض وجوهه محصلة طبيعية لرغبة كل منهما في الانصهار بالآخر في الحياة كما في الموت، وترجمة مؤثرة لقوله في إحدى القصائد:
ماتيلدا، يا حبيبتي، دعي شفتيك منفرجتين
لأنه بهذه الطريقة يمكن لقبلتك الأخيرة
أن تتبعني في الموت
سأموت معانقاً عنقود جسدك التائه
وحين ستتلقى الأرض عناقنا هذا
سنمضي متحدين في موت واحد
وفي قبلة أبدية



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».