ماذا تستورد سوريا «المنهكة اقتصادياً» من روسيا وأوكرانيا؟

TT

ماذا تستورد سوريا «المنهكة اقتصادياً» من روسيا وأوكرانيا؟

يتخوف أغلبية سكان دمشق الغارقين في الفقر من ازدياد تردي وضعهم المعيشي، من جراء التأثيرات الاقتصادية للحرب الروسية في أوكرانيا على بلادهم التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة؛ خصوصاً أنها تعتمد بشكل كبير على الدعم الغذائي والنفطي من حليفتها موسكو.
وحذَّر خبراء سوريون من أنه «إذا استمرت الحرب في أوكرانيا طويلاً، فنحن قادمون على الأسوأ».
وأدت الحرب في سوريا المستمرة منذ 11 عاماً إلى دمار معظم القطاعات الاقتصادية في البلاد، وانهيار العملة المحلية أمام الدولار الأميركي بشكل غير مسبوق، وأغرقت الحكومة في أزمات اقتصادية ومالية، زاد عمقها عاماً بعد عام، وفاقمتها أكثر العقوبات الغربية على دمشق.
واعتمدت الحكومة السورية خلال سنوات الحرب بشكل أساسي على حليفتها روسيا، لتأمين الدعم الغذائي والنفطي لها، من أجل مواجهة تلك العقوبات، وكذلك على حليفتها إيران.
ووفق مشاهدات «الشرق الأوسط»، فإنه منذ اشتعال الحرب في أوكرانيا، بدأت ملامح تداعياتها تظهر في أسواق دمشق على شكل موجة ارتفاع عاتية جديدة في الأسعار، شملت المواد الغذائية والمستلزمات اليومية المعيشية للمواطنين، ووصلت في بعضها إلى أكثر من ضعفين، إضافة إلى حدوث تدهور جديد في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي الذي وصل إلى أكثر من 3650 ليرة، بعدما حافظ على سعر 3500 مؤخراً، عقب أن كان قبل عام 2011 ما بين 45 و50 ليرة.
كما رصدت «الشرق الأوسط»، مخاوف شعبية في دمشق، من أن يطول زمن الحرب في أوكرانيا؛ لأن ذلك سيؤدي إلى تفاقم تأثيراتها على المواطنين الذين يرزح أكثر من 90 في المائة منهم تحت خط الفقر، وبالتالي «ازدياد طين وضعهم المعيشي بلة»، لانشغال روسيا في الحرب في أوكرانيا، والعقوبات غير المسبوقة التي فرضتها الدول الغربية عليها.
وأعلن السفير الروسي لدى سوريا، ألكسندر يفيموف، في العاشر من فبراير (شباط) الماضي، أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وسوريا، في عام 2021، زاد 3 مرات مقارنة بعام 2020. وأشار إلى أن روسيا تواصل مساعدة السوريين بعدة طرق في استعادة الاقتصاد، وضمان استقراره وكفاءته في مواجهة أشد الضغوط السياسية والاقتصادية من الخارج، بينما قال وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السوري محمد سامر الخليل، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «التبادل التجاري مع روسيا تحسن بشكل كبير في العام الأخير، والميزان راجح باتجاه روسيا تجارياً». وأشار الخليل إلى أن ترتيب روسيا صعد ضمن قائمة شركاء سوريا التجاريين، وقال: «لقد انتقلت روسيا إلى مصافي المرتبة الثانية والثالثة في التبادل التجاري مع سوريا، في حين لا تزال الصين في المرتبة الأولى». ولفت إلى أن «كثيراً من المواد في السوق السورية أصبح الاعتماد فيها على الموردين الروس، وفي قطاعات مختلفة، مثل القمح وغيرها».
كما ذكرت معاونة وزير الاقتصاد لشؤون التنمية الاقتصادية، رانيا أحمد، أن حجم التبادل التجاري مع روسيا لأول 9 أشهر من عام 2021 بلغ حوالي 185 مليون يورو، أما عام 2020 فبلغ 63 مليون يورو.
وأشارت إلى التركيز مع الجانب الروسي على موضوع تصدير الحمضيات والتفاح والرمان إلى القرم، أو إلى روسيا الاتحادية عبر القرم، وكذلك التباحث من أجل توريد الحبوب من روسيا إلى سوريا.
وحسب المسؤولة ذاتها، تصدِّر سوريا لروسيا الاتحادية الفواكه المشكلة: الكرز، والبرتقال الدموي، والرمان، بالإضافة للفوسفات، وبعض أنواع الأقمشة، والأدوية، والمحاصيل الجافة: الكمون، والمحلب، وحبة البركة، وعرق السوس، بالإضافة لبعض أنواع الأثاث المنزلي.
وبالنسبة لأوكرانيا، ذكر موقع «أثر برس» المحلي، قبل اندلاع الحرب فيها بأيام قليلة، أن بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية، تظهر أن «أوكرانيا خارج قائمة أهم عشرين دولة استورد منها أو صدر إليها القطاع الخاص السوري، خلال عامي 2018 و2019، وتالياً فإن أهمية أوكرانيا على خريطة التجارة السورية الخارجية قد تكون المستوى الثاني، إنما بمراجعة بيانات المجموعة الإحصائية لعام 2020، يتبين أن قيمة المستوردات السورية من أوكرانيا بلغت حوالي 81.6 مليار ليرة (ما يعادل 186.9 مليون دولار، وفقاً لسعر الصرف الرسمي للمستوردات، البالغ -حينها- 437 ليرة) في حين أن الصادرات السورية تجاوزت المليار ليرة بقليل (أي ما يعادل 2.5 مليون دولار، وفقاً لسعر الصرف الرسمي للصادرات البالغ -حينها- 434 ليرة)».
وأشار إلى أنه بمقارنة بيانات التجارة الخارجية لعام 2019 مع بيانات عام 2018، نجد أن قيمة المستوردات السورية من أوكرانيا زادت بحوالي 10 مليارات ليرة، بينما تراجعت الصادرات السورية قليلاً، وبحدود 400 مليون ليرة فقط.
وفي تركيبة السلع المستوردة من أوكرانيا، تأتي البضائع المصنّعة أولاً من حيث القيمة، والتي بلغت قيمتها في عام 2018 حوالي 35.245 مليار ليرة، تليها المواد الخام عدا الوقود بقيمة 18.979 مليار ليرة، ثم جاءت الأغذية والحيوانات الحية بقيمة 14.114 مليار ليرة، فالزيوت والشحوم الحيوانية بقيمة 2.558 مليار ليرة. أما الصادرات السورية فقد جاءت المواد الخام في صدارة ما جرى تصديره في عام 2018؛ حيث بلغت قيمتها حوالي 993.975 مليون ليرة، ثم أغذية وحيوانات حية بقيمة 260.071 مليون ليرة، فالمواد الكيماوية ومنتجاتها ثالثة بحوالي 221.122 مليون ليرة.
وأشار «أثر برس» إلى أن قيمة التبادل التجاري بين البلدين وصلت قبل الحرب إلى حوالي مليار دولار.
وحذر الخبير الاقتصادي عامر شهدا، خلال حديث لإذاعة محلية، منذ يومين، من تأثير الحرب بين روسيا وأوكرانيا على سوريا؛ خصوصاً فيما يتعلق بعملية التحويلات المالية، بسبب وجود ارتباطات مع مصارف روسية، وكذلك من حيث المشتقات النفطية، وعمليات استيراد الأعلاف والقمح. وأضاف أنه بسبب تعطل عمليات الاستيراد سترتفع الأسعار، وتوقع أن يتوقف قطاع الدواجن عن العمل، بسبب إيقاف استيراد الذرة من أوكرانيا، كذلك ستتأثر عملية استيراد الزيوت النباتية.
وقال شهدا: «لا أعتقد أن قرارات الحكومة الأخيرة كفيلة بمعالجة الوضع، كوننا نحن في قلب أزمة وأتت أزمة أشد منها، وسوريا تعتمد على استيرادات كثيرة من أوكرانيا وروسيا».
وأشار إلى أن فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، سينعكس سلباً على سوريا قطعاً، فضلاً عن ارتفاع بقية أسعار السلع المستوردة من دول أخرى، نظراً لارتفاع أسعار المشتقات النفطية وارتفاع أسعار النقل، في إشارة إلى ارتفاع سعر برميل النفط من 25 دولاراً إلى 100.
وبيّن أنه في المرحلة القادمة ستتأثر القطاعات الإنتاجية المعتمدة على الاستيراد من أوكرانيا وروسيا، مؤكداً أنه «إذا استمرت الحرب طويلاً فنحن قادمون على الأسوأ، وإذا توقفت الحرب خلال أسبوع فسنحتاج 6 أشهر حتى نعود للوضع الذي نحن عليه قبل بدء الحرب». ودعا الحكومة إلى أن تضع بدائل واضحة، وتحدد بدائل الاستيراد، والدول التي سيتم الاستيراد منها، وإيجاد حل لموضوع التحويلات المالية، ووضع استراتيجية واضحة وشفافة للشارع. وتتخوف دمشق من الارتفاع المتسارع لأسعار النفط الذي يؤثر في استيراد سوريا من المشتقات النفطية وزيادة تكاليف هذه التوريدات، وارتفاع تكاليف أجور النقل العالمي الذي سيزيد تكاليفها، إضافة لارتفاع أسعار المعادن، وبالتالي أسعار الصناعات ومنتجاتها عالمياً التي سيكون لها أثر سلبي خطير على الوضع المعيشي السوري المنهك.
ويعاني الاقتصاد السوري من نقص حاد في الموارد الأساسية؛ في مقدمتها النفط والقمح ومواد الطاقة، بعد نحو 11 عاماً من الحرب التي ترافقت مع فرض عقوبات اقتصادية دولية على دمشق.
وأسهمت الحرب والمتغيرات المناخية في تحويل سوريا من الاكتفاء الذاتي بمادة القمح إلى مستورد لها، إذ بلغت كمية إنتاجه خلال 2011 نحو 3.4 مليون طن، في حين كانت الحاجة المحلية 2.7 مليون طن، بحسب إحصائيات رسمية.
وأعلن وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية في بداية العام الجاري، أن الحكومة بحاجة إلى استيراد أكثر من 1.5 مليون طن من القمح سنوياً، معظمها من روسيا.
ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا الخميس الماضي، عقدت الحكومة السورية في اليوم نفسه اجتماعاً استثنائياً، لبحث تداعياتها على الوضع الاقتصادي والخدمي في سوريا، وللاستجابة للتطورات الاقتصادية العالمية.
وأعلنت الحكومة عزمها وضع خطة خلال الشهرين المقبلين، لترشيد توزيع جميع المشتقات النفطية في القطاعات الضرورية، وخفض الكميات التي يجري تزويد السوق بها تدريجياً، ودراسة واقع التوريدات.
وقررت تشديد الرقابة على سوق الصرف، لضمان استقرار الليرة السورية، ومتابعة التطورات المتوقعة خلال الشهرين المقبلين، والعمل على ترشيد الإنفاق العام، حالياً، بحيث يقتصر على الأولويات خلال هذه المدة، حرصاً على عدم زيادة التمويل بالعجز.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.