السبل تتقطع بآلاف الطلاب العرب في أوكرانيا... والعودة دونها عقبات

والدا الطالبة الأردنية ديانا العواملة العالقة في أوكرانيا يتابعان بقلق بالغ أنباء المعارك الميدانية (رويترز)
والدا الطالبة الأردنية ديانا العواملة العالقة في أوكرانيا يتابعان بقلق بالغ أنباء المعارك الميدانية (رويترز)
TT

السبل تتقطع بآلاف الطلاب العرب في أوكرانيا... والعودة دونها عقبات

والدا الطالبة الأردنية ديانا العواملة العالقة في أوكرانيا يتابعان بقلق بالغ أنباء المعارك الميدانية (رويترز)
والدا الطالبة الأردنية ديانا العواملة العالقة في أوكرانيا يتابعان بقلق بالغ أنباء المعارك الميدانية (رويترز)

يجد أكثر من عشرة آلاف طالب عربي، بينهم كثير من المغاربة والمصريين، أنفسهم عالقين في أوكرانيا على وقع الغزو الروسي، فيما تطرح إعادتهم إلى أوطانهم معضلة لحكوماتهم التي يفتقر بعضها إلى تمثيل دبلوماسي في كييف.
ويقصد طلاب من دول عربية عدة أوكرانيا سنوياً لمتابعة تحصيلهم الجامعي، خصوصاً في اختصاصي الطب والهندسة نظراً لسهولة الحصول على تأشيرات دخول إلى هذا البلد. ويشكل المغاربة مع المصريين المكون الأساسي من الطلاب العرب الذين توجهوا إليها هرباً من نزاعات أو أزمات اقتصادية في بلدانهم.
أمام مقر وزارة الخارجية في الرباط، تجمّعت عائلات عدة الجمعة، مبدية قلقها إزاء مصير أبنائها. ويقطن 12 ألف مغربي بينهم ثمانية آلاف طالب في أوكرانيا التي غادرها ثلاثة آلاف منهم، لا سيما في رحلات جوية خاصة، وفق وزارة الخارجية المغربية. من بين هؤلاء الطالبة في اختصاص الصيدلة نسيمة أقتيد (20 عاماً) التي لم تجد وسيلة للخروج من مدينة خاركيف، ثاني مدن أوكرانيا وحيث دارت اليوم (الأحد)، معارك في الشوارع بين قوات كييف وموسكو ويلازم السكان منازلهم. وتقول لوكالة الصحافة الفرنسية: «فكّرت في مغادرة المدينة لكن الأمر مستحيل، فالحدود الأقرب إلينا هي الحدود مع روسيا»، التي دخلت قواتها المدينة ليلاً.
وفي جنوب أوكرانيا، تمكّنت الطالبة في طب الأسنان رانيا عوكرفي (23 عاماً) من مغادرة مدينة زابوريغيا إلى مولدافيا الخميس، بعد وقت قصير من بدء الهجوم الروسي. وتنتقد الطالبة التي تقول إنها عاينت «مشاهد مؤلمة» وأماكن مسالمة «تشوّهت بين ليلة وضحاها»، غياب السفارة المغربية التي «لا تساعد، إذ نحاول الاتصال ولا من يجيب».
وإذا كان الحظ حالف رانيا، إلا أن محاولات الطالب اللبناني سمير عطا الله (25 عاماً) لمغادرة أوكرانيا لم تثمر بعد، شأنه شأن نحو 750 طالباً لبنانياً عالقين في مدن أوكرانية عدّة، من إجمالي 1300 كانوا موجودين قبل بدء الأزمة. يقول سمير لوكالة الصحافة الفرنسية في رسائل صوتية عبر تطبيق «واتساب»، قبل وقت قصير من مغادرة خاركيف إلى منطقة أخرى: «تركت لبنان قبل شهر ونصف الشهر جراء الانهيار» الاقتصادي بعدما «ادخرت مالاً وبعت سيارتي من أجل الدراسة هنا... وإذ بدأت الحرب». ويوضح: «نحاول التواصل مع السفارة اللبنانية وملأنا استمارة على موقعها»، من دون جدوى. وعلى غرار آخرين، يناشد سمير السلطات اللبنانية التدخّل لتأمين حافلات تقلّهم الى الحدود مع بولندا أو رومانيا، في ظل تعذّر استخدام وسائل النقل العام المعطلة أو المكتظة.
وتحدّث علي شريم، رئيس الجالية اللبنانية في أوكرانيا ومالك مطعم في كييف، عن معاناة الطلاب اللبنانيين وبينهم شابات «يبتن في محطات المترو». ويروي لوكالة الصحافة الفرنسية عبر الهاتف أنّه «أرسل لهن الطعام لأنني غير قادر على إيوائهن»، لافتاً إلى وجود طلاب في العشرينات «لا يتكلمون اللغة الأوكرانية ولا الروسية».
في بيروت، نصح وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب اللبنانيين في أوكرانيا بـ«البقاء في أماكن آمنة لحين جلاء الأمور» جراء «عدم وجود ممرات آمنة لتاريخه» لمغادرتهم. وكلّفت الخارجية هيئة رسمية لـ«إجلاء» اللبنانيين الذين «لجأوا إلى بولندا ورومانيا جواً في موعد يحدد لاحقاً».
ورغم وجوده في مدينة بغرب أوكرانيا قريبة من الحدود الرومانية، لم يتمكن الطالب العراقي علي محمّد (25 عاماً) الذي كان يأمل في التخرج هذا العام في اختصاص الهندسة من المغادرة. وذهبت سدى عشرات الاتصالات التي يجريها يومياً بسفارة بلاده.
ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية من مدينة تشيرنفتسي: «غادرت العراق حتى أغيّر نمط الحياة التي عشتها من حرب وتعب ومشاكل». لكنه يجد نفسه اليوم يعيش السيناريو ذاته ويرى «الخوف ذاته» في عيون الناس والأطفال. ويضيف: «ننتظر الفرج»، موضحاً أن الطلاب العراقيين والسوريين هم أكثر من يواجهون صعوبات في العودة إلى بلدانهم.
وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية أحمد الصحاف، هناك 5537 عراقياً في أوكرانيا بينهم 450 طالباً يتوزعون على 37 جامعة.
وفي مدينة خاركيف أيضاً، تقطّعت السبل بالطالب المصري في اختصاص الصيدلة سعد أبو سعدة (25 عاماً) الذي لم يتمكن وعدد من مواطنيه من مغادرة السكن الجامعي، رغم رحيل عشرات الطلاب الأجانب القاطنين فيه، التزاماً بتعليمات سفارات بلادهم. ويوضح لوكالة الصحافة الفرنسية: «لم تفعل السفارة شيئاً بعد، نحن أربعة مصريين... أصدقاؤنا جميعهم تركونا وغادروا». وكانت سفارة مصر التي يقيم ستة آلاف من رعاياها في أوكرانيا، أكثر من نصفهم طلاب مسجلون بغالبيتهم في خاركيف، أعلنت عبر «فيسبوك» أنها تنسّق لإجلاء مواطنيها إلى رومانيا وبولندا.
وتبذل دول عربية أخرى جهوداً لإجلاء مواطنيها. إذ دعا المغرب رعاياه للتوجّه نحو نقاط حدودية مع رومانيا والمجر وسلوفاكيا وبولندا. وتعتزم تونس، التي لا تمتلك تمثيلاً دبلوماسياً في أوكرانيا، إرسال طائرات إلى بولندا ورومانيا لإعادة من يرغب من رعاياها البالغ عددهم 1700، ثمانون في المائة منهم طلاب. وقال مسؤول الشؤون الخارجية محمّد الطرابلسي لوكالة الصحافة الفرنسية: «سنبدأ عملياتنا بمجرد الانتهاء من قائمة التونسيين الذين يرغبون في العودة»، مشيراً إلى التواصل مع الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي للمساعدة في إجلائهم براً.
وحدّدت ليبيا، وفق سفارتها، نقاط تجمع في أوكرانيا لرعاياها البالغ عددهم ثلاثة آلاف شخص، على أن يتمّ إجلاؤهم إلى سلوفاكيا. وشكّلت الجزائر التي تربطها بروسيا اتفاقيات عسكرية استثناء، إذ لم تدعُ نحو ألف طالب في أوكرانيا إلى مغادرة البلاد. لكنها حثتهم على «توخي الحذر الشديد وعدم مغادرة منازلهم إلا في حالات الطوارئ».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...