«أرامكو».. قصة بناء الإنسان والمدن السعودية

الملك عبد العزيز استطاع بحكمته أن يقرأ مستقبل النفط

ساهم تدفق الإنتاج البترولي والعوائد المالية في انتقال السعودية من مرحلة البداوة والمجتمع الريفي إلى عصر الدولة الحديثة (غيتي)
ساهم تدفق الإنتاج البترولي والعوائد المالية في انتقال السعودية من مرحلة البداوة والمجتمع الريفي إلى عصر الدولة الحديثة (غيتي)
TT

«أرامكو».. قصة بناء الإنسان والمدن السعودية

ساهم تدفق الإنتاج البترولي والعوائد المالية في انتقال السعودية من مرحلة البداوة والمجتمع الريفي إلى عصر الدولة الحديثة (غيتي)
ساهم تدفق الإنتاج البترولي والعوائد المالية في انتقال السعودية من مرحلة البداوة والمجتمع الريفي إلى عصر الدولة الحديثة (غيتي)

لعبت شركة «أرامكو» منذ توقيع امتيازها للتنقيب عن النفط في السعودية، وحتى إعادة هيكلتها الجديدة برئاسة رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، دورا مهما ولافتا في نقل البلاد الناشئة إلى مراحل من التطور، حيث ساهم تدفق الإنتاج البترولي وتزايد العوائد المالية إلى انتقال السعودية من مرحلة البداوة والمجتمع الريفي إلى عصر الدولة الحديثة، كما لعبت الشركة دورا في تغيير مسيرة إنسان هذه الأرض عبر محطات ومنعطفات مهمة شكلت الحياة الجديدة للأرض والإنسان بعد أن تفيأت رمال الشواطئ البيضاء أو رمال الصحراء الذهبية ظلال الذهب الأسود، وعانقت نخيلات الواحات منصات الحفر، وأعمدة دخان المصافي، وصدت الفيلات الحديثة والمساكن المسلحة وعربات «الكرفانات» الرياح التي تحرك أروقة الخيام وتكاد تقلع أطنابها.
واستطاع الملك عبد العزيز، مؤسس هذا الدولة السعودية الذي تنام بلاده على بحيرات من النفط لم تتضح بعد جدواها قبل وأثناء اتفاق الملك مع الشركات البترولية على امتياز التنقيب عن النفط وتشغيله تجاريًا، استطاع بفراسته وحِكمته وبُعد نظره وثاقب بصيرته واستماعه إلى ذوي الاختصاص والرأي، أن يقرأ مستقبل النفط في بلاده، وأنه سيكون له حضور كبير في تحسين مداخيل الدولة الناشئة، وأن يعم نفعه ليس فقط جميع مواطنيه بلا استثناء، بل إن خيرات البلاد ستصل إلى الجميع خارج الوطن لأن بلاده ستكون إحدى كبرى الدول المصدرة لهذه السلعة العالمية، كما كشف الملك عن اهتمامه المبكر بموضوع التخصيص، وضرورة دخول الدولة وأبناء الوطن كمساهمين في مشاريع النفط، التي بدأ التنقيب عنها واستثمارها تجاريًا.
وجهه الملك عبد العزيز، إلى عبد العزيز بن مساعد وكافة جماعة أهل بريدة حاضرة منطقة القصيم مؤرخ بتاريخ 28 محرم 1342ه، الموافق 10 1923 يحث فيه مواطنيه على المساهمة في مشاريع النفط عقب اتفاق الملك مع الشركات البترولية التي حصلت على عقود امتياز النفط في الدولة الناشئة، والتي لا تتمتع بأية موارد ثابتة أو ذات جدوى للصرف على متطلبات تنمية الدولة الحديثة، وذلك قبل أن تعرف كثير من الدول والشعوب أي أشكال من أشكال الاستثمار أو التخصيص أو المساهمات أو في ما يعرف اليوم بسوق الأسهم، والاستثمار في الشركات المطروحة للاكتتاب العام.
ويعد خطاب الملك عبد العزيز شكلا مبكرا من أشكال طرح نسبة من أسهم مشاريع الشركات البترولية للاكتتاب العام للمواطنين السعوديين، ويبدو أن الخطاب وجه إلى جميع المناطق في نجد ولم تكن بريدة هي الوحيدة التي وصلها الخطاب. وصنع النفط بعد ملحمة التوحيد التي خلقها الملك المؤسس تجمعات سكانية متباعدة، واحتضنت المدن الحديثة شرقا ووسطا وغربا وجنوبًا أفرادا وأسرا من جميع مناطق البلاد، وأتاحت الشركة العملاقة لكثير من أبناء الصحراء وسكان الشواطئ، وساكني الجبال خوض تجربة العمل في مهن لم يعهدها من قبل.
ولقد تحول راعي الأغنام الأمي إلى صاحب مهنة أخرى، اعتمر خوذة العمل بدلا من الشماغ، ودس في يديه قفازات الشغل والفك والربط، استبدل عصا الرعي التي يهش بها على غنمه بأدوات تشغيل محطات الدفع ومعامل التكرير، وورش التصليح، تحول سائق الأجرة إلى عامل يلبس بدلة العمل ويستيقظ فجرا ليذهب إلى معامل فصل الغاز، واستبدل السائق رخصة القيادة لسيارته الونيت برخصة لقيادة الرافعات والنقليات، لقد انخرط الجميع ببسالة في رحلة كفاح عبر سفينة تمخر عباب أنهار النفط التي تفجرت بالذهب الأسود، وملأت الأرض نماء، لقد أصبح الراعي الذي يلتحف السماء، ويفترش الأرض ويردد أناشيد الرعاة كل فجر، ينطق لغة أبراهام لنكولن دون أن يتلقاها في مدرسة أو حلقة تدريب ودون أن يحمل قلما ليكتب ما يقوله، جاء الفلاح من وسط الصحراء (حيث تصارع نخيلات مزرعته ملوحة الأرض وقلة المياه) تاركا خلفه عباءاته ومنجله إلى جبل الظهران ليلتحق بركب القافلة التي انطلقت لتحفر الأرض، ثم يختلس ساعات راحته ليندس في «البركسات» ويغفو على أسرتها الحديدية وفرشها الوثيرة، ثم يستيقظ ويتناول وجبة منوعة مستخدما الشوكة والملعقة والسكين بدلا من اليد.
وعلى بعد أمتار من مكان الجيولوجيين في السواحل الشرقية، حيث بقايا حلقات الكتاتيب التي تعلم الأطفال مبادئ القراءة والكتابة وشيئا من القرآن والحساب، كانت الأرض تؤسس والرافعات تعمل لبناء مدارس حديثة، وتشغيل القائم منها وصيانتها، في حين انشغل المحاسبون في صرف رواتب المعلمين والإداريين العاملين في تلك المدارس بعد أن التزمت «أرامكو» بدفعها.
وفي غرفة بالظهران قبل نصف قرن تجمعت أسرة العامل المقبل من وسط الصحراء ليعمل في شركة «أرامكو» أمام قناة تلفزيونية لمتابعة البرامج التي كانت تبثها القناة رقم 3 التي تعد أول محطة تلفزيونية تبث في الخليج وعرفت بمحطة تلفزيون «أرامكو».
وفي بقيق يلاحق الأطفال سيارات بيضاء مقفلة ليكتشفوا أنها لم تكن سوى عيادات منتظمة تخترق المدن لتقدم لسكانها الخدمات الطبية.
وتقاطر الألوف من الموظفين إلى مكتب في المنطقة الشرقية لينضموا إلى برنامج تملك البيوت في الشركة العملاقة الذي شكل أول نواة لإقامة تجمعات سكانية أصبحت لاحقا مدن الدمام والخبر والظهران ورأس تنورة وبقيق.
من هنا تبدأ قصة التغيير الذي طرأ على الأرض والإنسان في ملحمة أشبه بالخيال والأسطورة بعد أن تفجرت الأرض بالنفط.
ولا نستطيع أن نسبر أغوار تلك الفترة، لكن محمد الدميني الكاتب والشاعر السعودي استطاع أن يبني من سيل الصور والاستطلاعات والمشاهدات التي انهالت عليه من مجلدات «القافلة» التي كان أحد أبرز كتابها صورا متماسكة لشكل الحياة في مدن الشرقية وغيرها.
يقول الدميني فيما يشبه الرصد لتلك الفترة رسمها بلوحة الشاعر والكاتب والفنان: حاولت مرارًا أن أبني من سيل الصور والاستطلاعات والمشاهدات التي انهالت على من مجلدات «القافلة» صورة متماسكة لشكل الحياة في أي بلدة من بلدات الدمام أو الظهران أو الخبر، قبل أن تبلغ أول البعثات الجيولوجية ساحل الجبيل في سبتمبر (أيلول) 1933 لتنصب خيامها لاحقا في موقع ما قرب جبل الظهران، لكنني لم أتمكن من أن أجمع أبدًا شظايا تلك الصورة، كأنني أمسك قبضة رمل سرعان ما تندفع هاربة من بين أصابعي.
كثيرًا ما سرقتني الساعات وأنا أتجول بين صفحات تلك الخزينة النادرة من أعداد المجلة متفرسًا في الملامح والوجوه، ومدققًا في أبراج الحفر والمعامل والمنشآت، ومحاولاً قراءة المنعطفات التاريخية في مسيرة إنساننا ووطننا وزمننا.
وفي الآن ذاته، كنت أقرأ في عباب الصفحات الماضية للمجلة صورة جيلي الذي يجتاز الآن عقده الرابع، حين كنا نتناهب أعداد هذه المجلة ونتبادلها كمن يتخاطف تحفة نخاف عليها من يد المنون. كانت تصلنا طبعًا متقطعة تجللها وعثاء السفر وعطور الإياب في حقائب العائدين إلى القرية لقضاء إجازتهم السنوية، وكنا نتلقفها كهدايا من أيدي الموظفين القدامى الذين كانوا يتجشمون حملها إلينا رغم أنهم لم يقرأوا سطرًا واحدًا فيها بحكم أميتهم.
تلك أيام بعيدة، لا أجد وهجها يخف رغم انقضاء الأيام، وحين أحمل بعض المجلدات هذه الأيام إلى منزلي مستجمعًا كل المغذيات اللازمة لكتابة مقالة تليق بمناسبة ذهبية في تاريخ المجلة الحافل، يستبد بي شوق لمواصلة الرحيل عبر الصفحات. فها أنا ذا أكتشف أن لا مجلة اقتربت من موضوعها ومن جمهورها، وانخرطت في دورها التاريخي كما فعلت هذه المجلة «قافلة الزيت»، وخصوصا في عقودها الثلاثة الأولى. تمتلئ صفحات المجلة بملامح مصورة ومكتوبة عن اللحظات الفاصلة في تاريخ الشركة منذ توقيع اتفاقية الامتياز في جدة يوم 29 مايو (أيار) 1933 وحتى تدشين مشروعات حقول الحوطة والشيبة وتحديث مصفاة رأس تنورة، ومشاريع الغاز في الحوية وحرض. أغلفة المجلة وصفحاتها تزدان بوجوه أليفة تنتمي إلى الجيل الأول من موظفي الشركة السعوديين الذين خاضوا غمار تجربة العمل الميداني من دون حصيلة علمية تذكر. جاءوا بوفاض خال من أي مجد أو غنيمة، لذا أقبلوا على مراكز التدريب والدراسة المهنية بنهم فريد، وانخرطوا ببسالة قل نظيرها في مناهج إتقان جميع المهن.



حرب إيران تربك حسابات النمو والفائدة في اليابان

رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

حرب إيران تربك حسابات النمو والفائدة في اليابان

رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

يقول محللون إن اليابان تواجه مخاطر انخفاض النمو وارتفاع التضخم إذا أدى استمرار الصراع في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط وإلحاق الضرر بالاقتصاد المعتمد على الاستيراد، مما يعقد جهود البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة التي لا تزال منخفضة.

وارتفعت أسعار النفط بنسبة 7 في المائة يوم الاثنين، مسجلةً أعلى مستوى لها منذ أشهر، مع تصعيد إيران وإسرائيل هجماتهما في الشرق الأوسط، مما أدى إلى تعطيل الشحنات من هذه المنطقة المنتجة الرئيسية، في ضربة قوية لليابان التي تستورد أكثر من 90 في المائة من نفطها الخام من الشرق الأوسط.

وصرحت رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، للصحافيين يوم السبت، بأنها أصدرت تعليماتها لمجلس وزرائها بإعداد تقديرات حول الأثر الاقتصادي المحتمل لضربات نهاية الأسبوع على إيران.

ونظراً لاعتماد اليابان على واردات النفط، فإن حجم الضرر الذي سيلحق باقتصادها سيتوقف على ما إذا كان الصراع سيؤدي إلى انقطاع طويل الأمد في الشحنات من الشرق الأوسط.

وأعلنت شركات الشحن اليابانية يوم الأحد أنها ستوقف عملياتها في مضيق هرمز بعد أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران.

وبينما تمتلك اليابان احتياطيات نفطية تكفيها لثلاثة أشهر، فإن ارتفاع أسعار النفط الخام أو إغلاق المضيق قد يضر بالاستهلاك الضعيف أصلاً، من خلال رفع أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات.

وقالت تاكايتشي أمام البرلمان، رداً على سؤال حول استجابة الحكومة: «نأمل في اتخاذ الخطوات اللازمة بمرونة للحد من تأثير الأزمة على معيشة الناس والنشاط الاقتصادي».

ويرى محللون أن مزيج ضعف الطلب وارتفاع التضخم قد يدفع بنك اليابان إلى التريث، مما قد يؤخر رفع سعر الفائدة المقبل الذي توقعت الأسواق أن يكون في أبريل (نيسان) قبل أزمة نهاية الأسبوع.

وتتوقع «مورغان ستانلي إم يو إف جي» للأوراق المالية أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 في المائة إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان بنحو 0.1 في المائة.

وقال تاكيشي ياماغوتشي، كبير الاقتصاديين اليابانيين في «مورغان ستانلي إم يو إف جي» للأوراق المالية: «سيشكل الارتفاع الحاد في أسعار النفط مخاطر ركود تضخمي على المدى القصير، بينما من المرجح أن يتباطأ التضخم الأساسي على المدى الطويل»، وأكد أنه «من المرجح أن يتبنى بنك اليابان موقفاً أكثر حذراً، مما يقلل من احتمالية رفع أسعار الفائدة على المدى القريب».

ويتوقع معهد نومورا للأبحاث أن يؤدي النزاع إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان بنسبة 0.18 في المائة، وارتفاع التضخم بنسبة 0.31 في المائة إذا ما تسبب النزاع العسكري في تعطيل العمليات حول المضيق لفترة طويلة.

ضغوط على الفائدة

وقال تاكاهيدي كيوتشي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان والخبير الاقتصادي الحالي في معهد نومورا للأبحاث: «بالنظر إلى تصاعد المخاطر السلبية على الاقتصاد، قد يحتاج بنك اليابان إلى توخي المزيد من الحذر بشأن رفع أسعار الفائدة».

وفي خطاب ألقاه يوم الاثنين، قال نائب محافظ بنك اليابان، ريوزو هيمينو، إنه من المتوقع أن يواصل البنك المركزي رفع أسعار الفائدة مع اقتراب التضخم الأساسي من هدفه البالغ 2 في المائة. ولم يعلق بشكل مباشر على وتيرة وتوقيت رفع أسعار الفائدة في المستقبل.

ونما الاقتصاد الياباني بنسبة 0.2 في المائة سنوياً في الربع الأخير من العام الماضي، مع تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة على الاستهلاك.

ويتوقع المحللون تسارع النمو مع انخفاض التضخم الغذائي ودعم الوقود، مما يخفف العبء عن الأسر ويحول الأجور الحقيقية إلى مستويات إيجابية.

المخزون النفطي

وفيما يخص القلق حول الإمدادات النفطية، صرَّح متحدث باسم الحكومة اليابانية يوم الاثنين بأن الحكومة لا تخطط للإفراج عن أي نفط من مخزونها، على الرغم من تعطُّل بعض ناقلات النفط المتجهة إلى البلاد في الخليج بسبب النزاع مع إيران. وتستورد اليابان نحو 95 في المائة من إمداداتها النفطية من الشرق الأوسط، ويمر نحو 70 في المائة من هذه الشحنات عبر مضيق هرمز. وبعد أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، بدأت شركات الشحن اليابانية بتعليق عملياتها حول مضيق هرمز. وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، مينورو كيهارا، في مؤتمر صحافي: «بعض ناقلات النفط الخام المتجهة إلى اليابان من الشرق الأوسط تنتظر في الخليج العربي، متجنبةً المرور عبر مضيق هرمز». وأضاف أن اليابان ليس لديها خطط فورية للإفراج عن مخزوناتها من النفط الخام، التي تُعد من أكبر المخزونات في العالم.

وتمتلك اليابان احتياطيات نفطية تعادل 254 يوماً من صافي وارداتها، وقد سبق لها أن فرجت عنها لتحقيق استقرار أسواق النفط العالمية، وكان آخرها في عام 2022 بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية وجهات أخرى. وصرَّح مسؤول في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية يوم الاثنين بأنه لم يُطلب حتى الآن أي تنسيق دولي بشأن الإفراج عن المخزونات. وأفادت شركة إيتوشو اليابانية للتجارة، في بيان عبر البريد الإلكتروني، بأنها بدأت تشعر ببعض التأثير على شحنات النفط الخام والمنتجات البترولية من الخليج، حيث تأثَّرت عدة موانئ هناك بتداعيات النزاع. وأضافت إيتوشو أنها ستستجيب بتأمين الإمدادات من مناطق خارج الشرق الأوسط، وأنها تراقب مدى استمرار الاضطرابات اللوجيستية. وقالت شركة إينيوس، أكبر شركة تكرير في اليابان، إنها ستقيّم التأثير على مشتريات النفط الخام المستقبلية مع مراقبة الأوضاع.

كما تُعد اليابان ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، على الرغم من أن معظم إمداداتها تأتي من أستراليا. ومع ذلك، أظهرت بيانات وزارة المالية أن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، بما في ذلك قطر وعُمان والإمارات العربية المتحدة، شكَّلت 11 في المائة من واردات اليابان في عام 2025.

ووفقاً لكيهارا، تمتلك شركات المرافق اليابانية حالياً مخزوناً يكفي لاستهلاك الغاز الطبيعي المسال في اليابان لمدة ثلاثة أسابيع تقريباً.


«إيتوتشو» اليابانية تبحث عن إمدادات نفط من خارج الشرق الأوسط

ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)
ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)
TT

«إيتوتشو» اليابانية تبحث عن إمدادات نفط من خارج الشرق الأوسط

ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)
ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)

قالت شركة «إيتوتشو» اليابانية للتجارة ‌إن ‌شحناتها ​من ‌النفط ⁠والمنتجات ​البترولية من الخليج ⁠بدأت تتأثر ⁠بتداعيات الهجمات ‌الأميركية ​والإسرائيلية على ‌إيران.

وأضافت ‌«إيتوتشو» أنها ستتعامل ‌مع هذه الأزمة عبر ⁠الحصول على الإمدادات من مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتتصاعد وتيرة الهجمات بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وسط مخاوف متصاعدة من توسع رقعة الحرب في المنطقة.


كيف أعاد نزاع الشرق الأوسط صياغة مخاوف المستثمرين؟

متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)
TT

كيف أعاد نزاع الشرق الأوسط صياغة مخاوف المستثمرين؟

متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)

تحوّل الصراع في الشرق الأوسط من مجرد خطر هامشي إلى أحد أبرز مصادر القلق لدى المستثمرين، الذين يشعرون بعدم الاستقرار جراء احتمالية نشوب نزاع على السلطة في إيران، وحرب إقليمية طويلة الأمد، مع تداعيات تمتد إلى كل شيء؛ من التجارة العالمية حتى التضخم.

يتسوق أشخاص داخل متجر متعدد الأقسام في مانهاتن بمدينة نيويورك يوم 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وارتفعت أسعار النفط يوم الاثنين، في حين صعد الذهب بالتوازي مع تكاليف الاقتراض الحكومية، فيما حاولت الأسواق المالية استيعاب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، التي أسفرت عن قتل المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي.

حتى الآن، يسعّر المستثمرون السيناريو الذي يبقي النزاع ضمن حدود محصورة نسبياً، وفق محللين، وهو ما يترك مجالاً واسعاً لتقلبات السوق في حال تصاعد الصراع أكثر. فقد ردّت إيران بضرب مدن خليجية، وأوقفت شركات الطيران رحلاتها، وعلّقت ناقلات النفط وغيره من البضائع عبورها عبر مضيق هرمز الحيوي.

ويكمن أول المخاطر في حالة عدم اليقين بشأن ما سيحدث لاحقاً في إيران؛ نظراً إلى تعقيدات نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية، مما يزيد صعوبة التنبؤ بأسعار النفط التي كانت ترتفع لأسابيع والآن أصبحت رهينة لما ستفعله الدول المنتجة للنفط وكيفية تأثر مرور الناقلات عبر الشرق الأوسط، مع انعكاسات كبيرة على التضخم العالمي وحتى على أمان السندات، وفق «رويترز».

خريطة لمضيق هرمز وإيران خلف نموذج ثلاثي الأبعاد لخط أنابيب نفط في رسم توضيحي (رويترز)

وارتفع «خام برنت» بنحو 10 في المائة، ليصل إلى 79 دولاراً للبرميل يوم الاثنين، مسجلاً مكاسب بنحو 30 في المائة منذ بداية العام، لكنه لا يزال أدنى بكثير من مستوى 100 دولار الذي يتوقعه المحللون في حال استمرار الصراع طويلاً.

وقال يورغ كرامر، كبير الاقتصاديين في «كومرتس بنك»: «رد الفعل الحالي معتدل نسبياً بالنظر إلى أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من استهلاك النفط العالمي، شبه مغلق فعلياً. في الوقت الحالي، يبدو أن المشاركين في السوق يتوقعون حرباً قصيرة لبضعة أسابيع فقط، وهو السيناريو الأعلى احتمالاً».

وأشار المحللون إلى أن الخطر الأكبر يكمن في تراخي الأسواق التي افترضت أن تداعيات الصراع ستكون محدودة، كما حدث خلال «حرب الـ12 يوماً» في إيران خلال يونيو (حزيران) الماضي، أو خلال الهجمات الروسية المتكررة على أوكرانيا.

وقالت مجموعة محللي «بنك باركليز»، في مذكرة يوم السبت: «يشير التاريخ بقوة إلى بيع علاوة المخاطر الجيوسياسية عند بدء الأعمال العدائية. ما يقلقنا هو أن المستثمرين تعلموا هذا النمط الآن وقد يقللون من قيمة السيناريو الذي يفشل فيه احتواء الصراع».

كما أشار المحللون إلى عوامل أخرى قد تزيد من حدة البيع إذا تصاعد الصراع، مثل المخاوف القائمة بشأن طفرة الذكاء الاصطناعي وأسواق الائتمان الخاص.

وقال موهيت كومار، الاقتصادي في «جيفريز»: «نتوقع مزيداً من الهبوط في الأيام المقبلة. عند نقطة معينة سنكون مستعدين للشراء عند التراجع، لكن تلك النقطة تبدو بعيدة حالياً».

الأمان مقابل التضخم

في تقليد الرحلة إلى الأصول الآمنة، ارتفع الدولار يوم الاثنين، وصعد الذهب بأكثر من اثنين في المائة، بينما تراجعت الأسهم الأوروبية بنحو اثنين في المائة، مع توقعات بفتح مماثل للأسواق الأميركية. وارتفع الفرنك السويسري، بوصفه ملاذاً آمناً، إلى أعلى مستوى له منذ 2015 مقابل اليورو، بينما ضعُف الين مقابل الدولار.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية بعد انخفاضها أولاً، مع تقليص المستثمرين رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة لدى البنوك المركزية الكبرى؛ مما يعكس تركيز الأسواق على الآثار التضخمية المحتملة لارتفاع أسعار النفط.

ويتوقع ويليام جاكسون، كبير خبراء الأسواق الناشئة في «كابيتال إيكونوميكس»، أن صراعاً طويل الأمد يؤثر على الإمدادات قد يدفع بأسعار النفط نحو 100 دولار للبرميل؛ مما قد يضيف ما بين 0.6 و0.7 نقطة مئوية للتضخم العالمي.

امرأة تمر بجانب شاشة تعرض الأخبار وتحديثات سوق الأسهم في بورصة مومباي (رويترز)

وقال طارق دينيسون، مستشار الثروات في «جي إف إم» لإدارة الأصول في زيوريخ: «في رأيي، الأسواق بالغت بالفعل في تقدير القوى التضخمية؛ لذلك لا أعتقد أن هذا سيغير الكثير. سيكون التأثير أكبر على أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة؛ نظراً إلى قرب مضيق هرمز من مصادر النفط والغاز بعد روسيا». وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط قد يذكّر «الاتحاد الأوروبي» بأزمة الطاقة خلال بداية غزو روسيا أكرانيا عام 2022.

وقالت مجموعة «آي إن جي»: «كان المستثمرون متفائلين بأوروبا هذا العام، لكن هذا التفاؤل سيتعرض لتحدٍ طبيعي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة».

ويتوقع بعض المحللين أن إيران لن تتمكن من تعطيل التجارة في الخليج، وبالتالي سيكون تأثير ذلك على أسعار النفط محدوداً.

وقال إد يارديني، رئيس شركة «يارديني» للأبحاث في نيويورك: «لن نفاجأ إذا تحولت أي موجة بيع في مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) صباح الاثنين إلى ارتفاع، بدافع توقع انخفاض أسعار النفط بمجرد انتهاء الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط».

وأضاف: «قد يعود سعر الذهب أيضاً إلى مستوياته السابقة على يوم الاثنين، وقد تنخفض عوائد السندات بفعل الطلب على الملاذ الآمن وتوقعات ما بعد الحرب لانخفاض أسعار النفط».