علاقة ألمانيا بروسيا تقف حاجزاً أمام انحياز برلين كلياً إلى جانب الغرب

شولتس يتراجع عن «خطوط حمر» ويعلن تزويد أوكرانيا بـ 500 صاروخ «ستينغر»

التاريخ المعقد بين ألمانيا وروسيا ترك أثراً على رد فعل برلين إزاء الأزمة الحالية
التاريخ المعقد بين ألمانيا وروسيا ترك أثراً على رد فعل برلين إزاء الأزمة الحالية
TT

علاقة ألمانيا بروسيا تقف حاجزاً أمام انحياز برلين كلياً إلى جانب الغرب

التاريخ المعقد بين ألمانيا وروسيا ترك أثراً على رد فعل برلين إزاء الأزمة الحالية
التاريخ المعقد بين ألمانيا وروسيا ترك أثراً على رد فعل برلين إزاء الأزمة الحالية

ترتفع على حافة الطريق دبابتان من تركة الاتحاد السوفياتي. مكان هذا المعلم ليس بالصدفة. فكما أصبحت بوابة براندنبيرغ رمزاً لوحدة ألمانيا، ترمز الدبابتان إلى التضحيات التي قدمها الجيش الأحمر في معركة برلين، آخر وأشرس معارك الحرب العالمية الثانية، والتي خسر فيها السوفيات أكثر من 80 ألف جندي. المعلم ليس الوحيد في العاصمة الألمانية الذي يذكر سكان المدينة بماضيهم. نصبان ضخمان آخران شيدا في مكانين مختلفين في برلين. أحدهما عبارة عن تمثال ضخم لجندي سوفياتي بطول 12 متراً، يحمل بيد طفلة ألمانية أنقذها من النازيين، وبيده الأخرى سيف وهو يدهس برجله على السواستيكا (الصليب المعقوف)، شعار النازية. هذه المعالم شيدت باتفاقات رسمية بين الحكومتين الألمانية والروسية، وربما هي أفضل ما يلخص اليوم العلاقة المعقدة بين برلين وموسكو. فألمانيا تتمتع بتاريخ عميق ووطيد مع روسيا، ولكنه أيضاً ملتبس وُلد من الخوف والتاريخ ومؤخراً الطمع.
فألمانيا المحكومة جغرافياً بقربها من روسيا، اعتمدت على سياسة قريبة من الغرب والشرق في آن واحد، وهي سياسة ولدت في خضم الحرب الباردة وتعرف بـ«أوست بوليتيك» وترجمتها «السياسة الشرقية»، كان أول من طبقها فيلي براندت مستشار ألمانيا الغربية بين عامي 1969 و1974، السياسة أثارت الكثير من الجدل في ألمانيا الشرقية والغربية ولكنها كانت تهدف لتخفيف التوتر بين الطرفين وتحسين العلاقات مع الدول الشرقية السوفياتية.
واستمرت الحكومات الألمانية المتعاقبة بتطبيق هذه السياسة، بغض النظر عن انتماءاتها السياسية. ولكن في الوقت الذي بقيت فيه منفتحة على الشرق، لم تنس تحالفها مع الغرب وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي، وسمحت للولايات المتحدة بأخذ قواعد عسكرية لديها ونشر صواريخ باليستية ونووية لديها، رغم أن انتشار هذه الأسلحة «سر» حتى اليوم لا يعترف به أي طرف.

وحتى المستشارة السابقة أنجيلا ميركل التي تنتمي لحزب محافظ هو الحزب المسيحي الديمقراطي، استمرت باعتماد سياسة الـ«أوست بوليتيك»، بجزء كبير بسبب تاريخها الشخصي ولكونها هي كبرت في شرق ألمانيا رغم أنها مولودة في الغرب. وقبل أن تتسلم هي السلطة في عام 2005، كان قبلها غيرهارد شرودر المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي وهو حزب كان فعلياً حزباً شيوعياً في شرق ألمانيا قبل الوحدة.
ولكن سياسة الـ«أوست بوليتيك» هذه التي بدأت بسبب التاريخ، استمرت بسبب الخوف من تكرار هذا التاريخ. ويترجم هذا بالدمار الهائل الذي ما زال واضحاً في الكثير من معالم برلين وهو دمار من مخلفات الحرب العالمية الثانية والقصف الهائل الذي تعرضت له المدن مع دخول السوفيات. وهو يظهر كذلك بالمجسمات السوفياتية الضخمة وسط العاصمة وبقايا الجدار الفاصل، وأيضاً بنقاط التماس المتبقية مثل «نقطة تفتيش تشارلي» الشهيرة التي تحولت اليوم معلماً سياحياً وسط العاصمة ولكنها كانت نقطة تمترس للدبابات الأميركية مقابل الدبابات السوفيات لسنوات.
كل هذا يذكر الألمان ليس فقط بأن تحريرهم من النازيين كان على يد السوفيات، ولكن أيضاً يذكرهم بأن إعادة توحيد بلادهم كان أيضاً بسببهم أي بفضلهم، وتحديداً بفضل زعيمهم الأخير ميخائيل غورباتشوف. وبالنسبة للألمان، السوفيات ليسوا فقط من حررهم ولكنهم كانوا قوات احتلال قسمت بلادهم ونصبت جداراً بين القسمين، ومنعت قاطني قسمهم الشرقي من المغادرة، وأخضعتهم لمراقبة خانقة وقوانين مقيدة.
ولكن مؤخراً أضيفت إلى هذه العلاقة المعقدة تاريخياً بين ألمانيا وروسيا، والتي وقفت طويلاً حاجزاً أمام وقوف برلين كلياً إلى جانب الغرب، عوامل اقتصادية تسهم اليوم في تردد برلين في الانضمام للغرب بشكل كلي في معاقبة روسيا على غزوها أوكرانيا. فألمانيا تحولت في السنوات الأخيرة إلى أكبر شريك تجاري لروسيا بعد الصين، وهي تعتمد في ثلث طاقتها تقريباً على الغاز الروسي الذي يصلها اليوم عبر أنابيب غاز تمر في أوكرانيا تعرف بمشروع نورد ستريم 1.

هذا الاعتماد زاد مؤخراً بعد إعلان ميركل إغلاق المعامل النووية التي كانت تولد الطاقة إثر حادث فوكوشيما عام 2011، وأدى إلى مشروع نورد ستريم 2 الذي يمكنه أن يصل الغاز الروسي مباشرة من روسيا إلى ألمانيا. ورغم التحذيرات الأميركية والأوروبية لسنوات لألمانيا من المضي قدماً بهذا المشروع، وفرض واشنطن عقوبات عليه لأنه يزيد من تأثير روسيا الجيوسياسي على ألمانيا، بقيت ميركل وحكومة أولاف شولتس (الاشتراكي) متمسكة بالمشروع على أنه اقتصادي بحت. وكان من أكبر المروجين لهذا المشروع مستشار ألمانيا السابق غيرهارد شرودر المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي يجلس في مجلس إدارة المشروع.
ورغم أن نورد ستريم 2 تكلف قرابة 11 مليار يورو، فقد قررت حكومة شولتس قبل أيام وقف العمل به، على الأقل مؤقتاً ريثما تراجع تأثيراته الأمنية عليها. وهذا القرار رغم أنه جاء متأخراً، ولكنه أظهر جرأة الحكومة الألمانية التي ذهبت بعيداً وبسرعة، بشكل أساسي بسبب حزب الخضر المشارك بالحكومة والذي يدير الخارجية والاقتصاد من بين حقائب أخرى. وحتى معارضتها لفرض عقوبات على روسيا تتعلق بمنعها من استخدام نظام «سويفت» للتحويلات المالية، تنبع من مخاوفها من أزمة طاقة وعدم قدرتها على الدفع لروسيا في حال منعها من التعامل بالنظام المالي العالمي، في وقت ترتفع فيه أسعار الطاقة بشكل جنوني في فصل شتاء ما زال لم ينته.
ولم تتوقف الحكومة الألمانية عند ذلك، بل يبدو بأنها تراجعت كذلك عن خطوط حمر حددتها الأحزاب الألمانية جميعها لنفسها بسبب تاريخها، تتعلق بعدم تصدير الأسلحة إلى مناطق نزاع. فقد أعلنت حكومة المستشار اولاف شولتس انها ستزود اوكرانيا «في اسرع وقت» ألف قاذفة صواريخ و500 صاروخ ارض-جو من طراز ستينغر لمساعدتها في مواجهة هجوم الجيش الروسي. وقال شولتس في بيان إن «العدوان الروسي على اوكرانيا يشكل نقطة تحول، إنه يهدد النظام الذي نشأ منذ ما بعد الحرب» العالمية الثانية، مضيفا «في هذا الوضع، من واجبنا أن نساعد اوكرانيا بقدر ما نستطيع، في الدفاع عن نفسها ضد جيش فلاديمير بوتين الغازي».
الخطوات السريعة والمتتالية التي تأخذها ألمانيا في اليومين الماضيين تشير إلى أنها تقترب من التصالح مع ماضيها والمضي قدماً في إعادة تقييم المخاطر الأمنية من دون أن تطاردها أشباح الماضي، وهي فعلاً خطوات عملاقة لبلد يعيش يومياً وصمة وعار ما اقترفه قبل 70 عاماً.



«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».