أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة

بعد المواقف المتحفظة في «مؤتمر ميونيخ للأمن»

أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة
TT

أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة

أوكرانيا تضع أوروبا والتحالف الغربي أمام حقائق جديدة

في وقت كانت روسيا تُجري فيه مناورات عسكرية مع بيلاروسيا (روسيا البيضاء) تأهباً لحربها على أوكرانيا، وقبل أيام قليلة من شنها الحرب ودخول جنودها الأراضي الأوكرانية، وقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منبر «مؤتمر الأمن» في مدينة ميونيخ بجنوب ألمانيا، ليتهم الغرب باللجوء إلى «سياسة المهادنة» مع موسكو. ومن ثم، دعا الرئيس الأوكراني الدول الغربية إلى التخلي عن هذه السياسة وتبني سياسة أخرى «تضمن الأمن والسلام».
كان وقع كلمات زيلينسكي في تلك اللحظات كبيراً. فهو - أو كاتب خطابه - كما كان واضحاً يشير إلى تاريخ ميونيخ مع «سياسة المهادنة»، أو ما يعرف أيضاً – وهو تعبير أدق – بـ«سياسة الاسترضاء». فالمدينة نفسها غدت بعد الحرب العالمية الثانية مرادفاً عند البعض لعبثية هذه السياسة التي يمكن تعريفها في السياسة الخارجية بأنها «خطوات استرضاء» يتخذها طرف في محاولة «ساذجة في تفاؤلها» لحثّ طرف عدواني على التراجع وتجنب وقوع حرب كبرى.
ذلك أنه من ميونيخ، وفي مؤتمر عقد في مكان غير فندق باييريشر هوف الشهير، الذي يستضيف «مؤتمر الأمن» سنوياً، خرج أشهر مثال لهذه السياسة التي اعتمدها رئيس الوزراء البريطاني عام 1938 نيفيل تشامبرلين مع الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر.
يومذاك، وافق تشامبرلين على أن يضم هتلر أجزاء من تشيكوسلوفاكيا إلى ألمانيا، بعدما كان قد ضم النمسا من دون كلمة اعتراض من أحد. ولقد جاءت موافقة رئيس الوزراء البريطاني مقابل تعهد من الزعيم النازي بأن يوقف زحفه على باقي أوروبا. ولكن، كما أثبتت الأحداث، كانت تلك الخطوة التي خرج بعدها تشامبرلين معتقداً أنه انتصر، السبب في الحرب العالمية الثانية. إذ إنها شجّعت هتلر على التقدم أكثر، وقضم أراضٍ إضافية من أوروبا وضمها إلى ألمانيا. ولقد تطلب وقف هتلر جهد رئيس وزراء بريطاني آخر، هو ونستون تشرتشل، في بناء تحالف دولي يهدف إلى وقفه وإنهاء الحرب. ومن ثم، رغم أن «مؤتمر الأمن» الأخير في ميونيخ عقد بعد 84 سنة على لقاء تشامبرلين - هتلر في عاصمة ولاية بافاريا الألمانية، فإن صدى المؤتمر الأول ظل يتردد داخل فندق باييريشر هوف الراقي في العام 2022.

لم يشهد «مؤتمر ميونيخ للأمن» طوال سنواته الماضية تجمعاً غربياً موحداً مثل الذي شهده هذا العام. إذ طغى على الحضور رؤساء حكومات ورؤساء ووزراء خارجية ودفاع من دول غربية في أوروبا بجانب الولايات المتحدة، مع غياب لافت لأي مسؤول روسي أو صيني. والواقع أن المنبر السنوي لم يعد يشبه ما كان عليه في السنوات السابقة، إذ تحوّل من مكان للحوار والتبادل الدبلوماسي، إلى مكان للحشد ضد روسيا الغائبة للمرة الأولى منذ فترة طويلة، وإرسال تحذيرات لها من استمرار تصعيدها ضد أوكرانيا.
لقد وقف الزعماء الغربيون مداورةً على منصة المؤتمر لتأكيد وقوفهم إلى جانب كييف أمام التصعيد الروسي الذي لم يكُن قد تحوّل إلى غزو عسكري بعد، وهو ما بدأ بعد أيام قليلة على اختتام أعمال المؤتمر.
من المستشار الألماني أولاف شولتز إلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ونائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس وغيرهم، صدرت تحذيرات متتالية وتهديدات بعقوبات مؤلمة وعواقب وخيمة على موسكو إذا ما حركت جنودها أكثر... ودخلت أراضي أوكرانيا.

- كلام زيلينسكي الصريح
كان واضحاً في كلمات الزعماء الغربيين أن ذكرى «اتفاق ميونيخ» البائس عام 1938 تطاردهم. فبدوا حريصين على تحاشي تكرار أخطاء الماضي وتجنب الظهور وكأنهم يهادنون روسيا. غير أن الرئيس الأوكراني الذي وصل صباح اليوم الثاني من أيام المؤتمر، رغم التحذيرات الأميركية من مغادرته كييف، وغادر مساء اليوم نفسه، اتهمهم تحديداً بذلك.
لقد طالب الرئيس فولوديمير زيلينسكي القادة المجتمعين بأن يباشروا فرض العقوبات على روسيا فوراً، وألا ينتظروا حتى تبدأ بغزو بلاده. كذلك اعتبر زيلينسكي تهديداتهم مجرد «إشارات فارغة» ما لم تقترن بأفعال. وقال مذكراً حضوره الغربي بآثار «سياسة المهادنة» بلهجة تحذيرية: «ما الذي ستؤدي إليه محاولات المهادنة؟ فيما تحول السؤال؛ لماذا نموت لأجل دانزيغ؟ إلى الحاجة للموت لأجل دانكرك وعشرات المدن في أوروبا والعالم، بتكلفة عشرات ملايين الأرواح...». في إشارة صريحة إلى تقاعس العالم في الدفاع عن بولندا عندما غزاها هتلر، وهو ما شجعه على التقدم أكثر والتسبب بتفجير الحرب العالمية الثانية.
وتابع الرئيس الأوكراني كلامه، فانتقد أيضاً رفض السماح لبلاده بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «ناتو». وقال إن بلاده تخلت عام 1994 عن ترسانتها النووية، التي كانت ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، مقابل ضمانات أمنية وقّعت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا. ومن ثم تساءل: «ما الذي حصل لهذه الضمانات؟»، وتابع يقول إن «هندسة أمن العالم ضعيفة، وبحاجة إلى تحديث. القواعد التي اتفق عليها العالم قبل عقود لم تعد تعمل، ولا تفيد أمام التهديدات الجديدة... إنها جرعة دواء سعال، بينما المطلوب لقاح ضد فيروس (كوفيد 19)».

- التذكير بخطاب بوتين قبل 15 سنة
زيلينسكي لم يشر في خطابه فقط إلى ما حصل عام 1938 في ميونيخ، بل تطرّق أيضاً إلى نقطة «تاريخية» أخرى في عمر عاصمة بافاريا، حين اعتلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منبر «مؤتمر الأمن» قبل 15 سنة، وقرأ خطاباً أثار صدمة لدى الحاضرين، وفي حينه قال كثيرون آنذاك إنه أظهر الوجه الحقيقي للزعيم الروسي.
يومذاك، اتهم بوتين الولايات المتحدة بـ«الخبث» وبـ«السعي لاستحداث عالم أحادي القطب». والأهم من ذلك، أنه استنتج خلال خطابه بعد 30 دقيقة أن النظام الليبرالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة لا يهم روسيا.
هذا الخطاب، تحديداً، هو الذي عاد الرئيس الأوكراني ليذكّر به الحضور رغم مرور 15 سنة. إذ قال: «من هنا قبل 15 سنة أعلنت روسيا نواياها بأنها ستتحدى الأمن العالمي. ماذا فعل العالم؟ هادن. ما النتيجة؟ على الأقل ضم القرم وعدوان ضد بلدي».
بعد خطابه، لم يبق زيلينسكي طويلاً. بل عقد لقاءات معدودة مع الزعماء الغربيين، ثم غادر عائداً إلى بلاده. لقد كان واضحاً أن حضوره كان مدروساً، هدفه تذكير دول الغرب بواجباتها والاستفادة من دروس التاريخ. فهو تغاضى عن تحذير الرئيس الأميركي جو بايدن له قبل يوم بضرورة ألا يغادر العاصمة الأوكرانية كييف في وقت حساس. ثم إنه لم يقدّم الشكر للقادة الأوروبيين، ولا الغربيين لوقوفهم إلى جانب كييف «كلامياً»، بل اتهمهم بأنهم غير جادين، وبأنهم يدفعون بلاده «لتتسول» الحماية والدعم العسكري. وفي هذا الكلام، لم ينتقد زيلينسكي حلف «ناتو» الذي يرفض إعطاء أوكرانيا مهلة زمنية لضمها، ما يعني أنه لن يكون مجبراً على الدفاع عنها في حال شن هجوم عليها، بل انتقد أيضاً ألمانيا تحديداً، لرفضها إرسال أسلحة إلى كييف «بسبب تاريخها».

- انتقاد موقف ألمانيا
الواقع أن برلين كرّرت موقفها هذا، حتى عندما واجه عمدة كييف، الذي كان موجوداً وسط الحضور، وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيروبوك في إحدى الجلسات الحوارية. وعندها وقف العمدة والمصارع السابق فيتالي كليشكو، بقامته الضخمة، بين الحضور، وقال لبيربوك: «شكراً لإرسال 5 آلاف خوذة، ولكن هذا ليس كافياً. لا يمكننا أن ندافع عن بلدنا بها». فردّت بيربوك بتكرار الكلام عن دروس التاريخ التي لا تسمح لألمانيا بتسليح دول إبان النزاعات، قبل أن تضيف أن برلين «تبذل قصارى جهدها للتركيز على الدبلوماسية لحل التصعيد مع روسيا».
هذا، وكانت الحكومة الألمانية قد تعرضت لانتقادات شديدة بعد إرسالها خوذاً ومستشفيات عسكرية إلى أوكرانيا، خاصة أنها ثالث أكبر مصدّر للسلاح في العالم، في حين ترسل الولايات المتحدة وبريطانيا منذ أسابيع طائرات مليئة بالأسلحة لكييف. ثم إن رفض استمرار برلين إرسال أسلحة إلى أوكرانيا، يأتي رغم أنها خرجت في الماضي عن الأطر التي كانت حددت فيها نفسها، وأرسلت أسلحة مثلاً لـ«البيشمركة» الأكراد في شمال العراق طوال السنوات الماضية التي كانت القوات الكردية تقاتل فيها «تنظيم داعش». وكانت تلك المرة الأولى التي ترسل فيها ألمانيا أسلحة إلى مناطق نزاعات.
لكن الدبلوماسية التي تحدثت عنها بيربوك كانت غائبة عن المؤتمر الأمني، رغم أن وزيرة الخارجية الألمانية عقدت اجتماعاً على هامشه مع فرنسا وأوكرانيا، ضمن «صيغة النورماندي». وكان الطرف الرابع والأهم في هذه المجموعة، التي أسست لمناقشة تطبيق «اتفاقية مينسك» الموقعة عام 2014 والتي تهدف للحوار بين كييف وموسكو، كان غائباً. غياب روسيا عن المؤتمر كان بإرادة الكرملين، الذي رفض الدعوات المتكرّرة لإرسال ممثلين عنه «لعرض وجهة نظره» من الأزمة، بحسب ما قال رئيس المؤتمر.
وبالفعل، لم تمضِ 24 ساعة على انتهاء «مؤتمر ميونيخ للأمن» ومغادرة الزعماء، كل إلى بلده، حتى بدأت روسيا التصعيد بشكل كبير، فأعلنت الاعتراف بـ«جمهوريتي» دونيتسك ولوغانسك الانفصاليتين، وتبعت الخطوة بإرسال جنودها كـ«قوات حفظ سلام» إلى الإقليمين، لتتبعها ببدء غزو أوكرانيا.

- نداء يقظة للأوروبيين
من دون شك، تحول «المؤتمر» هذا العام إلى نداء يقظة بالنسبة للأوروبيين. إذ عاد النقاش بقوة حول جيش أوروبي قادر على الانتشار بسرعة وحماية حدود القارة في حالات لا يمكن لـ«ناتو» أو للولايات المتحدة التدخل مباشرة، كما هو حاصل الآن في أوكرانيا. وهذا النقاش قديم يتجدد كل سنة، وعادة لا يتعدى أيام «المؤتمر» الثلاثة، غير أنه هذا العام قد تكون له أصداء أكثر واقعية وجدية في ضوء التهديد الروسي للقارة الأوروبية، وعجز «ناتو» عن مواجهة روسيا، لكون أوكرانيا ليست عضواً في الحلف. وهو ما يعني أن الحلف غير مجبر على الدفاع عنها. واللافت أنه رغم كل هذه التحذيرات الغربية خلال الأيام التي سبقت الغزو الروسي، والتوقعات القائلة بأن روسيا ستدخل فعلاً إلى أوكرانيا، فقد شكل بدء العملية العسكرية مفاجأة في أوروبا.
من ناحية أخرى، أبرز ما أظهره فعلاً «مؤتمر ميونيخ» هذه المرة، هو متانة العلاقة عبر الأطلسي بعد سنوات من الصلات المتوترة في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب. فالمؤتمر الذي عادة ما يكون منبراً لمناقشة العلاقات الأوروبية - الأميركية، وتشارك فيه سنوياً وفود أميركية كبيرة من الكونغرس، عاد هذا العام وأكد على متانة هذه العلاقة. وحرصت نائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس، ووزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن، على تكرار تعبير «قوتنا في وحدتنا»، وهو تعبير أيضاً تكرر على لسان المسؤولين الأوروبيين الآخرين الذين تنفس كثيرون منهم الصعداء بعد رحيل ترمب الذي ترك آثاراً موجعة في سنوات سابقة من المؤتمر. وكانت لحظة امتناع الحاضرين عن التصفيق إبان مؤتمر العام 2018 عندما ذكر نائب الرئيس الأميركي - آنذاك - مايك بنس اسم دونالد ترمب، وقال إنه يأتي حاملاً معه تحياته الحارة، مؤشراً على مدى تدهور العلاقات بين الأوروبيين والأميركيين في عهد الرئيس السابق.
وحرصت هاريس هذا العام في كلمتها أمام المؤتمر على التأكيد أن الولايات المتحدة وأوروبا تقفان سوياً في مواجهة روسيا. وقالت تعليقاً على التصعيد العسكري الروسي الذي كان مجرد حشود عسكرية على الحدود مع أوكرانيا: «لقد حققنا وحدة لافتة مع حلفائنا (الأوروبيين)، وهذا واضح من خلال اعترافنا المشترك بالتهديدات، وردّنا الموحّد عليها وتصميمنا على حفظ الأمن والسلم العالميين». وأردفت: «نحن وحلفاؤنا أقرب معاً، وهدفنا ورؤيتنا المشتركان واضحان».
ورغم ذلك، فإن هذه الوحدة الغربية التي ظهرت في ميونيخ بوجه روسيا، عكست أيضاً واقعاً جديداً سيكون على الأوروبيين التعامل معه. إذ جاء في تقرير لـ«المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» أنه على الرغم من الوحدة الغربية في مؤتمر ميونيخ فإن «إدارة بايدن أوضحت أنه لا يمكن منح ضمانات عسكرية إلا للأطراف الأعضاء في (ناتو)، وأن أقصى ما يمكن تقديمه للدول خارج الحلف هو فرض عقوبات وإرسال معدات عسكرية والانخراط في الدبلوماسية». وأضاف «المجلس» - وهو مركز أبحاث مرموق يتخذ من برلين مقراً له - في تقريره أن «توسيع (ناتو) لأي دول، باستثناء فنلندا والسويد، ليس مطروحاً بتاتاً، وهذا قد يكون صحيحاً أيضاً بالنسبة لعضوية الاتحاد الأوروبي».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.