تداعيات «عاصفة الحزم» تدفع المجتمع الدولي لإعادة صياغة سياساته تجاه طهران

تزايد الاتهامات لإيران بتصدير التطرف والفوضى في منطقة الشرق الأوسط

الرئيس الأميركي باراك أوباما، و الرئيس الإيراني حسن روحاني
الرئيس الأميركي باراك أوباما، و الرئيس الإيراني حسن روحاني
TT

تداعيات «عاصفة الحزم» تدفع المجتمع الدولي لإعادة صياغة سياساته تجاه طهران

الرئيس الأميركي باراك أوباما، و الرئيس الإيراني حسن روحاني
الرئيس الأميركي باراك أوباما، و الرئيس الإيراني حسن روحاني

دفعت تداعيات «عاصفة الحزم» المجتمع الدولي للتحرك في طريق إعادة صياغة سياساته تجاه طهران، في وقت اتهم فيه سياسيون غربيون إيران بتصدير التطرف والفوضى في منطقة الشرق الأوسط، محذرين من مغبة الموافقة على الاتفاق الخاص ببرنامجها النووي المقرر له نهاية شهر يونيو (حزيران) المقبل. يأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد نشاط المعارضة الإيرانية في الأوساط الدولية القلقة من نيات إيران، وكذا تحركها في الداخل للحشد بمناسبة ذكرى عيد العمال (اليوم) الأول من مايو (أيار) ضد سياسات النظام الاقتصادية والكلفة الباهظة لتدخلاته في دول الإقليم، خاصة العراق وسوريا واليمن.
وربط عدد من السياسيين والدبلوماسيين الغربيين والإيرانيين المعارضين بين المفاجأة التي حققتها «عاصفة الحزم» وتنبه القوى الدولية للخطر الإيراني وتمدده في المنطقة مع مساعيه لامتلاك السلاح النووي. وفي هذا السياق، وبعد نحو أسبوعين من إثارة قضية تصرفات إيران في الشرق الأوسط في لقاءات عقدت في باريس ولندن، نظمت اللجنة الفرعية للجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي، مساء أول من أمس (الأربعاء)، جلسة استماع حول إيران والإرهاب والأسلحة النووية.
وكانت لجنة الكونغرس تتحدث عن خطر «داعش»، لكن شهادات سياسيين غربيين وإيرانيين معارضين، أشارت بأصابع الاتهام، بشأن تنامي التطرف وسياسات نشر الفوضى، إلى إيران، على الرغم من قول السياسيين الإيرانيين الرسميين إن بلادهم تسعى إلى التعاون مع بلدان المنطقة وتعمل على محاربة تنظيم داعش. ومن بين من استمعت لجنة الكونغرس إلى شهاداتهم، لأول مرة، المعارضة الإيرانية المعروفة التي تقيم في المنفى منذ سنوات، مريم رجوي.
وخاطبت السيدة رجوي اللجنة عبر نظام «الفيديو كونفرنس» بالأقمار الصناعية، من مقرها في شمال باريس، وقالت إن بؤرة التطرف في منطقة الشرق الأوسط هو النظام الإيراني، وأنه و«داعش»: «تنظيمان متطرفان يتنافسان على الهيمنة على العراق»، وشدّدت على ضرورة وقوف العالم ضد التطرف سواء أكان سنيا أم شيعيا، والوقوف ضد الانتشار النووي.
وتترأس رجوي ما يعرف باسم «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية» الذي أشرف خلال اليومين الماضيين على تنظيم فعاليات مباشرة وأخرى عبر الإنترنت مع شخصيات غربية وعربية، لوحظ فيها تعضيد «عاصفة الحزم» ووصفها بأنها أول وقفة قوية في وجه التمدد الإيراني بالمنطقة.
ومن بين من شاركوا في هذه الفعاليات القائد العسكري الأميركي السابق في العراق، العقيد ويسلي مارتين، الذي وجه انتقادات عنيفة تجاه عدوانية النظام الإيراني بالمنطقة، داعيا إلى النظر إلى تداعيات «عاصفة الحزم» التي يقوم بها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بعين الاعتبار، بعد أن أثبتت للإيرانيين أن تدخلهم في اليمن لن يمر مرور الكرام. ومثل كثير من السياسيين والمراقبين الغربيين، ينظر مارتين بتشكك إلى سياسات بلاده مع إيران، قائلا لـ«الشرق الأوسط»، إن واشنطن لا تفعل، على ما يبدو، المطلوب منها لكبح جماح نظام طهران.
وكانت بعض الجهات في الولايات المتحدة تتحفظ على التعامل مع السيدة رجوي، قائلة إنها ترأس منظمة إرهابية، لكن موافقة الكونغرس على أن تشارك في الإدلاء بشهادتها عن الوضع بالمنطقة جاء ليدلل على تغير الموقف الأميركي، ورغبة بعض النواب في فتح أبواب التواصل مع المعارضة الإيرانية سواء في داخل البلاد أو في خارجها. وسبق هذا الإجراء توقيع عدد من المسؤولين الأميركيين السابقين على بيان ترحيب بدعوة الكونغرس للسيدة رجوي.
قالت رسالة الترحيب التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها: «نحن الموقعين أدناه، نرحب بقرار اللجنة الفرعية للإرهاب ومنع انتشار الأسلحة النووية والتجارة في اللجنة الخارجية للكونغرس حول دعوة السيدة مريم رجوي للإدلاء بشهادتها حول التطرف في جلسة الاستماع للجنة».
وأضافت الرسالة أن «السيدة رجوي باعتبارها امرأة مسلمة داعية لقراءة متسامحة وديمقراطية عن الإسلام وللحريات الفردية وفصل الدين عن الدولة والمساواة بين الرجل والمرأة، وترفض تطبيق منهج المتطرفين وهي نقيضة لحكام إيران المعادين للمرأة ونقيضة لجميع المتطرفين.. إن التجربة التي تحظى بها السيدة رجوي باعتبارها شخصية قيادية على رأس حركة شعبية مناهضة للديكتاتورية الدينية الحاكمة في إيران، تجعلها شخصية مناسبة للإدلاء بشهادتها حول هذا الملف الهام».
وبالإضافة إلى كلمتها عبر الفيديو كونفرنس، التي اطلعت عليه «الشرق الأوسط»، قدمت السيدة رجوي أيضا شهادة مكتوبة إلى لجنة الكونغرس، حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، وتحدثت فيها عن طموحات الثورة الإيرانية منذ قيامها بقيادة خميني عام 1979، في استخدام العراق کنقطة انطلاق للزحف على العالمين؛ العربي والإسلامي. وأضافت أن «المخاوف بشأن هذا التعدي تنمو باستمرار بين كثير من صانعي السياسات والمحللين، بينما تستمر إيران لترسيخ نفوذها ليس فقط في العراق فحسب، ولكن أيضا في سوريا واليمن وأماکن أخرى».
وحذرت من المزاعم التي يطلقها النظام الإيراني عن قدرته على محاربة «داعش»، وقالت إنه في حال التسليم بهذا الأمر، فإنه لن يؤدي إلا إلى استبدال تهديد التطرف من واحد (داعش) إلى غيره (نظام طهران)، مشيرة إلى أن التطرف الديني، باسم داعش، أو الميليشيات الشيعية، بات يجتاح المنطقة وبشدة، بل أكثر منها، وصولا إلى الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
وشدّدت رجوي على أن «النظام الإيراني مصدر رئيسي للتطرف في المنطقة والعالم.. إنهم، مثلهم مثل (داعش)، لا يعترفون بأي حدود.. الاقتحام والعنف يشكلان خاصيتين مشتركتين للمتطرفين سواء أكانوا من السنة أو من الشيعة»، قائلة إن «البحث عن عناصر معتدلة داخل النظام الإيراني أو داخل (داعش) مجرد وهم وسراب». وأضافت أن حكام طهران «يريدون الحصول على السلاح النووي من أجل تصدير الثورة وضمانا لبقائهم في السلطة»، لافتة إلى أن الأغلبية العظمى من الشعب الإيراني، كما حدث في احتجاجات 2009، تطالب بتغيير النظام الذي أخذ يستعرض عضلاته مستغلا ضعف السياسات الغربية في مواجهته.
ومثلما فعل تحالف «عاصفة الحزم»، دعت رجوي إلى تشكيل تحالف دولي للقضاء على التطرف سواء كان شيعيا أو سنيا، على أن يقوم باتخاذ خطوات محددة على رأسها طرد قوات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني من العراق وإنهاء نفوذ النظام الإيراني هناك، وإشراك المكون السني العراقي في السلطة وتسليح العشائر السنية وأن تتولى هذه العشائر الملف الأمني المحلي بالعراق.
كما دعت إلى دعم ومساعدة المعارضة الإيرانية والعمل على قطع جميع الطرق على النظام الإيراني للحيلولة دون حصوله على القنبلة النووية، وكذلك تعضيد المعارضة السورية المعتدلة لإسقاط ديكتاتورية نظام الرئيس بشار الأسد، وغيرها من المطالب.
وبعد نحو شهر من انطلاقها وتحقيقها متغيرات جذرية على الأرض في اليمن، أصبح من المعتاد أن تجد مصطلح «عاصفة الحزم» في كثير من الأدبيات السياسية المتداولة في الأوساط الغربية، من جانب، ومن جانب آخر، بين المعارضين الإيرانيين في الداخل والخارج، باعتبارها مؤشرا على إمكانية التصدي لطموحات النظام الإيراني في المنطقة.
وقالت مصادر المعارضة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني من طهران، إن الألوف من العمال والطلاب أصبحوا يربطون في احتجاجاتهم ضد النظام، بين تدني المستوى المعيشي وتراجع الخدمات، وحروبه في المنطقة وعلى رأسها خسائره في عملية «عاصفة الحزم».
وأضافت مصادر المعارضة في الداخل أنه لوحظ في عدة مظاهرات عمالية وفئوية تفجرت خلال الأسبوعين الأخيرين في عموم البلاد، بعضها في شركات «البتروكيمياويات» والصناعات الحديدية، أنها رفعت لافتات انتقدت فيها دعم بلادهم للحوثيين في اليمن ولنظام الأسد في سوريا، ولحكومة العراق في صراعها مع المكونات السنية في البلاد، في مقابل وجود تدني في الرواتب وتأخر في صرف المعاشات ومستحقات العمال، مشيرة إلى وجود زخم مماثل بين طلاب الجامعات.
وتابع أحد هذه المصادر قائلا إن الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها عدة جامعات خلال اليومين الماضيين، ومنها جامعة «هنر» وجامعة «برند» وجامعة «العلوم التطبيقية»، ارتفع فيها صوت الطلاب المنتقدين لتدخلات طهران بالمنطقة و«جرها لعداوات بلدان الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وإنفاق إيران أموالا طائلة لهذا الغرض، بينما يوجد نقص كبير في حافلات نقل الطلاب، إلى جانب ارتفاع أسعار الأجرة، وتراجع عدد المعامل المخصصة للتجارب التطبيقية في الكليات العملية، وغيرها».
وبينما تمكنت المعارضة الإيرانية في الخارج من التواصل مع شركائها في الداخل، لزيادة الفعاليات والاحتجاجات ضد ممارسات النظام، تستعد لعقد تجمعها السنوي في باريس يوم 13 يونيو المقبل، بحضور شخصيات دولية. وقال أحد القادة المعارضين المنظمين لهذا التجمع إن «عاصفة الحزم» وتداعياتها «أربكت حسابات النظام الإيراني، ونحن نضع هذا في الحسبان.. سيتطرق التجمع المعارض في باريس إلى فشل إيران في اليمن، باعتباره مقدمة لتخبط النظام في سياساته داخليا وخارجيا».
في السياق نفسه، قال وزير الخارجية الإيطالي السابق، جوليو ترتزي، في تصريحات لقناة «الحرية» الإيرانية التي يديرها معارضون من الخارج، إن تجمع باريس «هام للغاية، وسيتناول جانبا مهما للأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. من المتوقع أن نرى مشاركة واسعة لشخصيات دولية»، بينما أشار الرئيس السابق للوفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع العراق، ستروان ستيفنسون في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» عبر الإنترنت من بريطانيا، إلى أن «تجمع باريس»، الذي شارك فيه عدة مرات في السابق، يضم جماهير واسعة من الإيرانيين المتطلعين للتغيير في بلادهم، معربا عن اعتقاده بأن غالبية الشعب صار يعارض حكم التطرف الديني في إيران.
وأعرب عضو مجلس الأعيان البريطاني، اللورد توني كلارك، رئيس حزب العمال الأسبق، في رسالة وجهها للمعارضين الإيرانيين المنظمين لـ«تجمع باريس» المقبل، عن قلقه مما سماه «سياسة المساومة والتسامح تجاه برنامج إيران النووي»، قائلا إن هذا قد يأتي من منطلق أنهم يريدون اضطهاد العالم، وليس الشعب الإيراني فقط، ولهذا بدأوا من منطقة الشرق الأوسط. بينما قال أوتو بيرنهارد، وهو ألماني يرأس لجنة للتضامن ضد نظام الحكم في طهران: لو نظرنا للمعارك في اليمن وسوريا والعراق سنلحظ أن التطرف ينبع من «النظام الإيراني».
وفي رده على أسئلة «الشرق الأوسط» بهذا الخصوص يقول باراك بارفي، الباحث في مؤسسة أميركا الجديدة، إن سياسات واشنطن، وتحديدا الرئيس باراك أوباما، تجاه إيران أصبحت محل انتقادات، لأنها في النهاية تترك فراغا في المنطقة تستغله إيران، وتؤدي لنتائج خطرة على المصالح الأميركية في المنطقة.
ومثلما خصصت لجنة الكونغرس إحدى جلساتها لمحاولة فهم ما يجري في الشرق الأوسط، بعد أيام من الإعلان عن انتهاء عملية «عاصفة الحزم» وتنفيذ عملية «عاصفة الأمل»، بدأت المخاوف الغربية تتزايد مع اقتراب موعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران. تقول المصادر الغربية إن كثيرا من الشركات الكبرى تضغط في اتجاه توقيع الاتفاق حتى تتمكن، بعد رفع العقوبات عن إيران، من فتح مجالات للعمل في هذا البلد المصدر للنفط، حيث إنه من المتوقع أن تبلغ قيمة الاستثمارات الغربية هناك مليارات الدولارات، و«هو أمر ينتظره الرئيس الإيراني حسن روحاني ونظامه على أحرّ من الجمر، للخروج من مأزقهم». لكن في المقابل، ووفقا للمصادر نفسها، بدأ نواب غالبيتهم من الجمهوريين في التنبيه إلى مخاطر منح إيران هذه الفرصة في وقت تقوم فيه بالعبث بأمن المنطقة وتهديد أهم ممر مائي في العالم (باب المندب)، والإصرار على إنتاج الأسلحة النووية.



الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)
صراع النفوذ داخل الجماعة الحوثية يتطور إلى اشتباكات في مقار أمنية (إ.ب.أ)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.