بينما كان الدبلوماسيون في اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في اللحظة الأخيرة يطالبون بالسلام، بدأت النيران الروسية تنهمر على أوكرانيا.
في ليلة مؤلمة، تميزت بخطاب من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بدا كأنه تأبين للديمقراطية، انتهت عقود من السلام بين الدول على اليابسة الأوروبية بانفجارات مدوية في العديد من المدن الأوكرانية.
في غضون ساعات، أظهر بث الفيديو المباشر رتلاً من المركبات العسكرية يتدفق إلى البلاد من بيلاروسيا، حيث كانت القوات الروسية محتشدة. وسرعان ما اندلعت انفجارات مدوية في العاصمة كييف، حيث أطلقت صفارات الإنذار من الغارات الجوية، مما ينذر بأزمة جديدة خطيرة لعالم تعصف به الاضطرابات بالفعل، وفقاً لتقرير لشبكة «سي إن إن».
https://twitter.com/ZelenskyyUa/status/1496787304811315202?s=20&t=ErXwedDm_AYqa-KRXhtJ8w
وسيتردد صدى هجوم الرئيس فلاديمير بوتين الذي طال الخوف منه إلى ما هو أبعد من روسيا وجارتها. وستترتب على ذلك عواقب تشمل زيادة مؤلمة في أسعار الغاز المرتفعة بالفعل للأميركيين الذين يكافحون للخروج من جائحة نادرة. وقد يؤدي ذلك إلى إحياء الحرب الباردة التي بدت ذات يوم من بقايا التاريخ، مما يخلق مواجهة جديدة محفوفة بالمخاطر بين الولايات المتحدة وروسيا، أكبر قوتين نوويتين في العالم. سيكشف الرئيس الأميركي جو بايدن النقاب عن مجموعة العقوبات الأكثر قسوة على الإطلاق ضد روسيا عندما يخاطب الأمة في وقت لاحق اليوم الخميس.
* أميركا تواجه أزمة جديدة خطيرة
بصرف النظر عن التحدي الذي يواجه النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، سيدفع الأميركيون ثمن هذا الهجوم.
من المؤكد أن أسعار الغاز سترتفع، وكذلك معدلات التضخم. تجاوز سعر النفط مستوى 100 دولار للبرميل بمجرد بدء الهجوم الروسي تقريباً.
وبما أن بوتين كان يطالب بالانسحاب من حلف «الناتو» في الدول التابعة للاتحاد السوفياتي السابق التي انضمت إلى المنظمة، فهذه هي أزمة أميركا أيضاً. لن ترسل الولايات المتحدة قوات لمحاربة روسيا مباشرة في أوكرانيا، بالنظر إلى أن أوكرانيا ليست عضواً في الناتو؛ أي إنها لا تتمتع بضمانات الدفاع المتبادل للحلف. لكن من شبه المؤكد أن واشنطن ستضطر إلى إعادة قواتها لدعم حلفائها الأوروبيين وإلى القواعد التي بدأوا في مغادرتها قبل 30 عاماً. تبدو دول البلطيق؛ لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، معرضة للخطر فجأة، وعلى عكس أوكرانيا، فهي دول أعضاء في «الناتو» تلتزم الولايات المتحدة بالدفاع عنها. هناك أيضاً احتمال حدوث تمرد تموله الولايات المتحدة في أوكرانيا، مما يزيد من احتمالية نشوب حرب جديدة بالوكالة بين واشنطن وموسكو.
https://twitter.com/POTUS/status/1496695560849473536?s=20&t=PJqAcJqjJAIAAWtecuJBDQ
على نطاق أوسع، يعدّ هجوم بوتين على أوكرانيا تحدياً آخر للقوة العالمية لأميركا ومفهوم عالم حر وديمقراطي يضاعف نفوذها. تواجه الديمقراطية الليبرالية الآن تحدياً مخيفاً، ليس فقط من روسيا ولكن من قوة عظمى صاعدة في الصين. وخلافاً لما حدث خلال الحرب الباردة، عندما وقفت جميع الأطراف بحزم في مواجهة 40 عاماً من النضال ضد الشيوعية، كانت الديمقراطية الأميركية تترنح، مهددة من قبل رئيس سابق حاول التمسك بالسلطة.
في إشارة إلى النسيج الممزق للوحدة الوطنية الأميركية، سارع الرئيس السابق دونالد ترمب، بعد وصف بوتين بـ«العبقري» يوم الثلاثاء، إلى القول إن «الانتخابات المزورة» في بلاده أثقلت الأميركيين بـ«رئيس غير شرعي»، وشجعت الزعيم الروسي على التصرف بهذا الشكل.
* خطاب مؤثر
تألقت الطبيعة الحقيقية للهجوم الروسي، وأهميته بالنسبة لبقية العالم، من خلال خطاب مؤثر من قبل زيلينسكي، الذي قال إنه اتصل ببوتين في وقت سابق ولم يبق سوى الصمت على المحك.
وقال زيلينسكي، مخاطباً الشعب الروسي بلغته: «لقد قيل لكم إن هذه النيران ستحرر الشعب الأوكراني. لكن الشعب الأوكراني حر».
قال الرئيس الأوكراني، وهو ممثل كوميدي سابق مكلف الآن رواية مأساة وطنية، للروس: «نريد أن نحدد تاريخنا بأنفسنا... في سلام وهدوء وصدق». وقبل ساعات من انتشار البنادق مرة أخرى في قارة ملطخة بدماء الملايين الذين فقدوا في الحروب، لاحظ زيلينسكي الدرس القائل إن المعارك المحلية نادراً ما تبقى على هذا النحو في منطقة لعنها التاريخ. وتابع: «هذه الخطوة يمكن أن تصبح بداية حرب كبرى في القارة الأوروبية».
تحدث وزير الدفاع الأميركي السابق ويليام كوهين إلى «سي إن إن»، وقدم نقطة مماثلة. وقال: «بدء حرب في مكان جاف، إذا جاز التعبير، يمكن أن يشعل حريقاً في الهشيم».
https://twitter.com/ZelenskyyUa/status/1496728317969539076?s=20&t=ErXwedDm_AYqa-KRXhtJ8w
* مخاطرة روسية
لم يتم التأكد بعد من مدى ومدة العملية التي قادها عشرات الآلاف من القوات الروسية المحتشدة حول أوكرانيا. لكن الغرض واضح: اتخذ الزعيم الروسي خيار حرمان ملايين الأوكرانيين من حقهم في تحديد قراراتهم الخاصة بشأن بلدهم ومستقبلهم، حيث تفضيلهم الواضح هو ألا تحكمهم روسيا، بحسب تقرير «سي إن إن».
أوضح مسؤول أميركي كبير مطلع على أحدث المعلومات الاستخباراتية الأميركية أن التقييم المبكر يقول إن هذه كانت بداية الغزو الروسي الكامل الذي توقعته الولايات المتحدة منذ فترة طويلة.
لطالما غضب بوتين مما يعدّه عدم احترام من أميركا في أعقاب الحرب الباردة وتوسع «الناتو» شرقاً ليشمل حلفاء سوفياتيين سابقين مثل بولندا ورومانيا والمجر. يفسر هذا سبب وجود الصراع في أوكرانيا، ولكنه أيضاً يمثل تحدياً أوسع لواشنطن.
في خضم ضباب الحرب المبكر، من السابق لأوانه معرفة مدى المقاومة التي سيواجهها الروس، إذا كانوا سيسقطون الحكومة في أوكرانيا، أو إذا كان الغزو قد يتسبب في تمرد قد يقتل كثيرين من القوات الروسية ويخلق ظروفاً قد تهدد نظام بوتين.
قال الخبير في الشؤون الروسية الضابط الكبير السابق في وكالة المخابرات المركزية، بول كولبي، إن غزو دولة أكبر من فرنسا أو ألمانيا يمكن أن يخلق في النهاية وضعاً غير مستدام للروس، وهو بمثابة «مقامرة هائلة».
وتابع: «هذا صراع سيمتد على مدى شهور وسنوات؛ سواء أسارت الأمور على ما يرام بالنسبة لبوتين، أم لا. سيغير شكل أوروبا، وسيضع خطوطاً دائمة للصراع داخل أوكرانيا وعلى حدود أوكرانيا مع الغرب».
