حكايات مهرجان «ترايبيكا» تمحورت حول الآباء والأبناء وألفة المسافرين في قطار

فيلم من إنتاج «الجزيرة أميركا» ضمن المسابقة

إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول»  -  هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول» - هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
TT

حكايات مهرجان «ترايبيكا» تمحورت حول الآباء والأبناء وألفة المسافرين في قطار

إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول»  -  هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول» - هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»

لا يحفل مهرجان «ترايبيكا» بجوائز تهز الدنيا كما حال «كان» أو «برلين»، أو عدد ضئيل آخر من المهرجانات الدولية، لكنه يبقى واحدًا من تلك المناسبات السينمائية التي تثري مدينة نيويورك وضواحيها (يقام في ضاحية ترايبيكا لكن يؤمه جمهور من كل أطراف المدينة) التي انطلقت مباشرة في أعقاب هجوم 9/11 لأجل إثبات أن المدينة تستطيع الحفاظ على هويّتها الثقافية والحضارية على الرغم من العملية الإرهابية.
وإذ انتهت أعماله في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، فإن من اشترك فيه من السينمائيين وجد نفسه في احتفاء يستحق التقدير. «ترايبيكا» ليس المهرجان النيويوركي الوحيد، بل هناك حفنة منها أهمها «مهرجان نيويورك» و«مهرجان مخرجون جدد - أفلام جديدة»، لكنه استطاع في سنوات قليلة أن يتبوأ قدرًا عاليًا من الاهتمام وسط الحقلين الثقافي والفني لمدينة دائمًا ما عُرفت بثرائها في هذين المجالين.
القيمة الإجمالية للجوائز بلغت 175 ألف دولار وتوزّعت على ثلاث عشرة جائزة في مجال الفيلم الطويل وست جوائز في مجال الفيلم القصير. وأبرز الأفلام الفائزة «جبل عذري» وهو إنتاج مشترك ما بين آيسلندا والدنمارك، ونال جائزة أفضل فيلم روائي طويل، و«ديمقراطيون» الدنماركي الذي حصد جائزة أفضل فيلم تسجيلي. أفضل ممثل هو بطل «جبل عذري» واسمه غونار جونسون، وأفضل ممثلة هي الأميركية هانا موراي عن دورها في «بريدجإند»، وهو أيضا له جذور اسكندنافية من حيث إن نصف تمويله جاء من الدنمارك، والنصف الثاني بريطاني على أميركي.
جائزة أفضل مخرج ذهبت إلى زاكاري تريتز عن فيلمه التاريخي «رجال يذهبون إلى المعركة»، تقع أحداثه خلال الحرب الأهلية الأميركية.
عشرة أفلام من تلك المعروضة، بما فيها بعض تلك الفائزة، استوقفتنا على نحو أو آخر. كأي مهرجان حافل لا يمكن مشاهدة كل شيء حتى وإن لم يفعل المتابع شيئًا آخر سوى المشاهدة.

* آباء وأبناء
كان لافتا وجود فيلم من إنتاج محطة «الجزيرة أميركا» في مسابقة الفيلم التسجيلي. من مطلع الفيلم يركب المخرج ألبرت مايلس وفريقه قطار «إمباير بيلدر» المنطلق من الغرب والمتوجه جنوبًا على مدى ثلاثة أيام يمر خلالها بمدن وقرى وسهول وجبال وآبار نفطية. لقطاته خارج القطار في مجملها ساحرة، لكن همّ الفيلم الأول هو التقاط الحياة بين مجموع المسافرين الذين لا يعرف أحدهم الآخر. كل راكب هو في هذا القطار طالب وجهة مختلفة في ذاتها حتى وإن نزل في المحطة نفسها. كل منهم يعكس ذاتًا مختلفة حين سؤاله لماذا هو في هذا القطار. لكن ليس كل المقابلات تتم بين الشخصيات وبين الكاميرا، بل معظمها التقاط حي لما يدور بين الغرباء مع تسجيل ذلك القدر العالي من الألفة والمودّة بين الناس. هناك رجل يسجّل بكاميرته الراكبة الحامل التي تعود إلى أهلها ليكونوا لجانبها حين الوضع ويعلّق: «هي ستغيب، لكنها في ذاكرة هذه الكاميرا».
تلك الألفة نجدها كذلك في «ميدولاند» لريد مورانو (مثل سايلس هو مدير تصوير أيضا). إنها ما يبحث عنه الزوجان لوك ولسون وأوليفيا وايلد. لكنهما لن يجدانها بسهولة. حياتهما تبدّلت منذ اختطاف ابنهما قبل نحو سنة، إذ بغيابه تلاشى الكثير من أسباب الهناء بينهما كما بينهما وبين باقي العالم. يلتقط الفيلم محاولتهما الخروج من تلك العزلة التي عاشاها منذ ذلك الحين، لكنه يسجل كيف أن هذه المحاولة محفوفة بالمخاطر، إذ تزيد الانقسام الحاصل صمتا بينهما. دراما جيّدة لمخرج جديد جاء من خلفية التصوير وكله رغبة في تسجيل تفاصيل المشاعر عوض إطلاقها في موجات من الفعل وردود الفعل الكبيرة.
وهناك دراما أخرى تبحث في العلاقات الأسرية مجسدة في فيلم «مفكرات أدرأول» لباميلا رومانوفسكي. هنا يلعب جيمس فرانكو (الذي لديه فيلم حالي في الأسواق عنوانه «قصّة حقيقية») دور كاتب حقق نجاحًا في أول عمل له الذي استخلص مادته من ذكرياته حول ما تعرّض له من تعنيف وسوء على يدي والده (إد هاريس). الآن وبعد النجاح الأول لا يجد ما يكتبه ويبيعه لكنه يهتدي إلى قضية رجل (كريستيان سلاتر) متهم بقتل زوجته. يجدها (كما في «قصّة حقيقية» وإن لعب فرانكو هناك دور القاتل) فرصة ذهبية لتحقيق نجاح آخر. ما يعوق كل شيء انهياره عندما يتعرّف على صحافية (أمبر هيد) كاشفًا عن مدى الجراح التي ما زالت تنتابه من جراء خلفية الحياة العائلية التي شهدها. الفيلم داكن وغير متوازن. إد هاريس أفضل ما فيه، بينما لا يزال جيمس فرانكو يبحث لنفسه عن صورة.

* حدث خلال الحرب
وفي منحى آخر من علاقة الآباء والأبناء نجد «إرث نازي: ما فعله آباؤنا». هذا فيلم تسجيلي آخر، وله علاقة بالآباء والأبناء والتاريخ. المخرج ديفيد إيفانز يسرد ما حدث للمحامي اليهودي فيليب ساندز عندما التقى برجل أكبر منه سنّا اسمه نيكلاس فرانك. والد نيكلاس كان من بين من أمرت محكمة نورمبيرغ بإعدامهم معتبرة إياه شريكًا في جرائم حرب وعن طريق نيكلاس تعرّف المحامي على هورست فون ووشتر الذي أدين والده أيضا بتصفية اليهود. يتابع الفيلم علاقة هؤلاء بعضهم ببعض وكيف راقب المحامي ردّ فعل كل منهما حيال التهمة التي لصقت بوالده وموقفهما اليوم من تلك الذكرى. على الرغم من انضمام الفيلم، في نهاية مطافه، إلى كل تلك الأفلام التي ما زالت تريد محاسبة أبناء اليوم على أخطاء الأمس، هناك منوال عمل مثير للاهتمام، لكن عناصر الاهتمام بالموضوع تتساقط بالتدرج لتضمحل عن عمل عادي.
«حلم - قاتل» هو فيلم تسجيلي آخر عن العلاقة بين الآباء والأبناء، الفيلم السابق («مفكرات أدرأول») يجدها مهزوزة، لكن «حلم - قاتل» يمنحها ما تستحقه من إضاءة إيجابية. الواقعة حدثت في مدينة كولومبيا (ولاية) ميسوري عندما تدخلت عوامل عدّة للحكم على شاب اسمه رايان بارتكاب جريمة قتل. المخرج أندرو جنكز يوفر من البداية دلائل على تعسّف هذا الحكم وبراءة الشاب، لكنه يتمحور حول الأب وبذله وعناده في سبيل البرهنة على أن ابنه لم يرتكب أي جريمة. لم تكن المساعي المبذولة سهلة التحقيق ولا نتائجها كانت من النوع الذي نشاهده في المسلسلات التلفزيونية (تتحقق في ساعة). يجعل الفيلم مشاهديه يدركون سريعًا أن بعض الناس ليس لديهم في العالم بأسره من يقف لجانبهم في المحن سوى آبائهم.
في «رجال يذهبون إلى المعركة» ينتقل المخرج زاكاري تريتز إلى عام 1860 حيث يقدّم لنا شخصيتي شقيقين (تيم مورتون وديفيد مالوني) يعيشان في بلدة صغيرة في ولاية كنتاكي في كنف الحرب الأهلية الدائرة. هذا ليس سهلا على أحد، وأحدهما لن يستطع البقاء مستقلاً عن تلك الحرب، بل سيلجأ إليها، ولو أن لجوءه له علاقة بطبيعته الشخصية وليس بأي من الموقفين السياسيين اللذين كانا السبب في وقوعها.
فاز «رجال يذهبون إلى المعركة» بجائزة أفضل مخرج، كما تقدّم. بدوره تمتع الفيلم الذي فاز بجائزة أفضل فيلم روائي، وهو «جبل عذري»، بتقدير كبير منذ أن عرض سابقا في مهرجان برلين (خارج المسابقة). موضوعه معالج ببعض الرقّة والكثير من التفهم: رجل ضخم الجثة يحمل قلبًا عاطفيًا ويبلغ من العمر 43 سنة، لكنه لا يزال عذريًا لم يمارس الحب بعد. مانعه نفسي وعاطفي إلى جانب أن أحدًا لا يريد الاقتراب من رجل يوحي، بسبب حجمه، بأنه أبعد ما يكون عن الرومانسية. يعلم المشاهد ما ستؤول إليه الأحداث عندما يتعرّف على فتاة ضئيلة الحجم لا تخشاه وتفهم أعماقه في الوقت الذي لديها ما يعكّر نفسيتها أيضًا. على ذلك هناك معالجة جيّدة وإنسانية لهذه التوقعات تخدم رغبة الفيلم في تقديم شخصيات غير مألوفة.



جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
TT

جوائز «كان» تُمنح لـ«سينما المؤلف» أكثر من سواها

«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)
«المؤامرة الفينيقية» للمخرج ويس أندرسون (فوكاس فيتشرز)

تشهد الدورة 79 من مهرجان «كان» هذا العام طرح عدة موضوعات ساخنة على بساط البحث، من بينها النقد الجاهز بأن المسابقة لا تتضمن توازناً بين أفلام المخرجين الذكور (17 فيلماً) وتلك التي أخرجتها نساء (5 أفلام). وجاء رد المدير الفني تييري فريمو بسيطاً، وإن متأخراً: «الأولوية للفيلم الجيد، لا لجنس مخرجه».

موضوع آخر يتمثل في العلاقة بين السينما والسياسة: هل هما متلازمان أم منفصلان؟ وإذا كانا متلازمين، فهل يمكن الفصل بينهما بحيث يستبعد المهرجان الخطاب السياسي؟ كيف يمكن ذلك، يرد آخرون، وعدد لا بأس به من الأفلام التي يعرضها المهرجان هذا العام، كما في أعوام سابقة، أفلام سياسية؟ وأين تذهب أفلام القضايا المحورية والأعمال التي تكشف ويلات الحروب؟

أما المحور الثالث، فهو غياب «هوليوود» عن «كان» بصورة ملحوظة. وليس هذا الغياب جديداً، لكنه بات يتكرر، مما فتح الباب أمام تأويلات وتحليلات متعددة شهدها المهرجان منذ انطلاقته وحتى اليوم.

شون بن في «ميستيك ريفر» لإيستوود (وورنر)

تجارب سابقة

شهدت الدورات الـ78 الماضية من هذا المهرجان فوز الأفلام الأميركية بجائزة السعفة الذهبية 21 مرة فقط. وكان أولها فيلم «الويك إند الضائع» (The Lost Weekend) سنة 1945، الذي عُرض في دورة 1946، من إخراج بيلي وايلدر وبطولة راي ميلاند. وبعد عامين، فاز فيلم أميركي ثانٍ بـ«السعفة الذهبية» هو «مرمى نيران» (Crossfire) لإدوارد دميتريك، ثم في عام 1947 فاز فيلم الرسوم المتحركة «دمبو» (Dumbo) من إنتاج «ديزني» بالجائزة نفسها، تلاه فيلم ضعيف بعنوان «زيغفيلد فوليز» (Ziegfeld Follies)، شارك في إخراجه 3 مخرجين، وقام ببطولته ويليام باول، وجودي غارلاند، ولوسيل بول.

مرت أكثر من 10 سنوات قبل أن يمنح المهرجان جائزته، عام 1955، لفيلم أميركي آخر هو «مارتي» (Marty) لدلبرت مان، وهي دراما تُعد أفضل ما أنجزه المخرج في مسيرته. وفي عام 1957 نال «إقناع ودود» (Friendly Persuasion) لويليام وايلر، مع غاري كوبر في الدور الرئيسي، «السعفة الذهبية»، قبل أن يسود جفاف استمر حتى عام 1970.

وفي عام 2003، ترأس المخرج الفرنسي باتريس شيرو لجنة التحكيم التي منحت جائزتها الأولى لفيلم «فيل» (Elephant) من إخراج غاس فان سانت، متجاوزة أعمالاً أكثر نضجاً وأفضل مستوى، من بينها «ذلك اليوم» (Ce jour-là) لراوول رويز، و«مسبح» (Swimming Pool) لفرانسوا أوزون، و«مسافة» لنوري بيلغه جيلان.

لكن الخسارة الأفدح في ذلك العام كانت لفيلم «ميستيك ريفر» (Mystic River) لكلينت إيستوود.

لم يبالِ النقد الغربي كثيراً بالأفلام المذكورة، بما فيها «فيل»، بقدر ما احتفى بفيلم إيستوود الرائع، الذي تناول حكاية 3 أصدقاء يعيشون جروحاً داخلية لم يمحها الزمن. ولم يكن «ميستيك ريفر» مجرد قصة درامية متماسكة ومؤثرة، بل كان أحد أفضل الأفلام المعروضة في تلك السنة، وبالتأكيد أكثر إتقاناً من الفيلم الفائز.

وبعد نحو 10 سنوات، التقيت كلينت إيستوود في استوديو «وورنر» بـ«هوليوود»، وسألته عن شعوره حين لم يفز بالجائزة الأولى. ضحك وقال: «لم أشاهد الفيلم الذي فاز بالجائزة، لكنني قرأت وسمعت عنه لاحقاً. وتساءلت: كيف تحكم لجان التحكيم على أفلام دون أخرى؟ وما معاييرها إذا لم تكن جودة الفيلم، وهي الأهم في نظري، في مقدمة تلك المعايير؟».

فازت الأفلام الأميركية بسعفة مهرجان «كان» السينمائي 21 مرة فقط خلال 78 دورة

مردود إعلامي

الوضع الحالي في هذا الشأن يعود، في بعض أوجهه، إلى أن الأفلام الأميركية التي دأبت على المشاركة في غالبية دورات «كان» السابقة لم تعد تجد في المهرجان المنصة التي تثير اهتمامها. ويعود ذلك أساساً إلى شعور «هوليوود» بأن العائد محدود، بدليل أن 21 فيلماً فقط فازت بالسعفة الذهبية خلال 78 عاماً، خصوصاً أن معظم الأفلام الأميركية الفائزة، مثل «فيل» و«بارتون فينك» و«أنورا» في العام الماضي، كانت من إنتاجات مستقلة، لا من إنتاج الشركات الكبرى مثل «باراماونت»، و«فوكس»، و«ديزني»، و«وورنر».

كما تدرك «هوليوود» أن أفلام ما يُعرف بـ«سينما المؤلف» هي التي تميل لجان التحكيم إلى دعمها ومنحها الجوائز. وهذا التوجه لا يقتصر على مهرجان «كان»، إذ شهد «برلين» أيضاً تراجعاً مماثلاً في الحضور الأميركي، نتيجة امتناع «هوليوود» عن إرسال أفضل إنتاجاتها. أما مهرجان «فينيسيا»، فقد يواجه الظاهرة نفسها، وإنْ كان الأقل تأثراً، لأنه يسبق مباشرة موسم الجوائز الأميركية، ما يجعل «هوليوود» أكثر حاجة إليه من غيره.

وفي الواقع، لا تستفيد «هوليوود» كثيراً من الجوائز المهرجانية حتى عندما تفوز بها أعمالها، لأنها لا تجد في هذا الاحتفاء مردوداً إعلامياً إيجابياً يوازي توقعاتها. فهي تنفق مبالغ كبيرة على المشاركة، ثم تخرج غالباً من دون مكاسب تُذكر. صحيح أن الأفلام الأميركية المستقلة تحافظ على حضور ملحوظ في «برلين» و«كان» و«فينيسيا»، لكن نجاحها التسويقي يبقى محدوداً.

كذلك، فإن موقف كثير من النقاد الغربيين من أي حضور أميركي كبير يكون، في العادة، سلبياً، ما يقلل من حاجة «هوليوود» إلى هذه المهرجانات أو غيرها.

والأمثلة كثيرة، وآخرها ما عرضه «كان» العام الماضي من أفلام أميركية مثل «المؤامرة الفينيقية» (The Phoenician Scheme) ويس أندرسون، و«موجة جديدة» (Nouvelle Vague) لريتشارد لينكليتر، و«ماسترمايند» (The Mastermind) لكيلي رايشارت، و«مت يا حبي» (Die My Love)، وهي أعمال لم تحقق نجاحاً تجارياً يُذكر.

أما هذا العام، فتمثل السينما الأميركية المستقلة فيلمان: «نمر من ورق» لجيمس غراي ضمن المسابقة الرسمية، و«الرجل الذي أحب» لإيرا ساكس. وحتى لو فاز أحدهما، فإن رد فعل «هوليوود» لن يختلف كثيراً عما كان عليه خلال السنوات الماضية.


شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام... و3 عزلات مختلفة

«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)
«في الأمواج» (ملف مهرجان «كان»)

IN WAVES ★★★1/2

• إخراج:‫ فيونغ ماي نغيووِن‬

• فرنسا | رسوم متحركة (2026)

• عروض: مهرجان «كان»

فيلم أنيميشن متقن تقنياً، ثريّ بالألوان والتنفيذ، ويتميّز بانسياب بديع لحركة «مرسومة يدوياً لا حاسوبياً». حكاية صُمّمت لتعيد المشاهد إلى زمن كانت فيه الأفلام الرومانسية قادرة على التأثير العاطفي المباشر.

العمل نادر؛ لأنه يجمع بين فن الرسم والدراما العاطفية، متوجهاً إلى جمهور تجاوز سنّ المراهقة. يجمع الفيلم بين شاب (ويل شارب) وفتاة (ستيفاني سو) في قصة حب تنتهي تراجيدياً فوق أمواج البحر. هو لا يُجيد رياضة ركوب الأمواج، فيما تمتلك هي الخبرة الكافية التي تتيح لها تعليمه وتبديد خوفه من الأمواج العالية.

ذلك اللقاء يشكّل بداية علاقة تنتهي بمأساة، والمخرجة نغيووِن لا تتردد في دفع بعض المشاهدين إلى ذرف الدموع تأثراً.

وفي ثنايا هذا الخط السردي شخصيات أخرى تساعد البطل على إعادة تقييم نفسه والانتقال من حالة البراءة والمراهقة إلى قدر أكبر من الثقة بالنفس. وهي الثقة نفسها التي تتمتع بها المخرجة في معالجتها الحكاية وصورها على حد سواء. فمن جهة، تهتم ببناء الشخصيات والسرد، ومن جهة أخرى تمنح العناية نفسها للجانب التقني، موفرة مشاهد ذات جماليات وروحانية لافتة.

الفيلم مأخوذ عن رواية بيوغرافية مصوّرة وضعها أ. جاي دنغو قبل 6 سنوات، مستعيداً فيها الأحداث التي نراها هنا. الإنتاج فرنسي، لكنه ناطق بالإنجليزية تمهيداً لركوب موجة العروض العالمية.

وهو أيضاً أول فيلم رسوم متحركة يفتتح تظاهرة «أسبوع النقاد» منذ تأسيسها سنة 1962.

DUA ★★1/2

• إخراج:‫ بلرتا باشولي

• كوسوفو | دراما (2026)

• عروض قسم «أسبوع النقاد»

فيلم آخر من عروض «أسبوع النقاد»، يثير الاهتمام أكثر مما يترك أثراً فنياً واضحاً. لا اختراقات فنية هنا، ولا طرح يبقى عالقاً في الذهن طويلاً بعد انتهاء العرض. لكنه عمل صادق في تناوله مشكلة فتاة تُدعى «دوا» (بنيا ماتوشي)، تبلغ الـ13 من العمر، وتعيش تلك المرحلة الحساسة في عزلة وتأمل.

«دوا» (ملف مهرجان «كان»)

عائلتها على شفير الانقسام، وزميلاتها في الصف لا يُعرنها اهتماماً كبيراً، وفوق ذلك كله تقترب غيوم الحرب الداكنة. الحرب التي اندلعت أواخر تسعينات القرن الماضي لا تظهر مباشرة، لكن الإيحاء بها حاضر باستمرار.

تكمن مهارة المخرجة في التزامها تشخيص حالة بطلتها تحت أعباء المرحلة المحيطة بها، وفي رصد ارتباك المراهقة وأسئلتها. ونجاح هذا الجانب يعود إلى تفهّم واضح من المخرجة، التي تبدو كأنها تستعيد شيئاً من ذاتها في تلك المرحلة.

غير أن ذلك لا يمنع العمل من الوقوع في بعض الضعف في البناء السياقي والتماسك السردي.

NAGI NOTES ★★1‪/‬2

• إخراج:‫ كودجي فوكادا‬

• اليابان | دراما (2026)

• عروض مسابقة مهرجان «كان»

معظم أفلام المخرج كودجي فوكادا السابقة تنتمي إلى الدراما الإنسانية الهادئة، كما هي الحال في فيلمه الجديد «ملاحظات ناغي» (وهو اسم منطقة جبلية يابانية).

والقاسم المشترك في أفلامه، مثل «حياة حب» (2022)، و«حب في محاكمة» (2025)، هو البحث عن الجوهر الإنساني في شخصياته، عبر اهتمام دقيق بالتفاصيل ومنح شخصياته الوقت للكشف عن خفاياها الداخلية.

من «ملاحظات ناغي» (ملف مهرجان «كان»)

هذا ما يفعله هنا أيضاً من خلال شخصية فنانة تماثيل تُدعى «يوريكو» (تاكاكو ماتسو) تعيش في تلك المنطقة النائية. ذات يوم تزورها قريبتها «يوري» (شيزوكا إشيباشي) الآتية من طوكيو... وبما أنه لا توجد مواصلات سهلة أو محطة قطار قريبة، ويصوّر المخرج وصولها عبر سير طويل على طريق ريفية، فلا تبدو زيارة عابرة، بل محاولة للعودة إلى الماضي والعودة إلى أشخاص شكّلوا جزءاً من حياتها السابقة. وهذا ما يقود «يوري» إلى لقاء «يوريكو» لتصبح، ولو مؤقتاً، موديلاً لأعمالها.

تشبه تبعات هذه الزيارة إلقاء حجر في بركة راكدة، وهي ثيمة اعتاد فوكادا الاشتغال عليها في أفلامه: دخول شخص غريب بيئةً ساكنة بما يؤدي إلى اضطراب عاطفي وكشف عن خلفيات وتوترات كامنة.

الفيلم رتيب في أكثر من موضع، كأفق دون نتوءات، لكنه يمضي بسلاسة. وهو عميق الدلالات في رصده العنصر الياباني داخل شخصياته، مانحاً المشاهد الوقت الكافي لفهمها وتقديرها، ومقدّماً تجسيداً دقيقاً للبيئة وأهلها. غير أن امتداده إلى نحو ساعتين يجعل المرء يتمنى لو أن المخرج حرّك هذا السكون درامياً، واستثمر المواقف التي يعرضها بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
TT

5 أفلام جديدة تكشف الفجوة بين النقد والجمهور

«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)
«سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

في غضون 3 أيام هذا الأسبوع، بلغت الإيرادات الإجمالية لـ5 أفلام معروضة تجارياً على نطاق واسع أكثر من 158 مليون دولار في السوقين الأميركية والكندية فقط.

هذه الأفلام، وفق ترتيبها على سلم الإيرادات خلال الأيام المذكورة، هي: «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، «مايكل» (Michael)، «مجرة سوبر ماريو» (The Super Mario Galaxy)، «مشروع هايل ماري» (Project Hail Mary)، و«هُراء» (Hokum).

ترتيبها حسب إجمالي الإيرادات حتى الآن يختلف عن ترتيبها الأولي، ويأتي كما يلي:

1. «ذا سوبر ماريو غالاكسي» - 403 ملايين دولار.

2. «مشروع هايل ماري» - 319 مليون دولار.

3. «مايكل» - 189 مليون دولار.

4. «الشيطان يرتدي برادا 2» - 82 مليون دولار.

5. «هُراء» - 7 ملايين دولار.

«هامنت» (فوكاس فيتشرز)

فجوة كبيرة

4 من هذه الأفلام مستمرة في عروضها العالمية بإيرادات مرتفعة، وهي: «ذا سوبر ماريو غالاكسي» (888 مليون دولار)، «مشروع هايل ماري» (639 مليون دولار)، «مايكل» (433 مليون دولار)، و«الشيطان يرتدي برادا 2» (239 مليون دولار).

مثل هذه الإيرادات تكاد تكون مستحيلة على الأفلام الفنية والمستقلة، التي تستقبلها المهرجانات بكل استحقاق وترحاب. أنجحها تجارياً في الوقت الحالي هو فيلم «هامنت»، الذي حظي بإعجاب غالبية النقاد خلال الأشهر القليلة الماضية، ويحتل المركز الـ19 بإيراد كلي لا يتجاوز 108 ملايين دولار.

في المقابل، جمع فيلم «صِراط» للمخرج الإسباني أوليڤر لاكس، وهو فيلم نال استحساناً نقدياً منذ عرضه في مهرجان «كان» في مثل هذا الشهر من العام الماضي وحتى فبراير (شباط) من العام الحالي، 13 مليون دولار عالمياً، علماً بأن كلفته جاورت 32 مليون دولار.

هذا لا يجب أن يكون مفاجئاً؛ فالأرقام المذكورة تبرز الفجوة الكبيرة بين الأفلام التي تجذب الجمهور السائد حول العالم وتلك التي تمثل الفن النقي وتُعرض في المهرجانات ويثمنها النقاد.

«مشروع هايل ماري» (أمازون-ج.م.ج)

التحولات النقدية

النظرة النقدية للأفلام من حيث التقييم ومعايير الجودة تغيَّرت على نحو شبه جذري خلال العقود الثلاثين الأخيرة. لقد ازداد عدد النقاد المعجبين بالأفلام الجماهيرية في الغرب عموماً، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2»، الذي يضم مجموعة من الممثلين الذين ظهروا في الجزء الأول عام 2006 ومنهم ميريل ستريب، آن هاثاواي، إميلي بلنت وستانلي توشي، حظي بقبول جيد بين النقاد الأميركيين 62 في المائة إيجابي، و35 في المائة تقييم مختلط وفق موقع (Metacritic).

أحد النقاد في «ذا نيويورك بوست» وصف مشاهدته بأنه «ملزم لكل من يعرف الفرق بين البغل والمضخّة»، بينما أُعجب به آخر في «بوسطن غلوب» بوصفه «ترفيهي للغاية»، وكتب آخر: «متعة بلا إجهاد».

صورة معكوسة

ما يتبدَّى، وليس بالنسبة لهذا الفيلم فقط، بل بشكل متكرر، هو أن النقد الحديث الممارس على المنصات أو في الصحف الكبرى، أوروبياً وأميركياً، بات يميل إلى تأييد الأفلام التي لا تحتاج إلى تشجيع، على أساس أن نسبة قراء النقد في الغرب أقل بكثير من نسبة المتجهين إلى صالات السينما بلا اكتراث بالكتابات النقدية.

في بعض الحالات، يبدو هذا الميل رغبة في تعزيز مكانة الناقد لدى قرائه وصحيفته، بعيداً عن التعرّض للعناصر التي يقوم عليها النقد الجيد، ما يجعل عمله أحياناً وظيفياً أكثر مما هو نقدياً.

في العالم العربي، الصورة معكوسة لكنها ليست بالضرورة أفضل. معظم الكتابات النقدية تركز على البحث في معاني وطروحات الأفلام وليس على تقييمها فنياً. نادراً ما يُذكر اختيار المخرج أو أسلوبه، أو الحديث عن التصوير والموسيقى والمونتاج، أو دراسة الشخصيات وأداء الممثلين.

الغالب هو التركيز على الموضوعات الاجتماعية والسياسية المطروحة، وليس على كيفية تحقيق تلك الطروحات فنياً. وساعد الإنترنت وسهولة الوصول إليه قيام عدد كبير من «النقاد» (إن صح التعبير) باقتباس النصوص الأجنبية أو استلهامها، خصوصاً بالنسبة للأفلام الأميركية.

نلاحظ أن القلة فقط يكتبون عن أفلام وسترن أو رعب أو كوميديا إذا لم تجذب اهتمام النقاد الغربيين، وفي الوقت نفسه، تتبع الآراء النقدية العربية عن كثب تقييمات النقاد الأجانب. فيلم «هامنت» نال إعجاباً في المنشورات العربية، وكذلك «مشروع هايل ماري»، و«مارتي سوبريم»، و«معركة بعد معركة»، و«كان مجرد حادثة»، و«أحلام قطار»، وهي ليست جميعها ذات جودة واحدة، مما يجعل هذه الكتابات أقرب لأن تكون صدى أكثر منها قرارات نقدية مستقلة.

تجاذب النقد والجمهور

أحد الاختلافات الكبيرة بين النقد السينمائي سابقاً واليوم، خصوصاً في الغرب، هو إدماج القارئ عبر مخاطبته مباشرة. كثيراً ما نقرأ عبارات مثل: «ستعجبك ميريل ستريب في هذا الدور»، أو «حين تخرج من هذا الفيلم ستتطلع إلى السماء خوفاً من غزاة فضاء»، أو «ستضحك خلال المشاهدة وبعدها».

على الرغم من أن هذا نوع من التواصل المباشر والساذج الذي يسعى إليه كثير من النقاد، فهو مثال على تحوُّل النقد من تحليل العمل إلى توجيه المشاهد. سابقاً، كان الناقد يتجنَّب الحديث بصفته المتكلم، وكان الهدف تعزيز فهم القارئ للعمل فنياً وموضوعياً، ثم تركه ليختار موقفه بنفسه.