حكايات مهرجان «ترايبيكا» تمحورت حول الآباء والأبناء وألفة المسافرين في قطار

فيلم من إنتاج «الجزيرة أميركا» ضمن المسابقة

إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول»  -  هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول» - هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
TT

حكايات مهرجان «ترايبيكا» تمحورت حول الآباء والأبناء وألفة المسافرين في قطار

إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول»  -  هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول» - هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»

لا يحفل مهرجان «ترايبيكا» بجوائز تهز الدنيا كما حال «كان» أو «برلين»، أو عدد ضئيل آخر من المهرجانات الدولية، لكنه يبقى واحدًا من تلك المناسبات السينمائية التي تثري مدينة نيويورك وضواحيها (يقام في ضاحية ترايبيكا لكن يؤمه جمهور من كل أطراف المدينة) التي انطلقت مباشرة في أعقاب هجوم 9/11 لأجل إثبات أن المدينة تستطيع الحفاظ على هويّتها الثقافية والحضارية على الرغم من العملية الإرهابية.
وإذ انتهت أعماله في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، فإن من اشترك فيه من السينمائيين وجد نفسه في احتفاء يستحق التقدير. «ترايبيكا» ليس المهرجان النيويوركي الوحيد، بل هناك حفنة منها أهمها «مهرجان نيويورك» و«مهرجان مخرجون جدد - أفلام جديدة»، لكنه استطاع في سنوات قليلة أن يتبوأ قدرًا عاليًا من الاهتمام وسط الحقلين الثقافي والفني لمدينة دائمًا ما عُرفت بثرائها في هذين المجالين.
القيمة الإجمالية للجوائز بلغت 175 ألف دولار وتوزّعت على ثلاث عشرة جائزة في مجال الفيلم الطويل وست جوائز في مجال الفيلم القصير. وأبرز الأفلام الفائزة «جبل عذري» وهو إنتاج مشترك ما بين آيسلندا والدنمارك، ونال جائزة أفضل فيلم روائي طويل، و«ديمقراطيون» الدنماركي الذي حصد جائزة أفضل فيلم تسجيلي. أفضل ممثل هو بطل «جبل عذري» واسمه غونار جونسون، وأفضل ممثلة هي الأميركية هانا موراي عن دورها في «بريدجإند»، وهو أيضا له جذور اسكندنافية من حيث إن نصف تمويله جاء من الدنمارك، والنصف الثاني بريطاني على أميركي.
جائزة أفضل مخرج ذهبت إلى زاكاري تريتز عن فيلمه التاريخي «رجال يذهبون إلى المعركة»، تقع أحداثه خلال الحرب الأهلية الأميركية.
عشرة أفلام من تلك المعروضة، بما فيها بعض تلك الفائزة، استوقفتنا على نحو أو آخر. كأي مهرجان حافل لا يمكن مشاهدة كل شيء حتى وإن لم يفعل المتابع شيئًا آخر سوى المشاهدة.

* آباء وأبناء
كان لافتا وجود فيلم من إنتاج محطة «الجزيرة أميركا» في مسابقة الفيلم التسجيلي. من مطلع الفيلم يركب المخرج ألبرت مايلس وفريقه قطار «إمباير بيلدر» المنطلق من الغرب والمتوجه جنوبًا على مدى ثلاثة أيام يمر خلالها بمدن وقرى وسهول وجبال وآبار نفطية. لقطاته خارج القطار في مجملها ساحرة، لكن همّ الفيلم الأول هو التقاط الحياة بين مجموع المسافرين الذين لا يعرف أحدهم الآخر. كل راكب هو في هذا القطار طالب وجهة مختلفة في ذاتها حتى وإن نزل في المحطة نفسها. كل منهم يعكس ذاتًا مختلفة حين سؤاله لماذا هو في هذا القطار. لكن ليس كل المقابلات تتم بين الشخصيات وبين الكاميرا، بل معظمها التقاط حي لما يدور بين الغرباء مع تسجيل ذلك القدر العالي من الألفة والمودّة بين الناس. هناك رجل يسجّل بكاميرته الراكبة الحامل التي تعود إلى أهلها ليكونوا لجانبها حين الوضع ويعلّق: «هي ستغيب، لكنها في ذاكرة هذه الكاميرا».
تلك الألفة نجدها كذلك في «ميدولاند» لريد مورانو (مثل سايلس هو مدير تصوير أيضا). إنها ما يبحث عنه الزوجان لوك ولسون وأوليفيا وايلد. لكنهما لن يجدانها بسهولة. حياتهما تبدّلت منذ اختطاف ابنهما قبل نحو سنة، إذ بغيابه تلاشى الكثير من أسباب الهناء بينهما كما بينهما وبين باقي العالم. يلتقط الفيلم محاولتهما الخروج من تلك العزلة التي عاشاها منذ ذلك الحين، لكنه يسجل كيف أن هذه المحاولة محفوفة بالمخاطر، إذ تزيد الانقسام الحاصل صمتا بينهما. دراما جيّدة لمخرج جديد جاء من خلفية التصوير وكله رغبة في تسجيل تفاصيل المشاعر عوض إطلاقها في موجات من الفعل وردود الفعل الكبيرة.
وهناك دراما أخرى تبحث في العلاقات الأسرية مجسدة في فيلم «مفكرات أدرأول» لباميلا رومانوفسكي. هنا يلعب جيمس فرانكو (الذي لديه فيلم حالي في الأسواق عنوانه «قصّة حقيقية») دور كاتب حقق نجاحًا في أول عمل له الذي استخلص مادته من ذكرياته حول ما تعرّض له من تعنيف وسوء على يدي والده (إد هاريس). الآن وبعد النجاح الأول لا يجد ما يكتبه ويبيعه لكنه يهتدي إلى قضية رجل (كريستيان سلاتر) متهم بقتل زوجته. يجدها (كما في «قصّة حقيقية» وإن لعب فرانكو هناك دور القاتل) فرصة ذهبية لتحقيق نجاح آخر. ما يعوق كل شيء انهياره عندما يتعرّف على صحافية (أمبر هيد) كاشفًا عن مدى الجراح التي ما زالت تنتابه من جراء خلفية الحياة العائلية التي شهدها. الفيلم داكن وغير متوازن. إد هاريس أفضل ما فيه، بينما لا يزال جيمس فرانكو يبحث لنفسه عن صورة.

* حدث خلال الحرب
وفي منحى آخر من علاقة الآباء والأبناء نجد «إرث نازي: ما فعله آباؤنا». هذا فيلم تسجيلي آخر، وله علاقة بالآباء والأبناء والتاريخ. المخرج ديفيد إيفانز يسرد ما حدث للمحامي اليهودي فيليب ساندز عندما التقى برجل أكبر منه سنّا اسمه نيكلاس فرانك. والد نيكلاس كان من بين من أمرت محكمة نورمبيرغ بإعدامهم معتبرة إياه شريكًا في جرائم حرب وعن طريق نيكلاس تعرّف المحامي على هورست فون ووشتر الذي أدين والده أيضا بتصفية اليهود. يتابع الفيلم علاقة هؤلاء بعضهم ببعض وكيف راقب المحامي ردّ فعل كل منهما حيال التهمة التي لصقت بوالده وموقفهما اليوم من تلك الذكرى. على الرغم من انضمام الفيلم، في نهاية مطافه، إلى كل تلك الأفلام التي ما زالت تريد محاسبة أبناء اليوم على أخطاء الأمس، هناك منوال عمل مثير للاهتمام، لكن عناصر الاهتمام بالموضوع تتساقط بالتدرج لتضمحل عن عمل عادي.
«حلم - قاتل» هو فيلم تسجيلي آخر عن العلاقة بين الآباء والأبناء، الفيلم السابق («مفكرات أدرأول») يجدها مهزوزة، لكن «حلم - قاتل» يمنحها ما تستحقه من إضاءة إيجابية. الواقعة حدثت في مدينة كولومبيا (ولاية) ميسوري عندما تدخلت عوامل عدّة للحكم على شاب اسمه رايان بارتكاب جريمة قتل. المخرج أندرو جنكز يوفر من البداية دلائل على تعسّف هذا الحكم وبراءة الشاب، لكنه يتمحور حول الأب وبذله وعناده في سبيل البرهنة على أن ابنه لم يرتكب أي جريمة. لم تكن المساعي المبذولة سهلة التحقيق ولا نتائجها كانت من النوع الذي نشاهده في المسلسلات التلفزيونية (تتحقق في ساعة). يجعل الفيلم مشاهديه يدركون سريعًا أن بعض الناس ليس لديهم في العالم بأسره من يقف لجانبهم في المحن سوى آبائهم.
في «رجال يذهبون إلى المعركة» ينتقل المخرج زاكاري تريتز إلى عام 1860 حيث يقدّم لنا شخصيتي شقيقين (تيم مورتون وديفيد مالوني) يعيشان في بلدة صغيرة في ولاية كنتاكي في كنف الحرب الأهلية الدائرة. هذا ليس سهلا على أحد، وأحدهما لن يستطع البقاء مستقلاً عن تلك الحرب، بل سيلجأ إليها، ولو أن لجوءه له علاقة بطبيعته الشخصية وليس بأي من الموقفين السياسيين اللذين كانا السبب في وقوعها.
فاز «رجال يذهبون إلى المعركة» بجائزة أفضل مخرج، كما تقدّم. بدوره تمتع الفيلم الذي فاز بجائزة أفضل فيلم روائي، وهو «جبل عذري»، بتقدير كبير منذ أن عرض سابقا في مهرجان برلين (خارج المسابقة). موضوعه معالج ببعض الرقّة والكثير من التفهم: رجل ضخم الجثة يحمل قلبًا عاطفيًا ويبلغ من العمر 43 سنة، لكنه لا يزال عذريًا لم يمارس الحب بعد. مانعه نفسي وعاطفي إلى جانب أن أحدًا لا يريد الاقتراب من رجل يوحي، بسبب حجمه، بأنه أبعد ما يكون عن الرومانسية. يعلم المشاهد ما ستؤول إليه الأحداث عندما يتعرّف على فتاة ضئيلة الحجم لا تخشاه وتفهم أعماقه في الوقت الذي لديها ما يعكّر نفسيتها أيضًا. على ذلك هناك معالجة جيّدة وإنسانية لهذه التوقعات تخدم رغبة الفيلم في تقديم شخصيات غير مألوفة.



«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
TT

«مايكل» يستعيد «ملك البوب»... ويترك الجمهور في منتصف الحكاية

من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)
من عرض الفيلم في السينما السعودية حيث يؤدي جعفر جاكسون دور عمه مايكل (تصوير: إيمان الخطاف)

قبل دقائق من بدء العرض، تمتلئ صالة السينما تدريجياً، وتختفي المقاعد الشاغرة واحداً تلو الآخر، فيما يتردد اسم مايكل جاكسون في أحاديث جانبية بين الحضور... هذا المشهد يتكرر هذه الأيام داخل صالات السينما في السعودية وغيرها حول العالم، حيث يحظى الفيلم بإقبال لافت، مع حجوزات تنقضي بسرعة وحضور واضح من فئة الشباب، ليعود اسم «ملك البوب» إلى الواجهة، بعد أكثر من 15 عاماً على رحيله، بوصفه أيقونة موسيقية تستعيد حضورها عبر الفن السابع، وتفتح باباً جديداً لقراءة سيرته سينمائياً.

عالمياً، تصدّر «مايكل» شباك التذاكر الأميركي، متفوقاً على بقية الأفلام، بعدما نجح فيلم السيرة الذاتية في حجز المركز الأول بجدارة بين إيرادات يوم الجمعة الماضي. فالفيلم، الذي يأتي من إخراج أنطوان فوكوا، حقق 39.5 مليون دولار في يوم افتتاحه من مئات صالات العرض في أميركا الشمالية. وتعوّل شركة «لاينزغيت» كثيراً على نجاحه في تحقيق عوائد كبيرة، خصوصاً أن ميزانيته الإنتاجية بلغت 155 مليون دولار، وهي تكلفة مرتفعة تأثرت بأسعار حقوق الموسيقى ومشاهد الحفلات الضخمة. وتُظهر الأيام الأولى للفيلم نجاحاً كبيراً حول العالم، رغم أن الحكاية تبدو مبتورة، فلا يصل الفيلم إلى أعلى الأجزاء إثارة وتوتراً في حياة مايكل، ليفاجأ الجمهور بتصاعد إيقاع الفيلم بقوة، ثم انتهائه «بغتة» بعبارة «القصة مستمرة».

البوستر الرسمي للفيلم

من البدايات القاسية إلى صناعة الأسطورة

يبدأ الفيلم في منزل عائلة جاكسون عام 1966، حيث يفرض الأب جو تدريبات قاسية على أبنائه، في مشهد أقرب إلى الانضباط العسكري، سعياً إلى تحقيق «الحلم الأميركي»، وهو يردد على أولاده: «في الحياة إما أن نكون فائزين وإما خاسرين»، ويُظهر الفيلم بوضوح قسوة الأب، بما في ذلك تعنيفه مايكل؛ مما يشكّل جانباً أساسياً في تكوين شخصيته.

ثم ينتقل العمل إلى عام 1978، حين يبدأ مايكل التعاون مع المنتج كوينسي جونز، في خطوة مفصلية نحو ألبوم «أوف ذا وول»، ويعرض الفيلم تحوّل شخصيته، بما في ذلك انعزاله وتعلقه بعالمه الخاص، قبل أن يتخذ قراره الحاسم بالاستقلال عن والده، تمهيداً لصناعة عمله الأسطوري «ثريلر».

من هنا، يركز الفيلم على العلاقة بين مايكل ووالده المتسلّط جوزيف جاكسون، الذي يجسده كولمان دومينغو. ويؤدي الدور الرئيسي ابن شقيق جاكسون؛ جعفر جاكسون، فيما يشارك في البطولة كل من: نيا لونغ بدور «كاثرين جاكسون»، وتري هورتون بدور «مارلون جاكسون»، ورايان هيل بدور «تيتو جاكسون»، إضافة إلى جوزيف ديفيد جونز بدور «جاكي جاكسون»، وجمال هندرسون بدور «جيرمين جاكسون».

ويبدو الفيلم أشبه باحتفالية بنجومية «ملك البوب»، الذي بدأ طفلاً يغني مع إخوته في الستينات من العقد الماضي، وصولاً إلى نجوميته الكبيرة في الثمانينات وتحوّله ظاهرةً عالمية، دون تناول المنعطفات الصادمة التي مر بها جاكسون. ورغم أنه شخصية معقّدة ومتعددة الأبعاد، فإن الفيلم يقدّمه بصورة مسطّحة. وعندما لا يكون على المسرح أو في الاستوديو، يظهر جاكسون مبتسماً طيلة الوقت؛ يشاهد التلفاز مع والدته، ويزور الأطفال المرضى، ويقتني الحيوانات الغريبة.

يأتي ذلك نتيجة تدخلات عائلة جاكسون التي تناولها الإعلام لفترات مضت؛ مما دفع بالمنتجين إلى استبعاد كثير من القصص الحساسة في حياته. وخضع الفيلم لإعادة تصوير واسعة استمرت 22 يوماً، بعد حذف «فصله» الثالث بالكامل بسبب قيود قانونية؛ مما دفع إلى تأجيل طرح الفيلم كثيراً، حتى عُرض مؤخراً، في خطوة هدفت أيضاً إلى تجنّب أي تأثير سلبي محتمل على أدائه في شباك التذاكر.

احتفالية موسيقية ونهاية مفتوحة

ورغم أن الفيلم يبدو تقليدياً في سرده، فإنه يخفي داخله حساً إنسانياً حميمياً، مع استعراض أبرز محطات مايكل الغنائية، من «دونت ستوب تِل يو غِت إناف»، إلى أدائه الأسطوري لـ«بيلي جين». ويتوقف الفيلم في منتصف الرحلة، بعد أن يعلن مايكل أمام حشد جماهيري كبير انفصاله عن جولات إخوته الغنائية ضمن فرقة «جاكسون5»، ثم وقوفه على مسرح ضخم استعداداً للغناء، لينتهي الفيلم بعبارة «القصة مستمرة»؛ مما فتح باب التكهنات بشأن احتمالية إنتاج جزء ثان.

كما يختار الفيلم مساراً محدداً في تناول الشخصية فنياً، حيث يركّز على الجوانب التي تعزز صورة النجم بوصفه موهبة استثنائية وصاحب تأثير عالمي واسع. ويشكّل أداء جعفر جاكسون أحد أبرز عناصر الجذب في الفيلم، حيث ينجح في استحضار تفاصيل دقيقة من شخصية مايكل، سواء في الرقصات والصوت الهادئ والحضور على المسرح.

وإجمالاً، يؤكد الفيلم حقيقة لا جدال فيها، بأن مايكل جاكسون كان عبقرياً موسيقياً ويمتلك رؤية واضحة لمسيرته؛ بداية من صعوده منذ طفولته بموهبته اللافتة وحضوره الكاريزمي، ووصولاً إلى مرحلة نضجه الفني، حيث طوّر إحساساً دقيقاً بما يناسبه من أعمال، وكيفية تقديمها، سواء في الأداء المسرحي والفيديوهات الموسيقية.

ويبدو فيلم «مايكل» أقرب إلى تجربة جماهيرية متكاملة، تجمع بين الحنين، والمتعة البصرية، والإيقاع السريع، بما يفسر حجم الإقبال في صالات السينما، وتصفيق بعضهم بحرارة خلال الفيلم، حيث يجد المشاهد نفسه أمام عمل يستعيد ذاكرة فنية مشتركة، يعيد تقديمها ضمن قالب حديث يناسب جيل اليوم.


«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
TT

«العميل السري»... حكاية رجل على قائمة الموت

واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)
واغنر مورا فى «العميل السري» (سينما سكوبيو برودكشنز)

تقع أحداث «العميل السري» (The Secret Agent) في البرازيل عام 1977. خلال تلك الفترة هيمنت الديكتاتورية العسكرية على الحياة المدنية، وبسطت سلطتها عبر الخوف والعنف معاً. اختفى كثيرون، كما حدث في دول أميركا اللاتينية الأخرى قبل ذلك الحين وبعده، إلى جانب أولئك الذين جرت تصفيتهم جسدياً. يتناول المخرج كليبر ميندوسا فيليو هذه الفترة من زاويتين: ما يحدث لبطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا)، الذي يتنقّل بين 3 أسماء في سياق الأحداث، وما شهدته البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

«السر في عيونهم» (تورناسول فيلمز)

دول وأزمات

هناك ما لا يقل عن 20 فيلماً برازيلياً تناولت تلك الفترة، أو فترات سياسية أخرى، من بينها «اليوم الذي امتد 21 سنة» (The Day That Lasted 21 Years) لكاميلو تاڤاريز (2012)، و«أنا ما زلت هنا» (I’m Still Here) لوولتر ساليس (2024).

في الواقع، لا تقتصر الأفلام التي تناولت الاضطرابات السياسية في أميركا اللاتينية على بلد واحد. فهناك نحو 20 فيلماً تشيلياً عبّرت عن السنوات القاتمة التي مرت بها البلاد، نتيجة الصراع بين اليمين واليسار، من بينها «معركة تشيلي» (The Battle of Chile) لباتريسيو غوزمان (1975)، وأحدثها «الحظيرة الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج خوان بابلو سالاتو.

أما الأرجنتين، فهي بدورها من الدول التي قدّمت عدداً لافتاً من الأفلام في هذا السياق (نحو 17 فيلماً)، من بينها الفيلم الحائز على الأوسكار «السر في عيونهم» (The Secret in Their Eyes) لخوان خوسيه كامبانيلا (2009).

كما أن دولاً أخرى في أميركا اللاتينية، مثل غواتيمالا، والسلڤادور، ونيكاراغوا، وباراغواي، وأوروغواي، تناولت قضاياها السياسية في أفلام، وإن كان ذلك بأعداد أقل.

من أبرز مزايا الأفلام المذكورة، إلى جانب غيرها، تنوّع مناهجها تبعاً لاختلاف رؤى مخرجيها، والموضوعات التي يتناولونها. ويقترب «العميل السري» من «السر في عيونهم» في اعتمادهما على مواجهة بين البطل والواقع السياسي ضمن حبكة تمزج بين التشويق السياسي والتحقيقي. كما يتشابهان في أسلوب بناء الأحداث، وصولاً إلى دلالات تعبّر عن طبيعة المرحلة. ويأتي ذلك في مقابل الابتعاد عن السرد الخطي المبسّط، والقائم على التسلسل الزمني وحده. كل من الفيلمين يربط بين الماضي والحاضر، ويترك المشاهد أمام تساؤلات مفتوحة حول المستقبل.

المخرج كليبر ميندوسا فيليو (سينما سكوبيو برودكشنز)

فصول

أحد أبرز اهتمامات المخرج في «العميل السري» هو الكشف عن معنى أن يعيش بلد تحت قبضة ديكتاتورية. في مطلع الفيلم، يقود مارسيلو سيارته الفولكسڤاغن القديمة إلى محطة بنزين على طريق ريفي. هناك تظهر جثة وُجدت قبل ساعات، وقد بدأت تتحلل تحت أشعة الشمس، فيما تحاول الكلاب نهشها. رائحتها تزكم الأنوف، لكن ليس جميعها؛ إذ يتأثر مارسيلو وصاحب المحطة، في حين لا يبدي الشرطيان اللذان يصلان إلى المكان أي انزعاج. لا يسدّان أنفيهما، بل يكتفيان بالنظر ببرود، في إشارة إلى اعتيادهما على مثل هذه المشاهد. يبرز هذا التباين بوضوح بين ردود الفعل.

يوسِّع المخرج دائرة اهتمامه لتشمل شخصيات متعددة، تنتمي إلى جانبي الخير والشر: شخصيات تعاني، وتخاف، وأخرى تُسبب المعاناة، وتنشر الخوف. ويمنح كل شخصية مساحة للتعبير عن نفسها، ودلالاتها، وموقعها ضمن تلك المرحلة العصيبة.

يقسم فيليو فيلمه إلى ثلاثة فصول. يقدّم الفصل الأول الشخصيات المحيطة بمارسيلو في بلدته التي وُلد فيها، وعاد إليها بعد انتقاله إلى العاصمة. وفيه مشهد لسمكة قرش تم اصطيادها، وكانت قد ابتلعت ساق رجل؛ في إشارة إلى رغبة ضمنية في إبقاء هوية الضحية مجهولة، كما كان الحال في المشهد الأول.

في الفصل الثاني، المعنون بـ«معهد إثبات الهوية»، تتخذ الأحداث منحى جديداً. يعمل مارسيلو في أرشيف المعهد، وتُطرح فرضية أن الساق المقطوعة تعود لشاب مفقود. تتوالى حوادث الاختفاء الغامض، في حين يظل رئيس الشرطة جاهلاً بخلفية مارسيلو الذي يحاول إخفاء ماضيه. ويتضح أن هناك خلافاً سابقاً بينه وبين رجل سلطة نافذ اتهمه بالشيوعية، وسعى للتخلص منه.

أما في الفصل الثالث، فتتصاعد الأحداث مع احتمال وصول قتلة مأجورين لتنفيذ عملية اغتيال، في إشارة إلى ممارسات شاعت في تلك الفترة، حيث كان بعض المسؤولين يلجأون إلى تصفية خصومهم عبر وسطاء.

دلالات

لا يبدو أن الفيلم يتمحور حول بحث مارسيلو عن هويته، كما لا يقدّم «عميلاً سرياً» بالمعنى التقليدي. ثمة إشارة عابرة إلى فيلم «La Magnifique» لفيليب دو بروكا، يظهر من خلال إعلان بعنوان «العميل السري»، وربما تحمل هذه الإشارة دلالة رمزية حول مفهوم «العمالة» نفسه؛ تُوجَّه الاتهامات جزافاً إلى الأبرياء، بدوافع شخصية، أو إدانات فردية. رئيس الشرطة في البلدة (ريسيف، مسقط رأس المخرج) شخصية فاسدة بدورها، ويظهر ذلك في انحيازه لإحدى امرأتين في نزاع، رغم وضوح الحق لغيرها. الفساد هنا ليس حالة فردية، بل هو جزء من منظومة أوسع، والمعاناة لا تقتصر على مارسيلو وحده.

هذا كلّه جزء من عالمٍ مُحكم البناء، تتوزّع فيه الأحداث من دون ترتيب مبسّط، أو إيقاع متعجّل، وفق رغبة المخرج في تحريك العوامل والعناصر الروائية المحيطة بالخيط المحوري. وليس دقيقاً ما كُتب عن أن الفيلم مجرّد رحلة لاستعادة الماضي وربطه بالحاضر؛ إذ ينشغل المخرج فيليو بتصوير حالةٍ تنتمي إلى الأمس، ساعياً إلى إعادة فتح ملفّها بطريقته الخاصة، مع مراعاة بناءٍ منهجي يحدّد العلاقات بين الشخصيات، ويكشف أسباب تموضعها على هذا النحو أو ذاك.


شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
TT

شاشة الناقد - التشويق بلا عمق: مفارقات السينما بين الإبهار والجوهر

شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)
شايدر وشو ودرايفوس في «جوز» (يونيڤرسال)

JAWS

★★★

• إخراج:‫ ستيفن سبيلبرغ‬

• الولايات المتحدة | رعب (1975)

50 سنة على ثالث فيلم لسبيلبرغ وأول نجاحاته المطلقة

في فيلم «الطيور» (The Birds)، لم يكترث ألفرد هيتشكوك بتوفير سبب لثورة طيور النورس والغربان على سكان بلدة ساحلية في ولاية كاليفورنيا. عمد، بعد تمهيد موجز، إلى تصوير ثورة الطيور وانقضاضها على قاطني البلدة. لم يتأثر الفيلم بغياب الدافع مطلقاً (ولو أن هناك إيحاءً به في نهاية ذلك الفيلم الرائع). هذا لأن الحالة الماثلة وبراعة المخرج تجاوزتا هذه الحاجة.

عند سبيلبرغ يختلف الأمر. سمكة القرش الكبيرة تلتهم السائحين، والمبرر الوحيد الواضح هو أن أسماك القرش قد تفعل ذلك بطبيعتها (على عكس طيور هيتشكوك التي تعتمد على الأسماك أساساً).

مكان الأحداث في «جوز» هو أيضاً بلدة صغيرة ساحلية. حاكم البلدة (موراي هاملتون) يرفض طلب رئيس الشرطة (روي شايدر) إغلاق الشاطئ بعد أن تكرر هجوم تلك السمكة الضخمة على السابحين؛ حتى لا يتضرر الموسم السياحي. نتيجة ذلك مزيدٌ من الضحايا، وقيام الشريف برادي باستقدام عالم بحري اسمه هوبر (ريتشارد دريفوس) وصياد متخصص اسمه كوينت (روبرت شو). والثلاثة ينطلقون بعيداً عن الشاطئ منتظرين هجوم القرش على مركبهم، وانتظارهم يأخذ الوقت الكافي لكي يبلور المخرج شخصية كل منهم.

الإعجاب بفيلم ما ليس مقياس جودة، وفي هذا الفيلم ما يثير الإعجاب من مشاهد التشويق وتصوير السمكة القاتلة وهي تهدد حياة البشر. لكن، حال غيابها، ليس هناك سوى حكاية بلا دوافع كافية. عناصر العمل بذلك تنقسم ما بين بنية درامية ضعيفة وتشويق إثاري فعّال.

LEE CRONIN’S MUMMY

• إخراج:‫ لي كرونين‬

• الولايات المتحدة / آيرلندا | رعب (2026)

مومياء تعيش على أكل العقارب

العناوين التي تحمل أسماء مخرجيها، كما الحال في هذا الفيلم، كانت في زمن القيم تنتمي للمبدعين وحدهم: «فيلليني روما»، و«كوبولا العراب»، و«ألفرد هيتشكوك سايكو»... وفي مجال سينما الرعب «جورج آ. روميرو ليلة الموتى الأحياء». هذه الأيام المجال مفتوح. كل مخرج جديد، أو بعد حفنة من الأفلام ذات المستويات العادية أو أقل، يمكن أن يشترط وضع اسمه قبل العنوان. لي كرونين (في فيلمه الثالث) فعل ذلك على أمل أن يسهم ذلك في نجاح الفيلم. هل سمعتم به؟

من «لي كرونن مومي» (نيو لاين سينما)

الحال أن الفيلم الذي اختاره كرونين لهذه الغاية لا يستحق أن يُصنع أساساً، ليس لأنه دموي وعنيف، بل لأنه ممارسة رديئة في العموم، مليئة بالاستعارات من أفلام رعب أخرى، وباستثناء بعض المشاهد المصممة بنجاح، خالٍ من إضافة لما سبق من أعمال مشابهة.

تبدأ الأحداث في القاهرة. عائلة أميركية تعيش هناك وتفاجأ باختفاء ابنتها ذات السنوات التسع. البحث عنها لا يُجدي، والعائلة تعود إلى الولايات المتحدة مكسورة القلب. لكن بعد 8 سنوات يُكتشف أن الفتاة ما زالت حيّة. يهب الزوجان إلى القاهرة ويعودان بها إلى ولاية نيومكسيكو، غير مدركين بالطبع أن ابنتهما مومياء مسكونة وتحب أكل العقارب!

THE SUPER MARIO GALAXY MOVIE

• إخراج:‫ آرون هورڤاث ومايكل جلنيتش‬

• الولايات المتحدة | أنيميشن (2026)

كما قال شكسبير: «كثير من اللغط حول لا شيء»

في «سوبر ماريو غالاكسي موفي»، المستمد من لعبة فيديو حُوّلت إلى أجزاء عدة، هذا آخرها، عناية بالألوان والتصاميم وعناصر الصوت والصورة المتحركة، وألوف اللقطات السريعة.

من «سوبر ماريو غالاكسي» (يونيڤرسال)

لكنها جميعاً لا تعني أكثر من ذلك ولا تشكّل قيمة (لن أقول فنية، بل على الأقل ذات ضرورة). الحكاية تتولى الانتقال عبر المدارات المختلفة؛ لأن الأخوين ماريو (كريس برات) ولويجي (تشارلي داي) يبحثان عن الأميرة المختفية روزالينا (بري لارسن، كان لها مستقبل مختلف بعد فيلمها «Room» قبل 11 سنة) في واحد من ثقوب المجرّة التي يجوب الأخوان مساحاتها وتضاريسها الشاسعة في تواصل لا ينقطع من المواقف التي تدّعي التشويق. في كل ركن وسباحة فضائية هناك إعلان عن منتج تجاري. هي فرصة لبيع تذاكر وبيع منتجات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز