حكايات مهرجان «ترايبيكا» تمحورت حول الآباء والأبناء وألفة المسافرين في قطار

فيلم من إنتاج «الجزيرة أميركا» ضمن المسابقة

إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول»  -  هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول» - هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
TT

حكايات مهرجان «ترايبيكا» تمحورت حول الآباء والأبناء وألفة المسافرين في قطار

إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول»  -  هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»
إد هاريس وجيمس فرانكو في «مفكرة أدرأول» - هانا موراي الفائزة عن دورها في «بردجإند»

لا يحفل مهرجان «ترايبيكا» بجوائز تهز الدنيا كما حال «كان» أو «برلين»، أو عدد ضئيل آخر من المهرجانات الدولية، لكنه يبقى واحدًا من تلك المناسبات السينمائية التي تثري مدينة نيويورك وضواحيها (يقام في ضاحية ترايبيكا لكن يؤمه جمهور من كل أطراف المدينة) التي انطلقت مباشرة في أعقاب هجوم 9/11 لأجل إثبات أن المدينة تستطيع الحفاظ على هويّتها الثقافية والحضارية على الرغم من العملية الإرهابية.
وإذ انتهت أعماله في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، فإن من اشترك فيه من السينمائيين وجد نفسه في احتفاء يستحق التقدير. «ترايبيكا» ليس المهرجان النيويوركي الوحيد، بل هناك حفنة منها أهمها «مهرجان نيويورك» و«مهرجان مخرجون جدد - أفلام جديدة»، لكنه استطاع في سنوات قليلة أن يتبوأ قدرًا عاليًا من الاهتمام وسط الحقلين الثقافي والفني لمدينة دائمًا ما عُرفت بثرائها في هذين المجالين.
القيمة الإجمالية للجوائز بلغت 175 ألف دولار وتوزّعت على ثلاث عشرة جائزة في مجال الفيلم الطويل وست جوائز في مجال الفيلم القصير. وأبرز الأفلام الفائزة «جبل عذري» وهو إنتاج مشترك ما بين آيسلندا والدنمارك، ونال جائزة أفضل فيلم روائي طويل، و«ديمقراطيون» الدنماركي الذي حصد جائزة أفضل فيلم تسجيلي. أفضل ممثل هو بطل «جبل عذري» واسمه غونار جونسون، وأفضل ممثلة هي الأميركية هانا موراي عن دورها في «بريدجإند»، وهو أيضا له جذور اسكندنافية من حيث إن نصف تمويله جاء من الدنمارك، والنصف الثاني بريطاني على أميركي.
جائزة أفضل مخرج ذهبت إلى زاكاري تريتز عن فيلمه التاريخي «رجال يذهبون إلى المعركة»، تقع أحداثه خلال الحرب الأهلية الأميركية.
عشرة أفلام من تلك المعروضة، بما فيها بعض تلك الفائزة، استوقفتنا على نحو أو آخر. كأي مهرجان حافل لا يمكن مشاهدة كل شيء حتى وإن لم يفعل المتابع شيئًا آخر سوى المشاهدة.

* آباء وأبناء
كان لافتا وجود فيلم من إنتاج محطة «الجزيرة أميركا» في مسابقة الفيلم التسجيلي. من مطلع الفيلم يركب المخرج ألبرت مايلس وفريقه قطار «إمباير بيلدر» المنطلق من الغرب والمتوجه جنوبًا على مدى ثلاثة أيام يمر خلالها بمدن وقرى وسهول وجبال وآبار نفطية. لقطاته خارج القطار في مجملها ساحرة، لكن همّ الفيلم الأول هو التقاط الحياة بين مجموع المسافرين الذين لا يعرف أحدهم الآخر. كل راكب هو في هذا القطار طالب وجهة مختلفة في ذاتها حتى وإن نزل في المحطة نفسها. كل منهم يعكس ذاتًا مختلفة حين سؤاله لماذا هو في هذا القطار. لكن ليس كل المقابلات تتم بين الشخصيات وبين الكاميرا، بل معظمها التقاط حي لما يدور بين الغرباء مع تسجيل ذلك القدر العالي من الألفة والمودّة بين الناس. هناك رجل يسجّل بكاميرته الراكبة الحامل التي تعود إلى أهلها ليكونوا لجانبها حين الوضع ويعلّق: «هي ستغيب، لكنها في ذاكرة هذه الكاميرا».
تلك الألفة نجدها كذلك في «ميدولاند» لريد مورانو (مثل سايلس هو مدير تصوير أيضا). إنها ما يبحث عنه الزوجان لوك ولسون وأوليفيا وايلد. لكنهما لن يجدانها بسهولة. حياتهما تبدّلت منذ اختطاف ابنهما قبل نحو سنة، إذ بغيابه تلاشى الكثير من أسباب الهناء بينهما كما بينهما وبين باقي العالم. يلتقط الفيلم محاولتهما الخروج من تلك العزلة التي عاشاها منذ ذلك الحين، لكنه يسجل كيف أن هذه المحاولة محفوفة بالمخاطر، إذ تزيد الانقسام الحاصل صمتا بينهما. دراما جيّدة لمخرج جديد جاء من خلفية التصوير وكله رغبة في تسجيل تفاصيل المشاعر عوض إطلاقها في موجات من الفعل وردود الفعل الكبيرة.
وهناك دراما أخرى تبحث في العلاقات الأسرية مجسدة في فيلم «مفكرات أدرأول» لباميلا رومانوفسكي. هنا يلعب جيمس فرانكو (الذي لديه فيلم حالي في الأسواق عنوانه «قصّة حقيقية») دور كاتب حقق نجاحًا في أول عمل له الذي استخلص مادته من ذكرياته حول ما تعرّض له من تعنيف وسوء على يدي والده (إد هاريس). الآن وبعد النجاح الأول لا يجد ما يكتبه ويبيعه لكنه يهتدي إلى قضية رجل (كريستيان سلاتر) متهم بقتل زوجته. يجدها (كما في «قصّة حقيقية» وإن لعب فرانكو هناك دور القاتل) فرصة ذهبية لتحقيق نجاح آخر. ما يعوق كل شيء انهياره عندما يتعرّف على صحافية (أمبر هيد) كاشفًا عن مدى الجراح التي ما زالت تنتابه من جراء خلفية الحياة العائلية التي شهدها. الفيلم داكن وغير متوازن. إد هاريس أفضل ما فيه، بينما لا يزال جيمس فرانكو يبحث لنفسه عن صورة.

* حدث خلال الحرب
وفي منحى آخر من علاقة الآباء والأبناء نجد «إرث نازي: ما فعله آباؤنا». هذا فيلم تسجيلي آخر، وله علاقة بالآباء والأبناء والتاريخ. المخرج ديفيد إيفانز يسرد ما حدث للمحامي اليهودي فيليب ساندز عندما التقى برجل أكبر منه سنّا اسمه نيكلاس فرانك. والد نيكلاس كان من بين من أمرت محكمة نورمبيرغ بإعدامهم معتبرة إياه شريكًا في جرائم حرب وعن طريق نيكلاس تعرّف المحامي على هورست فون ووشتر الذي أدين والده أيضا بتصفية اليهود. يتابع الفيلم علاقة هؤلاء بعضهم ببعض وكيف راقب المحامي ردّ فعل كل منهما حيال التهمة التي لصقت بوالده وموقفهما اليوم من تلك الذكرى. على الرغم من انضمام الفيلم، في نهاية مطافه، إلى كل تلك الأفلام التي ما زالت تريد محاسبة أبناء اليوم على أخطاء الأمس، هناك منوال عمل مثير للاهتمام، لكن عناصر الاهتمام بالموضوع تتساقط بالتدرج لتضمحل عن عمل عادي.
«حلم - قاتل» هو فيلم تسجيلي آخر عن العلاقة بين الآباء والأبناء، الفيلم السابق («مفكرات أدرأول») يجدها مهزوزة، لكن «حلم - قاتل» يمنحها ما تستحقه من إضاءة إيجابية. الواقعة حدثت في مدينة كولومبيا (ولاية) ميسوري عندما تدخلت عوامل عدّة للحكم على شاب اسمه رايان بارتكاب جريمة قتل. المخرج أندرو جنكز يوفر من البداية دلائل على تعسّف هذا الحكم وبراءة الشاب، لكنه يتمحور حول الأب وبذله وعناده في سبيل البرهنة على أن ابنه لم يرتكب أي جريمة. لم تكن المساعي المبذولة سهلة التحقيق ولا نتائجها كانت من النوع الذي نشاهده في المسلسلات التلفزيونية (تتحقق في ساعة). يجعل الفيلم مشاهديه يدركون سريعًا أن بعض الناس ليس لديهم في العالم بأسره من يقف لجانبهم في المحن سوى آبائهم.
في «رجال يذهبون إلى المعركة» ينتقل المخرج زاكاري تريتز إلى عام 1860 حيث يقدّم لنا شخصيتي شقيقين (تيم مورتون وديفيد مالوني) يعيشان في بلدة صغيرة في ولاية كنتاكي في كنف الحرب الأهلية الدائرة. هذا ليس سهلا على أحد، وأحدهما لن يستطع البقاء مستقلاً عن تلك الحرب، بل سيلجأ إليها، ولو أن لجوءه له علاقة بطبيعته الشخصية وليس بأي من الموقفين السياسيين اللذين كانا السبب في وقوعها.
فاز «رجال يذهبون إلى المعركة» بجائزة أفضل مخرج، كما تقدّم. بدوره تمتع الفيلم الذي فاز بجائزة أفضل فيلم روائي، وهو «جبل عذري»، بتقدير كبير منذ أن عرض سابقا في مهرجان برلين (خارج المسابقة). موضوعه معالج ببعض الرقّة والكثير من التفهم: رجل ضخم الجثة يحمل قلبًا عاطفيًا ويبلغ من العمر 43 سنة، لكنه لا يزال عذريًا لم يمارس الحب بعد. مانعه نفسي وعاطفي إلى جانب أن أحدًا لا يريد الاقتراب من رجل يوحي، بسبب حجمه، بأنه أبعد ما يكون عن الرومانسية. يعلم المشاهد ما ستؤول إليه الأحداث عندما يتعرّف على فتاة ضئيلة الحجم لا تخشاه وتفهم أعماقه في الوقت الذي لديها ما يعكّر نفسيتها أيضًا. على ذلك هناك معالجة جيّدة وإنسانية لهذه التوقعات تخدم رغبة الفيلم في تقديم شخصيات غير مألوفة.



«صوت هند رجب»... من المهرجانات العالمية إلى السينما السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (أ.م.د.ب)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (أ.م.د.ب)
TT

«صوت هند رجب»... من المهرجانات العالمية إلى السينما السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (أ.م.د.ب)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (أ.م.د.ب)

منذ عرضه الأول في مهرجان البندقية السينمائي، وصولاً إلى عرضه الخاص في مهرجان البحر الأحمر السينمائي بجدة الأسبوع الماضي، أثار فيلم «صوت هند رجب» نقاشاً واسعاً؛ لاعتماده على الصوت بوصفه مركز التجربة السينمائية، وهو عمل توقفت عنده منصات سينمائية عالمية لكونه فيلماً يختبر قدرة مكالمة هاتفية على حمل مأساة كاملة، عبر السرد السمعي وحده.

وفي هذا الأسبوع، يصل الفيلم إلى صالات السينما السعودية ومجموعة من الدول العربية، حاملاً معه ذلك الصدى العالمي، ومطروحاً أمام جمهور جديد يترقّب عرضه يوم الخميس 18 ديسمبر (كانون الأول). الفيلم من كتابة وإخراج كوثر بن هنية، المرشحة مرتين لجوائز الأوسكار، وقد فاز بـ«جائزة الأسد الفضي» وهي الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي. كما نال تكريمات في مهرجان سان سيباستيان، محققاً أعلى تقييم في تاريخ المهرجان، إلى جانب مشاركته في مهرجان شيكاغو السينمائي، مما أسهم في ترسيخ حضور الفيلم بوصفه أحد أكثر الأفلام غير الإنجليزية تداولاً خلال العام.

المكالمة الهاتفية... نقطة البداية

ينطلق «صوت هند رجب» من واقعة حقيقية شهدها قطاع غزة في يناير (كانون الثاني) 2024، حين حوصرت الطفلة الفلسطينية هند رجب، ذات الأعوام الستة، داخل سيارة تعرّضت لإطلاق نار في أثناء محاولتها الخروج من المدينة برفقة أفراد من عائلتها. ومع تعقّد المشهد الميداني، تتواصل الطفلة عبر الهاتف مع متطوعي الهلال الأحمر، فيما تتتابع محاولات التنسيق للوصول إليها. من هذه اللحظة، يتشكّل البناء السردي للفيلم، حيث يصبح الصوت مساحة الحكاية الوحيدة، ويتحوّل الانتظار إلى عنصر درامي قائم بذاته.

تختار المخرجة التونسية، كوثر بن هنية، أن تضع الهاتف في قلب التجربة السينمائية، وأن تمنح الصوت وظيفة تتجاوز كونه وسيطاً تقنياً إلى كونه حاملاً للزمن والقلق والمعنى. الكاميرا تتابع محيط الحدث، وحركة المسعفين، ومسارات التنسيق المتشابكة، فيما يبقى مركز الثقل معلقاً عند الطرف الآخر من الخط. هذا البناء يفرض على المشاهد حالة إصغاء مستمرة، ويضعه في موقع المشاركة الشعورية، حيث تتقدّم الدقائق بثقلها وتتراكم الأسئلة مع كل محاولة وصول مؤجلة.

يركز الفيلم على عجز المسعفين على إنقاذ الطفلة التي تستنجد بهم (أ.م.د.ب)

اختبار العجز الإنساني

في مقاربته الحدث، يختار «صوت هند رجب» مساراً إنسانياً يركّز على الفعل ذاته: الاستغاثة، والمحاولة، والسعي للوصول. هذا التركيز يمنح الفيلم بعداً إنسانياً، ويجعله مفتوحاً على تلقي جمهور واسع يرى في القصة اختباراً أخلاقياً لمعنى الإنقاذ حين تتشابك الظروف وتتأخر الاستجابة. هنا، تتحول السينما إلى مساحة تأمل في حدود الفعل الإنساني، وفي المسافة بين النداء والاستجابة.

كوثر بن هنية، التي راكمت حضوراً بارزاً في المشهد السينمائي الدولي خلال السنوات الماضية، تواصل في هذا العمل مشروعها الفني القائم على مساءلة العلاقة بين الواقع والتمثيل، وذلك بعد أفلام لاقت اهتماماً عالمياً مثل «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة»، حيث تأتي هذه التجربة لتؤكد انشغالها بتحويل الوقائع المعاصرة إلى بناء سينمائي متزن، يعتمد على الشكل بوصفه مدخلاً للفكرة. ففي هذا العمل يظهر هذا الوعي في الاختزال السردي، وفي الثقة بقدرة الصوت على حمل الثقل الدرامي.

يشارك في بطولة الفيلم مجموعة من الممثلين، من بينهم سجا كيلاني، ومعتز ملحيس، وكلارا خوري، وعامر حليحل، في أدوار تتوزع بين محيط الحدث ومسارات التواصل ومحاولات التنسيق، وكل ذلك يحدث في مكان واحد، على مدى ساعة ونصف هي مدة الفيلم، حيث تتحرك الشخصيات ضمن سياق جماعي، تتكشف ملامحه عبر الأصوات وردود الفعل أكثر من الأداء القائم على الصورة.

الصوت في الصدارة

يبرز الصوت في الفيلم بوصفه الشخصية الأهم: صوت الطفلة، وأصوات المسعفين، وأصوات المتطوعين، جميعها تتحول إلى مكوّنات درامية تحمل الخوف والارتباك والأمل المؤجل... ومع امتداد التجربة من دون ذروة تقليدية، يبقى المشاهد داخل حالة توتر مستمرة تعكس طبيعة الحدث، وتمنح العمل ثقله الأخلاقي.

وخلال عرضه الخاص ضمن الدورة الخامسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، حظي الفيلم بتفاعل لافت داخل القاعة الرئيسية. فالعرض، الذي اقتصر على مناسبة واحدة فقط، نفدت تذاكره سريعاً، واختُتم بوصلة تصفيق امتدت لنحو 4 دقائق، في مشهد عبّر عن حجم الأثر الذي تركته التجربة لدى الجمهور، وسط تفاعل عاطفي عكس ثقل الموضوع وطبيعة المعالجة التي يفرضها الفيلم على مشاهديه.

في سباق الأوسكار

يمثّل الفيلم الترشيح الرسمي لتونس في فئة أفضل فيلم دولي ضمن سباق جوائز الأوسكار لعام 2026، في منافسة تضم أعمالاً من 86 دولة، وهذا السياق يضع العمل ضمن مسار شديد التنافس، تتقاطع فيه القيمة الفنية مع طبيعة الموضوع ونمط التلقي، مدعوماً بخبرة مخرجته والأصداء التي رافقت عروضه الأولى.

في المحصلة، يقدّم «صوت هند رجب» تجربة سينمائية تنتمي إلى سينما الذاكرة والتوثيق الإنساني، حيث يتحول الصوت إلى أداة لحفظ الأثر، وتصبح المكالمة الهاتفية سجلاً زمنياً للحظة كاملة. ومع وصوله إلى صالات السينما السعودية، يفتح الفيلم مساحة جديدة للنقاش حول دور السينما في مقاربة المآسي المعاصرة، عبر الإصغاء، والتأمل، وتثبيت الذاكرة بوصفها فعلاً ثقافياً وإنسانياً.


السينما في 2025... عام مفصلي لتطور تقنيات الإبهار

«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)
«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)
TT

السينما في 2025... عام مفصلي لتطور تقنيات الإبهار

«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)
«سريع وغاضب» واللامعقول (يوينڤرسال)

في مجمله، كان عام 2025 نقطةً مفصلية في مسار السينما على أكثر من صعيد. بدقّة عالية يمكن تحديد العام الحالي على أساس نقطة تفصل بين ما قبله وما بعده، تماماً كما حدث عندما داهم وباء «كورونا» العالم قبل 5 سنوات، فوجدت السينما، كغيرها من القطاعات، نفسها في موقع التحدي والمواجهة.

لكنّ ما يحدث هذه المرّة يختلف؛ فالسينما تدخل عصراً جديداً تبلورت ملامحه في الأعوام السابقة، ثم تجسّد عام 2025 بوصفه واقعاً ثابتاً وقوة مؤثرة في مختلف عناصر الصناعة. الإحاطة بهذه التطورات تكشف حجم تأثير دخول التقنيات إلى عمق البنية الصناعية للسينما.

«بوليت» المطاردة تبدو واقعية لليوم (وورنر)

استبدال شامل

حتى سنوات قليلة مضت، ظلّ إنتاج الأفلام يجري بالطريقة التقليدية: الموافقة على المشروع، ومن ثَم تطويع كل الإمكانات الفنية والتقنية لخدمته وفق موضوعه ونوعه. وكان من المعتاد اللجوء إلى تقنيات الكمبيوتر غرافيكس لإتمام ما يصعب تحقيقه واقعياً، مثل مشاهد مطاردات السيارات في أفلام مثل «بولِت» (Bullitt) 1968، و«ذَ فرنش كونكشن» (The French Connection) 1971، و«رونَن» (Ronin) 1998، التي كانت تُنجز بجهود بشرية شاقة وبمخاطر حقيقية.

اليوم تغيّر القاموس التنفيذي بالكامل. بات في الإمكان تصوير ممثل يركض في «شوارع باريس»، وهو في الحقيقة واقف داخل ستوديوهات «يونيڤرسال»، أمام شاشة خضراء. ويكفي عقد مقارنة بين تلك الأفلام الكلاسيكية وأي فيلم من سلسلة «Fast and Furious» للتأكد من حجم التحوّل.

لكن المدّ لا يتوقف هنا. فالاعتماد على الذكاء الاصطناعي شهد هذا العام قفزة جديدة. صار من الممكن، تنفيذ الفيلم من السيناريو إلى الشاشة عبر منظومة غير بشرية بالكامل: كتابة، إخراج، تصوير، مونتاج، بل وحتى أداء الممثلين.

دافع رئيس

قبل أسبوعين، اعتلى المخرج غييرمو دل تورو منصّة «أميركان فيلم إنستتيوت» لتسلُّم جائزته عن فيلمه الجديد «فرانكنستين»، ونال تصفيقاً حاراً حين أعلن: «فيلمي فني في كل لقطة. خالٍ بنسبة 100 في المائة من الذكاء الاصطناعي».

وعلى الرغم من هذه المواقف، يبقى الدافع الأساسي لاعتماد التقنية واضحاً: تقليص الميزانيات الضخمة للأفلام التجارية. فالذكاء الاصطناعي قادر على خفض التكاليف إلى النصف تقريباً، بحيث تبقى الرواتب هي العبء الأكبر وحدها.

وهذا يتقاطع مع استعداد جمهور واسع لقبول كل ما يقدّم له ما دام يحتوي على جرعات عالية من الأكشن والخيال، دون الاكتراث بما إذا كان الفيلم «بشرياً» أم مُنتجاً آلياً.

«فرانكنستين» 100 في المائة سينما (نتفليكس)

تفكير بالنيابة

يرى المدافعون عن الذكاء الاصطناعي (AI) أنّه يطوّر بصريات الفيلم ويجوّد مؤثراته، لكن هذا صحيح بقدر محدود. فالسينما بلغت قممها على أيدي فنانين أكفّاء صنعوا روائع مثل «ووترلو»، أو «بوني وكلايد»، أو «لورنس العرب»، أو «صنست بوليڤارد»، أو «القيامة الآن».

ما يطلبه الذكاء الاصطناعي ببساطة هو: «لا تفكّر... سأفكّر نيابةً عنك».

وهو ما يشبه ما حدث مع الهواتف الذكية وخرائط «غوغل»: استبدال الجهد الذهني بالاعتماد التام على التقنية.

ولا يعمل الذكاء الاصطناعي وحده في هذا المسار. فعام 2025 هو الامتداد الأكثر شراسة لما بدأ قبل سنوات مع المنصّات المنزلية، التي توفّر عليك مهمّة الانتقال إلى صالات السينما. غايتها ليست راحتك ولا حتى مساعدتك على الحد من النفقات (لم ترتفع أسعار التذاكر إلى المستوى الحالي إلا كرد فعل على انخفاض الإقبال) بل مد أصابعها إلى محفظتك كل شهر. أنت بالتالي، وعلى عكس روعة الحضور الفعلي لصالة السينما، لست أكثر من رقم محفوظ ومصمم لكي تُفيد جهة لن تقوم مطلقاً بتوفير أفلام فنية أو تعالج موضوعات جادّة بفاعلية طالما إنها ليست مطلب الجمهور.

وفي هذا السياق جاء هجوم «نتفليكس» الأخير لشراء «وورنر»، في خطوة توسّع رقعة هيمنة المنصّات. بينما جاء دخول «باراماونت» على خط الاستحواذ لعرقلة هذا التفرّد وإعادة بعض التوازن إلى المنافسة.

لكن السينما المناوئة لم تُهزم بعد وتجد في المهرجانات الفنية مساحة كبيرة للمقاومة كما في مواقف مخرجين يدركون جيّداً أن عليهم الصمود في وجه هذه التيارات.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام من مهرجان «البحر الأحمر» تكسر المعتاد

«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)
«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام من مهرجان «البحر الأحمر» تكسر المعتاد

«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)
«العميل السري» (مهرجان البحر الأحمر)

THE SECRET AGENT ★★★★

إخراج: ‪ كلايبر مندوزا فيلو‬

البرازيل | تشويق سياسي

عروض 2025: مهرجان «البحر الأحمر»

يتألّف هذا الفيلم الذي شهد عرضه الأول في مهرجان «ڤينيسيا» هذا العام واستُقبل جيداً في مهرجان البحر الأحمر قبل أيام من 3 أقسام، كل منها بعنوان مختلف، لكن ليس بغرض سرد 3 حكايات مختلفة، بل لربط أحداث كل فصل وشخصياته بخيط واحد يتناول، بالإيحاء غالباً، الجريمة السياسية في البرازيل سنة 1977. وسواء تحدّث القسم الأول عن جرائم قتل ارتكبها نظام تلك الفترة ضد المواطنين، أو رغبة بطل الفيلم مارسيلو (واغنر مورا) في البحث في أرشيف الدولة عن تاريخ عائلته (القسم الثاني)، أو لجوئه للتخفي بعيداً عن أعين مطارديه في محاولته لإعادة فهم وتقييم الواقع المُعاش (عموم الأقسام الثلاثة)، فإنه يوفّر من خلال شخصية بطله نظرة جامعة لأثر الاضطهاد السياسي على حياته فرداً وحياة الآخرين مجموعةً. وهو يفعل ذلك بدراية كاملة وبحرية فنية تجعل الفيلم أكثر إشباعاً لمحبي السينما وتمنح المُشاهد معالجة تبدو كما لو كانت مستقاة من خطوط أحداث لا نراها، بل نعايشها كما نعايش الماثل أمامنا. هذا كان شغل فيلو منذ فيلمه الأول «أصوات مجاورة» (Neighboring Sounds) وما زال شغله الآن، حيث ما نراه وما لا نراه يتساويان في الإيحاء والأهمية.

يستخدم فيلو السينما مرآة تعكس ذاكرة تقض المضاجع. مارسيلو يعيش في ماضيه كما في واقعه الحالي. يلجأ إلى بلدة تعيش طقوساً احتفالية لا يأبه لها كثيراً، إذ إن غايته إعادة الوصل بينه وبين ابنه الذي يعيش في الخيال. كل هذا والشعور بأن السلطة والعاملين فيها أو متعاملين معها موجودون عن قرب، حتى وإن لم نرَ لهم حضوراً فعلياً.

يتحرك الفيلم بحرية بين موضوعاته وأقسامه، غير مرتبط بمنهج سرد معيّن، ولكثرة مشاغله وما يود البحث فيه هناك تطويل يطغى، لكنه يبقى قادراً على جذب الاهتمام طوال الوقت. ما يتبلور على الشاشة هو عمل يجمع بين سيرة شبه شخصية لرجل يرفض نسيان الأمس وبين حب السينما كلغة تعبير، وثقة المخرج بالكيفية التي ينجز فيها مفرداته هذه.

BLACK RABBIT‪,‬ WHITE RABBIT ★★★

إخراج: شهرام مقري

طاجيكستان/ الإمارات العربية

المتحدة | دراما

عروض 2025: مهرجان «البحر الأحمر»

هذا فيلم غريب يُقدّر لحريّة المخرج في معالجته المبنية، بوضوح، على الخروج من شروط السرد المعتمد عادةً إلى آخر يتطلّب من المُشاهد التحرك بالاتجاه نفسه، متجاوزاً بدوره ما اعتاد عليه.

«أرنب أسود، أرنب أبيض» (مهرجان البحر الأحمر)

يدور في أرض تعود إلى استوديو حيث يُصوَّر فيلمان معاً في رقعة واحدة. رغبة المخرج مقري تعتمد على الإكثار من استخدام حريّته في رصف الفيلم الذي يريد كما يريده. هذا يخلق وضعاً تتكرر فيه المشاهد والحوارات، كما الحال عادةً خلال صنع الأفلام. نرى المشهد نفسه مع تغيير طفيف أكثر من مرة، تبعاً لرؤية مخرج يهوى التجريب ويراه مدخلاً مناسباً لسينماه. امرأتان ورجل ومسدس قديم هم محور ما يدور، لكن في وسط ما يبدو تكراراً، حضور لطبقات جديدة تتوالى الظهور.

من حسنات الفيلم التصوير (لمرتضى غايدي)، الذي يؤسس لنظام عمل متكامل يتواكب مع رغبة المخرج في تشغيل مخيلة المُشاهد وتعزيز أسلوبه. في أحيان كثيرة، يؤدي ذلك، ولو بالقصد، إلى الخلط بين الحدث الذي يقع في الفيلم الذي نراه، وذلك الحدث الآخر الذي ينطوي عليه الفيلم داخل الفيلم.

LOST LAND ★★★

إخراج: أكيو فوجيموتو

اليابان/ ماليزيا/ فرنسا

دراما عن الهجرة

عروض 2025: مهرجان «البحر الأحمر»

لا بد أن الشعور الإنساني في صميمه هو ما يدفع مخرجاً يابانياً للانتقال إلى بنغلاديش لتصوير موضوع محلي الحدث مع شخصيات محلية بدورها.

«أرض مفقودة» (مهرجان البحر الأحمر)

في «أرض مفقودة» متابعة لمصير صبي في الرابعة من العمر وشقيقته ابنة التاسعة، وقد قررا الاشتراك في رحلة تبدأ في حافلة تقل عشرات الأشخاص وتنتهي بهما بعد أيام من المشاق، وقد أصبحا وحيدين. مما يتبدى أن غاية المخرج فوجيموتو هي الحديث عن الهجرة غير الشرعية عموماً، مع تمهيد للشخصيتين قبل التحوّل عنهما لتصوير آخرين يؤمّون الهدف نفسه ويعيشون مصاعبه. سيعود المخرج للصبي شافي وأخته سميرة لاحقاً بعد أن يؤسس صورة عامة.

رغبة هذين الولدين هي ترك بنغلاديش في محاولة للقاء والديهما اللذين كانا قد هاجرا إلى ماليزيا. ليس هناك كثيراً لتداوله حول ظروف ما قبل قرارهما بالهجرة، لكن الحكاية تنتهي بهما وقد وجدا نفسيهما في تايلاند. على ذلك، يلتقي هذا المنهج مع حقيقة أن الشخصيات المحيطة تهاجر من دون القدرة على اتخاذ قرارات صائبة. في عموم الفيلم، هم آملون بمستقبل أفضل في عالم لا أمل فيه بالنسبة إليهم على الأقل.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز