طبول الحرب تتسارع وإدارة بايدن تتحضر للغزو الروسي لكييف

{البنتاغون} يرسل مزيداً من الجنود والمعدات العسكرية إلى دول البلطيق

طبول الحرب تتسارع وإدارة بايدن تتحضر للغزو الروسي لكييف
TT

طبول الحرب تتسارع وإدارة بايدن تتحضر للغزو الروسي لكييف

طبول الحرب تتسارع وإدارة بايدن تتحضر للغزو الروسي لكييف

تستعد إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بسيناريوهات للرد على خطوات روسيا القادمة، حيث تتوقع هجوما عسكريا خلال الأيام القادمة بطائرات مقاتلة ودبابات وصواريخ باليستية وهجمات إلكترونية، تستهدف مواقع في العاصمة الأوكرانية كييف، بهدف شل القيادة الأوكرانية. وقد دخلت المركبات العسكرية الروسية منطقة دونيتسك بعد ساعات قليلة من خطاب بوتين الطويل الذي أعلن فيه استقلال المنطقتين الانفصاليتين، وشكك في شرعية أوكرانيا كدولة. ووصف الرئيس جو بايدن التحركات العسكرية الروسية في منطقتي دونيتسك ولوغانسك شرق أوكرانيا في خطابه مساء الثلاثاء بأنها «غزو عسكري لأوكرانيا»، مؤكدا أن تلك التحركات العسكرية تعد انتهاكا صارخا للقانون الدولي، مطالبا المجتمع الدولي بالرد بحزم. وقال بايدن بوضوح: «هذه بداية غزو روسي لأوكرانيا، وسنواصل تصعيد العقوبات إذا صعدت روسيا من تحركاتها».
ولمح بايدن إلى توقعاته بقيام روسيا بشن هجوم عسكري واسع النطاق ضد أوكرانيا وقال: «ببساطة أعلنت روسيا اليوم تقسيم جزء كبير من أوكرانيا، ووضعت أسبابا منطقية للاستيلاء على المزيد من الأراضي بالقوة، وتقديم مزيد من الذرائع والاستفزازات لتبرير المزيد من العمل العسكري، وما زلنا نعتقد أن روسيا مستعدة للذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير في شن هجوم عسكري واسع النطاق ضد أوكرانيا، وآمل أن أكون مخطئا بشأن ذلك».
وأضاف بايدن «نحن متحدون في فهمنا لخطورة التهديد الذي تشكله روسيا على السلام والاستقرار العالميين»، منتقدا تصرفات بوتين وقال: «لقد هدد صراحة بالحرب ما لم يتم تلبية مطالبه المتطرفة، ولا شك أن روسيا هي المعتدية ونحن نرسل رسالة لا لبس فيها أن الولايات المتحدة وحلفاءها سوف يدافعون عن كل شبر من أراضي حلف الناتو، ويلتزمون بالالتزامات التي تم قطعها تجاه الناتو»، وشدد على أن القوات الروسية ما زالت متمركزة في بيلاروسيا لمهاجمة أوكرانيا من الشمال بالطائرات الحربية والصواريخ الهجومية، وتقوم بنقل الإمدادات والمعدات الطبية إلى مواقعها على الحدود.
وأعلن الرئيس الأميركي مجموعة من العقوبات على موسكو شملت وقف خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2 بالتنسيق مع ألمانيا، وقطع التمويل عن بنكين روسيين، إضافة إلى فرض عقوبات على مسؤولين روس من النخب والعائلات الروسية الثرية، محذرا من أن المزيد من العقوبات سيتم فرضه ضد روسيا ما لم يقم الرئيس بوتين بسحب قواته والانخراط في جهود دبلوماسية لحل الأزمة.
لكنه تراجع عن فرض عقوبات اقتصادية شديدة في محاولة للحفاظ على نفوذه على موسكو، بينما تسعى الدول الغربية للضغط على بوتين للتراجع على شن هجوم واسع على أوكرانيا. ويصارع البيت الأبيض لرسم خريطة لفرض مزيد من العقوبات بطريقة تحتفظ بها واشنطن بمزيد من الخيارات في حال حدوث مزيد من التصعيد. ووصف بايدن ونظراؤه في ألمانيا وبريطانيا وعدة دول أوروبية أخرى حزمة العقوبات القادمة بأنها ستكون قاسية وتشمل حرمان روسيا من القدرة على اقتراض الأموال في الأسواق الغربية، وعرقلة المعاملات المالية. وأصدرت حكومات اليابان وتايوان وسنغافورة بيانا مشتركا أعلنت فيه الحد من صادرات التكنولوجيا إلى روسيا. وانضمت أستراليا وكندا إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في إعلان عقوبات ضد روسيا. واستعدت الدول لاحتمالات حدوث أزمات اقتصادية في خطوط إمدادات الطاقة والحبوب الغذائية كالقمح، إضافة إلى مزيد من مخاطر شن الهجمات الإلكترونية الروسية.
ويستعد الاتحاد الأوروبي لاستقبال عدد كبير من النازحين من أوكرانيا إذا اندلعت الحرب والاشتباكات العسكرية. وبدأت التساؤلات حول مقدمات لدق طبول حرب عالمية ثالثة في ضوء طموحات وتصرفات سيد الكرملين. ويسود الغموض حول مدى نيات الرئيس بوتين ما دام استمرت القوات الروسية محتشدة، وتتزايد التساؤلات حول ماهية الخط الأحمر الذي يمكن لواشنطن والعواصم الغربية وحلف الناتو رسمه إذا أقدمت روسيا - بقصد أو دون قصد - على تهديد دولة عضوة في حلف الناتو. وقد انضمت دول أوروبا الشرقية مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا التي كانت يوما جزءا من نفوذ العهد السوفياتي، أعضاء في حلف شمال الأطلسي الناتو، وتشعر تلك الدول بقلق واضح من أن القوات الروسية لن تتوقف عند غزو أوكرانيا فقط، وأنها تستخدم بعض الذرائع لمساعدة الأقليات العرقية الروسية في دول البلطيق.
وتنص المادة الخامسة من ميثاق إنشاء الحلف على التزام كافة أعضاء التحالف العسكري بالدفاع عن أي دولة تتعرض للهجوم، وقد أرسلت إدارة بايدن قوات أميركية في بعض الدول الأعضاء في الحلف، وأرسل الناتو تعزيزات لدعم أعضائه في أوروبا الشرقية كرادع. ويتخوف الخبراء من الانزلاق إلى حرب عالمية واسعة النطاق، بينما يستبعد البعض الآخر أن يتطور الأمر إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الناتو وروسيا، وأن بوتين لا يريد مهاجمة الناتو، وإنما يريد فقط تحويل أوكرانيا إلى دولة تابعة مثل بيلاروسيا.
وتشكك محللون في تأثير تلك العقوبات الأميركية الجديدة محدودة النطاق، ولا ترقى إلى الحرب الاقتصادية الشديدة والقاسية الذي هددت بها إدارة بايدن، وطالب بها الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وطالب بها أعضاء في الكونغرس الأميركي. وأوضح مسؤولون في البيت الأبيض أن بايدن ونظراءه الأوروبيين عليهم أن يوازنوا بين الحاجة لاتخاذ إجراءات سريعة وشديدة، وبين الحفاظ على إمكانية فرض عقوبات أكبر على روسيا إذا قام بوتين بالتصعيد ومحاولة الاستيلاء على المزيد من الأراضي التي يطالب بها الانفصاليون، أو الاستيلاء الكامل على أوكرانيا واندلاع حرب يمكن أن تودي بحياة عشرت الآلاف. ووصف داليب سينغ نائب مستشار الأمن القومي الأميركي العقوبات المعلنة مساء الثلاثاء بأنها ليست سوى الشريحة الأولى من العقوبات القاسية التي يمكن فرضها لاحقا، وقال إن المصارف الروسية المستهدفة بالعقوبات هي ممول رئيسي لأنشطة الجيش الروسي، موضحا أنه سيتم منع المصارف الروسية من إجراء معاملات في الولايات المتحدة وأوروبا، وسيتم تجميد أصولها. ولم توضح جين ساكي المتحدثة باسم البيت الأبيض ما هي الإجراءات الروسية التي ستؤدي بإدارة بايدن إلى فرض أقصى حد للعقوبات الأميركية. وأشار المحللون إلى أنه من غير المرجح أن يكون للعقوبات الجديدة التأثير الذي يأمله الغرب على الأقل في المدى القصير، وأوضح توماس جراهام بمجلس العلاقات الخارجية أن بايدن يحاول وضع الرئيس بوتين في مأزق من خلال عدم معاقبة البنوك الحكومية الكبرى، لأن ذلك يسبب مشاكل للروس العاديين، لكن بوتين ليس لديه مصلحة في التراجع، ويعتقد أن الولايات المتحدة ستعاقب روسيا مهما حدث من جانبها. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، الثلاثاء، أنها قررت إرسال كتيبة من 800 جندي أميركي من إيطاليا إلى منطقة البلطيق، مع طائرات من ألمانيا إلى مواقع على الجناح الشرقي من حلف الناتو. وقال مسؤول دفاعي في الوزارة إن قرار نقل الجنود، كان بتوجيهات من الرئيس جو بايدن، الذي طلب من وزير الدفاع لويد أوستن تنفيذه، وشمل نقل 8 طائرات مقاتلة من طراز «إف - 35 - سترايك»، من ألمانيا إلى عدة مواقع على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو. وسيتم نقل الجنود في وقت لاحق من هذا الأسبوع. وأضاف المسؤول الدفاعي، أن هذه التحركات تأتي في إطار الدعم المتواصل للناتو ولجناحه الشرقي، وتشمل أيضا إرسال كتيبة من 20 مروحية «أباتشي» من ألمانيا إلى عدة مواقع على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو، وإرسال 12 مروحية أخرى من اليونان إلى بولندا. وقال إن هذه التحركات «المؤقتة» تهدف لطمأنة الحلفاء في الناتو، وردع أي عدوان محتمل ضد الدول الأعضاء في الحلف. وأضاف أن هذه القوات ستكون تحت إمرة قائد القيادة الأوروبية في القوات الأميركية، الجنرال تود ولترز. وكان البنتاغون قد أعلن في وقت سابق أن حوالي 5 آلاف جندي من الفرقة 82 المحمولة جوا الذين وصلوا إلى بولندا الأسبوع الماضي، سيعملون مع القوات البولندية لإنشاء مراكز لاستيعاب عشرات الآلاف من الأشخاص، بما في ذلك الأميركيون، الذين من المتوقع أن يفروا من أوكرانيا، إذا أطلقت روسيا حملة عسكرية واسعة. وقالت إدارة بايدن مرارا وتكرارا إن القوات الأميركية لن تقاتل في أوكرانيا أو تنقذ الأميركيين المحاصرين هناك بسبب هجوم روسي. لكن القادة الأميركيين ونظراءهم في بولندا كانوا يعدون أجزاء من عدة منشآت عسكرية بولندية ونصب الخيام لمن يحتمل إجلاؤهم.
وكان وزير الدفاع الأميركي أوستن قد أبلغ وزير الخارجية الأوكراني ديميترو كوليبا أن الدعم الأميركي لدفاع أوكرانيا عن نفسها وسيادتها وسلامة أراضيها «ثابت». وأضاف أن الغزو الروسي الأخير، لا يهدد أوكرانيا فحسب، بل يهدد السلام والأمن والازدهار للدول عبر الأطلسي. وقال كوليبا إن بلاده لا تسعى إلى الحرب وتريد حلولا دبلوماسية، لكن إذا فرض بوتين الحرب عليها، فستدافع عن نفسها وستكون أكثر من ممتنة للجميع على المساعدة التي يمكن أن يقدموها لنا.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.