المواجهات بين «النصرة» و«داعش» تتوسع جنوب سوريا للسيطرة على مناطق استراتيجية حدودية

اتهامات داخل إسرائيل بمحاولة إقحام الدروز في الحرب الأهلية

مقاتل من «الجيش السوري الحر» يصلح سلاحه في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق الذي لا يزال يشهد توترا بين الأطراف (رويترز)
مقاتل من «الجيش السوري الحر» يصلح سلاحه في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق الذي لا يزال يشهد توترا بين الأطراف (رويترز)
TT

المواجهات بين «النصرة» و«داعش» تتوسع جنوب سوريا للسيطرة على مناطق استراتيجية حدودية

مقاتل من «الجيش السوري الحر» يصلح سلاحه في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق الذي لا يزال يشهد توترا بين الأطراف (رويترز)
مقاتل من «الجيش السوري الحر» يصلح سلاحه في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق الذي لا يزال يشهد توترا بين الأطراف (رويترز)

احتدمت يوم أمس الأربعاء المواجهات ما بين جبهة النصرة وتنظيم داعش في ريف درعا الغربي جنوب سوريا، على خلفية سعيهما للسيطرة على مناطق استراتيجية حدودية مع الأردن وإسرائيل، مما أدّى تلقائيا وبحسب ناشطين إلى تراجع حدة المعارك مع قوات النظام.
واستمرت القذائف والرصاص الطائش الناتج عن المعارك السابق ذكرها بالسقوط في منطقة الجولان المحتلة من قبل إسرائيل، إذ أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بالأمس بوجود «إطلاق نار من القنيطرة في الجولان باتجاه المناطق الإسرائيلية، لم يتسبب في أضرار أو إصابات».
وقال الناشط في درعا أحمد المسالمة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «لواء شهداء اليرموك» المحسوب على «داعش» قام ليل الثلاثاء - الأربعاء بهجوم على حاجز لـ«النصرة» في بلدة «سحم»، فأسر عددا من العناصر وقتل اثنين آخرين، مما أدى لارتفاع حدة المواجهات صباحا خلال محاولة «النصرة» استرجاع الحاجز. وأوضح المسالمة أن «المعارك لا تزال محتدمة، والقصف المتبادل عنيف وتُستخدم فيه الدبابات، وقد أدّى لسقوط ضحايا من المدنيين»، مشيرا إلى أن «أحدا لم يتمكن بعد من بسط سيطرته بشكل كامل على الحاجز المذكور».
ونقل المسالمة عن أهالي سحم والقرى المحيطة تخوفهم من تأزّم الوضع بين التنظيمين اللذين يسعى كل منهما لبسط سيطرته كاملة على الحدود الغربية لمنطقة الشجرة حتى الكوية على الحدود مع الأردن وصولا للبكار إلى الحدود مع إسرائيل، وهي منطقة استراتيجية وحساسة خاضعة حاليا لسيطرة «لواء شهداء اليرموك».
وكانت الاشتباكات اندلعت بين «النصرة» و«شهداء اليرموك» على خلفية مواجهات وعمليات تصفية متبادلة بين «النصرة» و«جيش الجهاد» في القنيطرة المبايع أيضا لـ«داعش». وأوضح المسالمة أن التنظيم الأخير «انتهى تقريبا، بعد المعارك الشرسة التي خاضها مع (النصرة)، باعتبار أن عديده لم يكن يتخطى الـ75 عنصرا». وأضاف «بخلاف (جيش الجهاد)، فإن (لواء شهداء اليرموك) يضم نحو 1200 عنصر من السوريين والأردنيين، منهم 700 مسلح والبقية من الإداريين، كما أنّه يمتلك عتادا عسكريا كبيرا وأكثر من 10 دبابات وعربات مدرعة وراجمات صواريخ وغيرها».
وبالتزامن مع ارتفاع حدة المواجهات بين التنظيمات المسلحة، تراجع زخم معارك المعارضة للسيطرة على البلدات التي لا تزال خاضعة لسيطرة النظام في المنطقة، وهو ما أكّده المسالمة، متحدثا عن «تأثير سلبي كبير تركته المواجهات الداخلية بين الفصائل على عمليات تحرير المناطق، باعتبار أن معظم الجبهات تبدو هادئة منذ فترة خاصة في الريف الشمالي لدرعا».
ونقل المرصد السوري لحقوق الإنسان بالأمس عّما سماها مصادر موثوقة أن «لواء شهداء اليرموك» سيطر على مقر لـ«جبهة النصرة» في بلدة سحم الجولان بريف درعا الغربي، عقب اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل وجرح عدد من المقاتلين من الطرفين، وسط معلومات عن نية «شهداء اليرموك» وعزمهم السيطرة على بلدة حيط القريبة من سحم الجولان. وكانت البلدة المذكورة شهدت في الساعات الماضية توترا واستنفارا لعناصر «لواء بروج الإسلام»، بحيث أفيد عن نصبهم لحواجز في سحم الجولان ومحيطها، عقب قيام «لواء شهداء اليرموك» باعتقال قائد «بروج الإسلام» مع مرافقه في ريف درعا الغربي. وردا على التطورات الأخيرة، أعلنت فصائل تابعة للجيش السوري الحر من بينها «الفرقة الأولى» عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، عن بدئها عملية عسكرية للقضاء على ما وصفته بـ«خلايا تنظيم داعش» غرب درعا، في إشارة إلى «لواء شهداء اليرموك»، ردّا على سيطرته على بلدة سحم.
وخلال القصف المتبادل، سقطت ثلاث قذائف مدفعية على المنطقة الغربية التي تحتلها إسرائيل، مما أحدث جوا من البلبلة والهلع في المستوطنات اليهودية. وأدى إلى حالة تأهب قصوى في صفوف قوات الجيش الإسرائيلي. وبعد فحص أولي تبين أنه وقعت الاشتباكات بين مقاتلي جبهة النصرة والجيش الحر من جهة وبين «سرايا الجهاد» الموالية لتنظيم داعش من جهة أخرى.
وهذه القوى مجتمعة تسيطر حاليا على جميع الأراضي السورية في الجولان، باستثناء منطقة ضيقة شمال الجولان في مرتفعات جبل الشيخ. وأطلق الجيش الإسرائيلي صفارات الإنذار في معظم أنحاء الجولان المحتل، مما أحدث هلعا في صفوف المستوطنين. فقد حسبوا أن القذائف موجهة إلى إسرائيل ردا على الغارات التي قتلت أربعة سوريين وهم يحاولون زرع عبوة ناسفة على طريق عسكري يستخدمه الجيش الإسرائيلي، صبيحة الأحد الماضي. وأعلن الجيش من جهته حالة تأهب، واستعد للرد على مصادر النيران. لكنه فضل التروي، حتى لا يزيد من غضب الطائفة العربية الدرزية، التي اتهمته بالتسرع في قتل أبنائها الأربعة في الحادثة المذكورة.
وأعادت هذه الحادثة إلى العناوين في تل أبيب النقاش حول دور إسرائيل في الحرب الأهلية في سوريا، وإن كان من مصلحتها أن تساند النظام رغم حلفه مع حزب الله أو تساند المعارضة، أو تبقى متفرجة من بعيد تتدخل بشكل محدود كما هو الحال اليوم، حيث تستقبل جرحى الحرب لمعالجتهم في المستشفى الميداني العسكري أو المستشفيات الإسرائيلية المدنية، وتقدم المساعدات الإغاثية لبعض القوى وتقيم اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع جميع الأطراف.
ويسود الاعتقاد في إسرائيل بأن جميع أطراف الصراع داخل سوريا معنيون بتوريط الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب، كل لصالحه. وفي الأيام الأخيرة، بعد قيام الشبان الأربعة الدروز بوضع عبوة ناسفة، ذكرت مصادر إسرائيلية أن «هناك من يسعى لإدخالنا في اشتباك مع أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل حتى نلبي طلبهم ونقف إلى جانب الدروز السوريين». وذكر أحد القادة السياسيين للدروز في إسرائيل، خلال حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «هناك من لا يروق له أن يبقى الدروز في سوريا خارج الصراع ويسعوا بكل قوة لإقحامنا في الحرب». وأضاف «في محافظة السويداء، تمت مؤامرة من أحد ضباط النظام الذي أتاح تنفيذ جريمة ضد الدروز هناك، وذلك لجر الطائفة بالقوة إلى الحرب ضد المعارضة. وقد انتبه أهلنا هناك ولم ينجروا وراء المؤامرة، وهم قلقون من هذا التوجه ويخشون من أن تتفاقم الاعتداءات، وعندها لا أحد يعرف كيف تتدهور الأمور». وتابع الرجل قائلا «للأسف، في إسرائيل لم يتصرفوا بحذر وقتلوا الشبان الأربعة بشكل متسرع من دون صبر ومن دون فحص، وكادوا يقحموننا في صراع جديد، له أول ولا يعرف له آخر».
وأعلنت عدة فصائل عسكرية عاملة في القلمون يوم أمس عن توحُّدها تحت مسمى «واعتصموا بحبلِ الله» لمواجهة نظام الأسد في سوريا.
في المقابل، واصل طيران النظام المروحي والحربي إلقاء البراميل المتفجرة على بلدة الحراك، وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بقصف الطيران المروحي بالبراميل المتفجرة مناطق في بلدة بصر الحرير وفي مدينة درعا، كما مناطق في بلدتي سملين وزمرين.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.