كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

يوميات صاحب «المحاكمة» ورسائله من فوق سرير المرض في ترجمة عربية

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا
TT

كافكا إلى ميلينا: أنا صامت طيلة الوقت... انطوائيٌّ كئيبٌ... متذمرٌ وسوداوي

كافكا - ميلينا
كافكا - ميلينا

تعد رسائل فرانز كافكا (1883- 1924) إلى حبيبته الصحافية والمترجمة ميلينا، واحدة من أشهر نماذج أدب الرسائل في القرن العشرين. وقد كتب كافكا هذه الرسائل وهو على حافة الموت مصاباً بمرض «السل الرئوي»، ينزف الدم من فمه، ويقاومه متشبثاً بطبيعته الصارمة التي تميل إلى الانطواء.
صدرت الرسائل حديثاً عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، في طبعة أنيقة، ولغة أدبية رشيقة، للمترجم وليد سامي. وتغطي الرسائل التي بعث بها كافكا إلى ميلينا يسينسكا الفترة الزمنية من 1920 حتى 1923، كاشفة عن عديد من المعضلات النفسية والاجتماعية والعاطفية التي عاشها صاحب «المسخ»، و«المحاكمة»، في تلك الفترة؛ حيث أحب ميلينا حبّاً يكاد يكون مستحيلاً، فهي متزوجة وبعيدة عنه جغرافياً، وإن كانت شديدة الحماس له كأديب، فقامت بترجمة عدد من أعماله من الألمانية التي كان كافكا يكتب بها إلى التشيكية، كما كانت متعاطفة معه في محنة المرض والعزلة.
في إحدى تلك الرسائل يتبادلان الأدوار، فنجد أن كافكا هو من يتعاطف معها، قائلاً: «لماذا –بالمناسبة- أكون كائناً بشرياً في الوقت الذي أتحمل فيه كل عذابات هذا الوضع بالغ الاضطراب؟ لماذا لا أكون -مثلاً- ذلك الدولاب السعيد في حجرتك؟ ذلك الدولاب الذي يتطلع إليك مباشرة عندما تجلسين إلى مكتبك، أو عندما تستلقين، أو تأوين إلى النوم. لماذا لا أكون أنا ذلك الدولاب؟ ذلك لأنني سأنهار تحت وطأة الأسى، لو أنني اطلعت على آلامك في خلال الأيام الأخيرة الماضية، وربما حدث لي ما هو أكثر من ذلك».
وتكشف رسالة أخرى عن تردده عاطفياً إزاء علاقته بها، فيقول: «نصحتُك بالأمس بعدم الكتابة إليَّ يومياً، ولا يزال هو ما أراه اليوم، وسوف يكون هذا خيراً لكلينا. ومرة أخرى أعود إلى هذا الاقتراح اليوم، وفوق ذلك فإنني أطلبه بمزيد من الإلحاح؛ لكن أرجوك يا ميلينا ألّا تلتزمي بهذا الاقتراح؛ بل اكتبي إليَّ يومياً. على الرغم من ذلك، قد تكتبين في اختصار شديد، رسائل أقصر من الرسائل التي ترسلينها إليَّ الآن، في سطرين فقط، أو سطر واحد، المهم هو أن حرماني من هذا السطر الواحد، سيكون معناه عذابي الرهيب!».
ويعود في رسالة ثالثة ليقطع الطريق على أي مستقبل محتمل يجمع بينهما: «لن تستطيعي البقاء إلى جانبي مدّة يومين. أنا رخو أزحف على الأرض. صامت طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمرٌ، أنانيٌّ وسوداويٌّ. هل ستتحملين حياة الرهبنة كما أحياها؟ أقضي معظم الوقت محتجزاً في غرفتي أو أطوي الأزقَّة وحدي، هل ستصبرين؟».
وعن ميلينا يسينسكا، يوضح وليد سامي أنها صحافية ومترجمة تشيكية، وُلدت في براغ عام 1896، والدها يان يسينسكا، طبيب أسنان، وأستاذ في جامعة «تشارلز» في براغ، ووالدتها هي ميلينا هيزلاروفا التي تنحدر من أسرة غنية، وتُوفيت بسبب مرض الأنيميا، وميلينا في الثالثة عشرة من عمرها. سجلها والدها في مدرسة للطب، وأجبرها على مساعدته في علاج الجنود أثناء الحرب العالمية الأولى، ورغم تعاطفها مع هذا العمل سرعان ما تركت المدرسة لتختلط بكل الطبقات، فلم تكن تُعِر اهتماماً للفوارق الطبقية، واستمتعت بصحبة المثقفين التشيك والألمان، وانضمت أيضاً للحركة النسوية البوهيمية. وفي تلك الفترة التقت ميلينا في حفلة بإرنست بولاك، ونشأت بينهما علاقة حب. كان إرنست يهودياً، ويعمل موظفاً في بنك في براغ، وناقداً أدبياً. قدم إرنست ميلينا إلى كافكا، وماكس برود، ورودلف فوخس، وفراتز فيرفيل. وكوَّنت ميلينا صداقة استمرت عشرين عاماً مع فيلما لوفينباخ؛ حيث جمعهما حب الشعر، وقامتا معاً بجمع مختارات من ترجمات ألمانية لقصائد شعر تشيكية، في سابقة لم تحدث من قبل.
مر زواجها بمشكلات منذ البداية، فقد كان بولاك يؤمن بالحب الحر، فانغمس في عديد من العلاقات، وحاولت ميلينا أن تكون متسامحة نظراً لحبها له، وكان عليها أن تعمل كي تتمكن من دفع إيجار المسكن، فعملت عاملةً في محطة القطار، وأعطت دروساً في اللغة التشيكية، وبدأت في كتابة مقالات، حتى أصبحت مراسلة الأزياء لصحيفة «تريبونا» التشيكية اليومية، وقامت بترجمة أعمال كافكا: «الفحام»، و«المحاكمة»، و«المسخ»، و«تأمل»، من الألمانية إلى التشيكية. وبعد عدة سنوات من هذا الزواج المليء بالمعاناة، وضعت ميلينا نهاية له في 1924. وبعد عام غادرت فيينا عائدة إلى براغ؛ حيث كانت موضع ترحيب، وظلت تفضل رفقة المثقفين والفنانين. وفي 1926 التقت المهندس الشاب يارومير كريسار ووقعت في غرامه، وتزوجا عام 1927.
على الجانب الآخر، نشأ والد كافكا في الريف في ظروف فقر مدقع؛ لكنه استطاع أن يرتقي حتى أصبح تاجراً ثرياً، بعد انتقاله بأسرته إلى براغ في بداية ثمانينات القرن التاسع عشر. لم يتزوج كافكا قط؛ لكن حياته كانت مليئة بعلاقات مع عديد من النساء. في بداية عام 1919 التقى بيولي وورزيك التي كانت تبلغ من العمر 28 عاماً؛ مقترحاً أن تستمر علاقتهما دون زواج، وبالفعل استمرت خلال عام 1920؛ لكن ظهور ميلينا في حياته وضع نهاية لعلاقته بها.
أدرك كافكا من البدايات الأولى أنه لن يستطيع الزواج من ميلينا؛ ليس فقط لأنه لن يكون قادراً على ضمان علاقة هادئة لها؛ لكن أيضاً لأنها كانت تحب زوجها، وتشعر بأنها تنتمي إليه ولا تستطيع تركه، لذا قرر أن ينهي هذه العلاقة. لم يسترجع المحبان مطلقاً الأيام الأربعة التي قضياها معاً في فيينا، وكانت هذه الرسائل هي ثمرتها الوحيدة.
بعد وفاة كافكا كتبت له ميلينا نعياً نشر في 6 يونيو (حزيران) 1924، في جريدة «ناردوني ليستي»، ومما جاء في النعي:
«ذات مرة كتب في رسالة لي: (عندما لا يستطيع القلب والروح تحمل المزيد، تتحمل الرئة نصف العبء بصورة متساوية بقدر أكبر)؛ وهكذا كان الحال مع مرضه، حمل كافكا جسدياً خوفه الفكري من الحياة على كتفَي مرضه. ومن المعروف أنه كان خجولاً ووديعاً ولطيفاً؛ لكن الأعمال التي كتبها مخيفة ومؤلمة. لقد رأى العالم وكأنه مليء بأرواح شريرة تمزق وتدمر البشر. كان بعيد النظر وذكياً بدرجة أكبر من أن تجعله قادراً على العيش، وضعيفاً بدرجة أكبر من أن يقاتل. لقد كان ضعيفاً بالطريقة التي عليها الأشخاص النبلاء الرائعون، الأشخاص غير القادرين على القتال ضد خوفهم من سوء الفهم والضغينة أو الخداع الفكري؛ لأنهم يدركون عجزهم سلفاً. إنها مخاوف حقيقية وقاسية ومؤلمة للدرجة التي تجعلها واقعية عندما تكون رمزية. إنها مليئة بالسخرية اللاذعة والمنظور الحساس لرجل كان مصيره الموت لا محالة؛ حين رفض تقديم تنازلات، أو اللجوء إلى مغالطات العقل المختلفة».
يقسِّم المترجم الرسائل إلى ثلاثة أقسام: الأول هو «رسائل ميران وفيينا»، والثاني: «رسائل براغ وفيينا»، ويغطي القسمان عام 1920؛ حيث تبدو الرسائل في معظمها معمقة مطولة تتطرق إلى مسائل وجودية وقضايا فلسفية. أما القسم الثالث فيغطي عام 1923، وتميل فيه الرسائل إلى الاقتضاب والطابع السوداوي؛ حيث تضاعفت معاناة صاحبها مع المرض، وأصبح على حافة الموت.
في أبريل (نيسان) 1920، يقول كافكا في رسالة حزينة يروي فيها اكتشافه للمرض: «إذن إنها الرئة، في حالتي بدأ المرض منذ ثلاث سنوات تقريباً بنزيف حاد في منتصف الليل. شعرت بالإثارة مثلما يشعر المرء دائماً وهو مقدم على شيء جديد. جلست على الفراش؛ لا نهاية للدماء، غير أنني لم أكن حزيناً على الإطلاق منذ ذلك الحين، لإدراكي للمرة الأولى خلال ثلاث أو أربع سنوات تقريباً من الأرق، أنه يوجد لدي سبب واضح كي أنام، بشرط توقف النزيف».
وبالتاريخ نفسه يعود ويكشف لها جانباً خفياً من علاقته بالمرأة وتجاربه النسائية: «تسألين عن خطبتي، لقد خطبت مرتين، أو في الواقع ثلاث مرات، منها مرتان للفتاة نفسها، وفي كل مرة كانت تفصلني عن الزواج بضعة أيام فقط، ولقد وجدت أن الرجال ربما كانوا يعانون بدرجة أكبر، أو لو كنت تفضلين لديهم مقاومة أقل في مثل هذه الأمور؛ لكن المؤكد أن النساء يعانين دائماً دون ذنب».
وبتاريخ مايو (أيار) 1920، تعاوده هواجسه وتأملاته السوداوية تجاه الموت والوجود، وهو يقول: «على الرغم من كل هذا، تُعد الكتابة شيئاً جيداً حقاً. أنا الآن أكثر هدوءاً مما كنت عليه قبل ساعتين في الشرفة بالخارج برفقة رسالتك. وبينما كنت مستلقياً هناك سقطت خنفساء على ظهرها على بعد خطوة مني، وكانت تحاول باستماتة تصحيح وضعها، كنت سأسعد بتقديم يد العون لها، كان أمراً يسيراً للغاية، الخطو خطوة واحدة فقط وإعطاؤها دفعة بسيطة؛ لكني نسيت أمرها بسب رسالتك. كانت الخنفساء بالفعل ساكنة تماماً، لدرجة أنني قلت لنفسي: هذه ليست مصادفة، إنها سكرات الموت، الدراما التي نادراً ما تُشاهد لوفاة حيوان بصورة طبيعية».
وفي رسالة أخرى مؤرخة بـ3 يونيو 1920، يخاطبها قائلاً: «أعتقد أننا نتشارك خاصية غريبة؛ كلانا خجول وقلق للغاية، لدرجة أن كل رسالة مختلفة تقريباً، كل منا -على ما أعتقد- خائف من الرسالة السابقة، وحتى أكثر من ذلك خائف من الرد. ربما أكون لست كذلك بالفطرة؛ لكن ذلك كاد أن يصبح من طبيعتي التي أتجاوزها فقط عندما أكون يائساً أو في الأغلب غاضباً. وغني عن القول، عندما أكون خائفاً».
لقد قدَّم المترجم عملاً مدهشاً وراقياً لكاتب مثل كافكا؛ لكن لم يوضح لنا عن أي لغة بالضبط قام بنقل العمل إلى العربية. صحيح أنه أورد عديداً من الهوامش بالتشيكية والألمانية في نهاية الكتاب؛ لكنه أورد كذلك عدداً من المراجع بالإنجليزية التي استند إليها في مقدمة العمل.



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».