فاروق يوسف: نعيش وسط غابة من الرسامين لكن أثرهم محدود

«رسامون من العالم العربي» في جزئه الأول... قصة المؤسسين

من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
TT

فاروق يوسف: نعيش وسط غابة من الرسامين لكن أثرهم محدود

من أعمال الفنان العراقي جواد سليم
من أعمال الفنان العراقي جواد سليم

قليلاً ما تصدر في العالم العربي كتب رصينة في الفن التشكيلي بمقدورها أن تكون وسيطاً ممتعاً، عميقاً ومبسطاً، بين الفنانين وعامة الناس. من هنا تأتي أهمية الكتاب الجديد للناقد التشكيلي العراقي فاروق يوسف «رسامون من العالم العربي» الذي صدر الجزء الأول منه حاملاً عنواناً فرعياً «الفاتحون»، على أن يصدر الجزء الثاني «المغامرون» قريباً. ويتمنى المؤلف أن يتمكن من وضع الجزء الثالث، مخصصاً إياه للتشكيليين الشباب. بهذا المعنى عكف المؤلف على وضع موسوعة لمن يريد التعرف على الحركة التشكيلية العربية منذ نشوئها في القرن التاسع عشر، من خلال تقديم الأسماء الأكثر تأثيراً. هو لا يدعي أنه أحصى كل الفنانين... «إنهم أكثر مما نتصور. العالم العربي غابة من الرسامين. وإن كان أثرهم في الواقع لا يزال محدوداً؛ لأسباب عديدة».
الجزء الأول «الفاتحون» الذي أبصر النور بعناية «مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة» في البحرين، يتكون من مقدمة شيقة تحمل عنوان «ما لا نتذكره لا يحدث»، ثم يستعرض الكاتب مسارات 86 فناناً عربياً من المؤسسين، وجميعهم ولدوا قبل عام 1935، بادئاً بالفنانين داود وجورج قرم من لبنان، ومنتهياً بإلياس الزيات أحد مؤسسي كلية الفنون الجميلة بدمشق. اللطيف في الصفحات التي خصصت لكل فنان، أنها كتبت بأسلوب رشيق، لا إسهاب فيه، فيها معلومات وافية عن حياة كل منهم، مع تتبع مساره الفني، وتحري المؤثرات على عمله، وكذلك تطور أسلوبه الجمالي، وإعطاء فكرة واضحة عما تميز به كل منهم، ومدى تأثيره في فناني عصره أو من أتوا بعده. وهو ما يفسح في المجال أمام القارئ أن يشكل فكرة عن المحطات الرئيسية في تاريخ الفن التشكيلي العربي.

من هم المؤسسون؟

نحو 600 صفحة من الورق الصقيل، مزدانة بصور تبرز أهم أعمال كل فنان، إلى جانب مساره الإبداعي. وهو ما جعل الكاتب يطلق على مشروعه الموسوعي هذا صفة «متحف خيالي». لم ينشغل الكاتب بهاجس ألح طويلاً على مؤرخي الفن، وهو: من الذي بدأ الرسم أولاً؟ أو من يكون المؤسس الأول؟ «قررت أن أتصفح أوراق تجارب الفنانين الأوائل، واحداً بعد آخر، كما لو أني أتصفح كتاباً وضعته الحياة بين يدي. أنا هنا أعيد رواية أحداث، كان لها أكبر الأثر في تطوير معرفتنا بالرسم، ومن ثم الارتقاء بذائقتنا الجمالية».
يشرح فاروق يوسف لـ«الشرق الأوسط» أنه قضى 5 سنوات منكباً على البحث كي يصدر هذا الكتاب... «في النهاية، المشقة (الأكبر) كانت في جمع المعلومات المشتتة، وغربلة الفنانين الذين عليّ أن أختارهم، وسط كم هائل من الأسماء. هناك أسماء معروفة لكنها لم تكن مؤثرة. وبالتالي فإن أول رسام عراقي، على سبيل المثال واسمه عبد القادر سالم، ليس موجوداً في الكتاب؛ لأن أسلوبه كان مدرسياً».
يشرح يوسف أن «اللوحة التي تعلق على حائط هي فن غربي. نحن في تراثنا الرسم قديم وموجود، لكنه لم يكن يوضع في إطار ويعلق. كان موجوداً على الخزف والورق والقماش والزجاج وفي الكتب، وحين أتحدث عن الفاتحين أو المؤسسين، فهم أولئك الذين كانوا أول من رسموا لوحات توضع على جدار بالمعنى الغربي». وهنا يلفت يوسف إلى أن اللبنانيين كانوا سباقين إلى الريادة، متقدمين على المنطقة العربية كلها، لأسباب دينية، ولوجود الرسم في الكنائس. الرسام داود قرم ذهب لدراسة الرسم في روما سنة 1870، مما مهد الطريق لابنه جورج لدراسة الرسم في باريس من بعده. داود قرم بدأ الرسم في الكنائس والأديرة قبل أن ينتقل إلى الرسوم الشخصية، وهو ما أكسبه شهرة عالمية في زمانه، وقد أصبح على صلة بالملوك والأمراء والساسة الذين رسمهم، في أوروبا ومصر والآستانة. وعلى خطاه سار ابنه جورج منتقلاً من الرسم الكنسي إلى رسم المناظر الطبيعية والأشخاص. وتكر سبحة الفنانين، فنمر على حبيب سرور الذي يصح أن يطلق عليه لقب «المعلم»، فعلى يديه تتلمذ مصطفى فروخ وصليبا الدويهي. وهو الذي كان أول من اكتشف موهبة جبران خليل جبران الفنية.

فنان وقصة ومفاجأة
الكتاب يقوم بمسح لفنانين من مختلف الدول العربية، فنجد محمود سعيد، ومحمد راسم، وراغب عياد، وجواد سليم، والهادي الخياشي وولده نور، ونصير شورى، والهادي التركي، وحاتم المكي، والشعيبية طلال، والجيلالي الغرباوي، وباية محيي الدين، وفاتح المدرس، وأحمد شبرين، وإيتيل عدنان، وشفيق عبود، وعارف الريس، وإسماعيل شموط، وشاكر حسن آل سعيد، وأحمد الشرقاوي، وأمين الباشا، وعلي بن سالم.
رسامون مشاهير، وآخرون أقل شهرة، لكنهم جميعهم استحقوا وجودهم في هذا المرجع، ولا بد من أن يجد القارئ في تتبع سيرهم المتلاحقة ما يجعله يفهم صلة الرحم الثقافي بين فنان وآخر، وربما فهم الشقة التي أبعدت بعضهم. هناك الفنانة العراقية مديحة عمر، التي ماتت عام 2006 عن 98 عاماً. امرأة لم يعرف عنها الكثير، رغم أنها من أهم رائدات الفن التشكيلي الحديث في العراق، فقد قضت جل حياتها في الولايات المتحدة الأميركية، إلا إن المعرضين اللذين أقامتهما في بغداد يشهدان على مرورها المؤثر في الثقافة العراقية. وميزة هذه العراقية المغتربة أنها شغفت بالخطوط العربية منذ طفولتها. وقد أسهمت مديحة عمر منذ الأربعينات في البحث عن الحرف العربي عبر الفن التشكيلي متوخية الكشف عن طاقاته الإبداعية.
إلى جانب المسار الإبداعي، نجح الكاتب في إدخالنا إلى حياة هؤلاء الفنانين، التي غالباً ما تتسم بالمفاجآت والتشويق، بسلاسة وعذوبة؛ إذ سيحلو لك أن تقرأ حكاية الرسامة فخر النساء زيد؛ تركية الأصل التي تزوجت من الأمير زيد بن علي شقيق ملك العراق فيصل الأول، وبيعت لوحتها «انشطار الذرة وحياة النبات» عام 2013 مقابل 2.74 مليون دولار.

ملحقان للتيناوي
والمجموعات الفنية

للكتاب ملحقان: الأول خصص لأبي صبحي التيناوي، ولد عام 1888 ومارس الرسم على الورق والزجاج. نشأ أمياً، ثم صار رساماً. رسم وباع ما كان يخطه في المقاهي الشعبية في دمشق، وسيلة لكسب الرزق، إلى أن لحظ البعض في الستينات في رسومه أصالة وتمايزاً، وطبعت رسومه وبيعت بسبب إقبال اللبنانيين والأجانب عليها، لاقتنائها. ويعلق فاروق يوسف: «هو رسام لا يمكن إنكار اتصال أعماله بفن عربي، ممتد إلى مقامات الحريري التي زينها يحيى بن محمود الواسطي برسومه في القرن الثالث عشر الميلادي». لكن الكتاب لم يدرج التيناوي مع جملة الفنانين المؤسسين، باعتباره لا ينتمي إلى مدرسة الفن الحديث، ولم يأت بجديد، لكنه رغم ذلك أثر في عدد من الرسامين العرب والسوريين.
أما الملحق الثاني فمخصص للجماعات الفنية التي نشأت في تلك الفترة المبكرة، وكان لها حضورها... نجد «جماعة الفن والحرية» المصرية التي قامت بتأثير من بيان «برايتون - تروتسكي» الذي صدر عام 1938 في المكسيك ودعا إلى إنشاء اتحاد أممي للفن الثوري الحر. وكانت هذه الجماعة بعيدة؛ لا بل منفصلة عن التجارب التي استلهمت التاريخ المصري وحياة الفلاحين، ويمكن القول إنها سارت عكسها. هناك أيضاً «جماعة بغداد للفن الحديث» ودعت إلى استلهام جماليات فن يحيى بن محمود الواسطي الذي عاش في العراق في القرن الثالث عشر، ومن بين أعضائها جواد سليم وجبرا إبراهيم جبرا. و«جماعة مدرسة تونس» التي قدمت أعمالاً صورت الحياة المحلية بأسلوب استشراقي عديم الخيال.
ويشرح لنا يوسف أن «فترة التأسيس في الرسم العربي كانت أكثر أصالة من اليوم. كان لكل من هؤلاء الفاتحين الذين تحدثت عنهم في كتابي، عالمه الخاص. وهي مرحلة عظيمة ترك فنانون كبار بصمات بنى عليها من جاءوا بعدهم». وفي رأيه أن «بروز فكرة القومية، وأحزابها التي شهدت ذروتها في الستينات والسبعينات، أثرت على المزاج الفني. لهذا نرى أن اللوحات فقدت شيئاً من بريقها». يعطي مثلاً على ذلك الفن المصري بعد جمال عبد الناصر، ويقول: «لو قارنا ما قبل بما أتى بعد ذلك، فسنجد أن اللوحات في مصر، أصبحت تتشابه في مفرداتها، وطغت عليها الألوان الترابية. لقد نما اهتمام بالتاريخ الفرعوني وحصل تأثر واضح».

إصداران إضافيان منتظران
يستعد المؤلف لإصدار المجلد الثاني من هذا العمل الكبير، عن الرسامين العرب، دون الأخذ بالاعتبار انتماءاتهم القطرية، بل ينظر إليهم جميعهم باعتبارهم ينتمون إلى ثقافة واحدة رغم بعض التمايزات. وسيخصص الجزء الثاني للرسامين الذين ولدوا قبل ستينات القرن الماضي وبعد 1935، «وهي فترة صعبة؛ لأنها شهدت انفتاحاً كبيراً على العالم. سنرى خلال هذه المرحلة تأثير ظهور الفن التجريدي في أميركا، في أربعينات القرن الماضي، حيث حدث نوع من الفوضى في أحوال الفن في العالم، نبت أشخاص لا يجيدون الرسم أصلاً وتمكنوا من بيع لوحاتهم بمبالغ باهظة».
ويبدو أن إنجاز المجلد الثالث سيكون أصعب من الاثنين السابقين له، بحسب المؤلف؛ «وذلك لأننا لا نزال نقطف ثمار العشوائية التي انتشرت في الفن. نحن نعاني من الكثرة المفرطة في عدد الفنانين والأعمال. هناك فنانون شباب لا يعرفون كيف يرسمون شجرة، أو شخصاً، ومع ذلك معترف بهم، وربما لهم رواج. هذا ليس دفاعاً مني عن التشخيص في الرسم، ليس هذا ما أقصده، وإنما يفترض من الفنان أن يجيد الحرفة. وهؤلاء الذين أتحدث عنهم أصبحوا أغلبية، وبالتالي هم قادرون على فرض وجودهم والدفاع عن أنفسهم».



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».