صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

مطالب بالتحقق من المعلومات قبل تداولها

فادي رمزي
فادي رمزي
TT

صناعة المحتوى... بين الضوابط والتخصص والتحديات

فادي رمزي
فادي رمزي

يثار دائماً كثير من التساؤلات حول صناعة المحتوى، وسط مطالب بـ«ضوابط محددة للمحتوى» ليكون ملائماً.
قبل سنوات قريبة كانت صناعة المحتوى مقتصرة على دارسي الإعلام والصحافة، بل كانت تفصل بينهما خطوط واضحة. بينما الآن نحن أمام عدد لا نهائي من صُناع المحتوى، بل وتلاشى شرط التخصص والدراسة. وبات المتابع وحده صاحب القرار، وحده من يمنح اللقب، أما أنت فيمكنك أن تصنع المحتوى من على أريكة منزلك، فقط إذا نجحت في مواكبة «الترند». أما صُناع الإعلام المرئي أو الصحافة فكانت عليهم مجاراة الأدبيات الجديدة للمهنة، وإلا تخلفوا عن الركب.
كل هذه المتغيرات خلقت واقعاً جديداً. ويأمل خبراء الإعلام في «صناعة محتوى ملائم يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني». وسط مخاوف من المحتوى «غير الملائم» بسبب أن «صانع المحتوى لا يزال حراً، لا يحتاج فقط؛ إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت».
فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي، والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، يُعرّف عن صُناع المحتوى الرقمي، فيقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «علينا أولاً تحديد هوية صانع المحتوى. ثمة شروط تجعل من أي شخص صانع محتوى؛ أن يمتلك هاتفاً ذكياً، يمكنه الاتصال بالإنترنت، ولديه فكرة أو شيء يرغب في التعبير عنه من خلال فيديو أو مقطع صوتي، أما المحتوى النصي فبات الأقل توافراً لأنه يتطلب مهارة خاصة».
وعن سوق صناعة المحتوى. يقول رمزي: «شهد تغييرات جذرية فيما يخص صناعة المحتوى الرقمي، بدأت من نهايات عام 2020، مع ظهور المحتوى الصوتي من خلال تطبيق (كلوب هاوس)، لا سيما أنه قدم ما يُعرف بـ(المحادثات اللحظية) وهو نمط عصري، رغم شعبيته، تراجع بعدما أثرى سوق المحتوى الرقمي بتجربة فريدة، ما عزز فكرة اعتماد المحتوى الصوتي وأفسح المجال أمام البود كاست».
أسامة عصام الدين، الخبير في تطوير مواقع التواصل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، يوافق رمزي رأيه خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» ذكر فيه أن «العام الماضي كان عام محتوى الفيديوهات الطولي القصير بامتياز... وهو المحتوى الذي برع فيه (تيك توك) بفيديوهات مستخدميه البسيطة الموجهة منهم وإليهم، والتي قادته إلى عرش التطبيقات الكبيرة مع مليار مستخدم نشط شهرياً. بل ومكّن العملاق الصيني من تخطي الوقت الذي يمضيه المستخدمون في أميركا وبريطانيا على (يوتيوب). واليوم بإمكاننا أن نرى شعبية هذا المحتوى تزداد أكثر وأكثر مع دخول منصات أخرى في المنافسة، كخاصية ريلز من «(إنستغرام)، و(شورتس) من (يوتيوب)، و(الأضواء) من (سناب شات)...».
عودة إلى رمزي، فإنه يرجع الزيادة في ضخ المحتوى الرقمي في الفضاء الشاسع إلى بضعة عوامل، موضحاً: «ثمة مؤشرات لها علاقة مباشرة بتعزيز مجال صناعة المحتوى الرقمي، إذ تشير التقارير الدولية إلى زيادة استخدام الهاتف الجوال مقارنة بالحاسوب الذي تراجع، كذلك بات نمط التصوير الرأسي (الطولي) هو السائد، على العكس من قبل، حيث كانت المقاطع تصور بطريقة أفقية، من ثم صار كل ما هو ملائم لإمكانات الهاتف الجوّال، هو السائد، ما عزّز صناعة المحتوى الرقمي من حيث الكثافة العددية وليس ثراء المحتوى».

الزيادة لا تعني الجودة
من جهة أخرى، يشدد خبراء على أن زيادة المحتوى لا تعني الجودة، بل على العكس من ذلك، سهولة صناعة المحتوى أفسحت المجال للصالح والطالح على حد سواء. وهذا ما يعقّد مهمة المؤسسات الإعلامية التي تسير وفقاً لمعايير وأدبيات فرضتها المهنة، ويعزز أهمية الحديث عن دور منصات التواصل الاجتماعي في حجب المحتوى، حال ثبوت خطورته على المتابعين. وإزاء هذه النقطة يشرح رمزي أن «منصات التواصل الاجتماعي هي أولاً وأخيراً شركات هادفة للربحية، وتدلل على ذلك قضية (فيسبوك) التي نتابعها منذ أشهر، بعدما خرجت موظفة (فيسبوك) السابقة فرنسيس هوغن، واتهمت لوغاريتمات الشركة العملاقة بتعمد تمرير معلومات مغلوطة عن جائحة (كوفيد - 19)، لأن هذا من شأنه يخلق حالة جدال ثم مكاسب للشركة». ويتابع: «هذا هو النموذج الربحي لكل منصات التواصل، وهو بقاء المستخدمين أطول مدة ممكنة ما يسمح بعرض مزيد من الإعلانات».
فادي رمزي يميّز بين المنصات، من حيث مدى صرامة التعامل مع المحتوى غير الموثوق، أو الذي يحمل شبهة عنف أو تحريض. ويقول: «وفق تقرير (رويترز) للإعلام، فإن الجمهور يثق في (تويتر) من حيث دقة المعلومات، لأن المنصة اتخذت تدابير أكثر صرامة في التصدي للمعلومات الخطيرة أو غير الآمنة... وكذلك (غوغل) و(يوتيوب). ويمكن القول إن ثمة إجراءات احترازية يتخذها عملاق التكنولوجيا لحماية المستخدم من المحتوى غير اللائق، بينما (فيسبوك) متراجع في هذا الصدد وربما أسهم في نشر محتوى غير مرغوب فيه بشكل يدعو إلى القلق».
وحقاً، يشير مراقبون إلى أن الاتهامات الموجهة لشركة «ميتا» (فيسبوك سابقاً، ومالكة الموقع الشهير) دعت إلى اتخاذ الشركة بعض الإجراءات من أجل ضبط سوق المحتوى الرقمي. فمثلاً خلال الأشهر الماضية، أصدر موقع «فيسبوك» قراراً بوقف ربط الإعلانات بعدد المتابعين. ووفقاً للمحتوى الذي يقدمه الحساب، يعتقد أسامة عصام الدين أنه «تقدم في تقنين صناعة المحتوى». ويضيف: «إنها خطوة كبيرة، بلا شك، تعني أن هذه المنصات بدأت بمعرفة وملاحظة الأثر السلبي الذي تسببه بعض أنواع المحتوى المنتشرة... وقرار كهذا سيجعل صناع محتوى يعيدون النظر في تقييم المحتوى الذي يقدمونه، وما إذا كانت له آثار سلبية على المشاهد، أم لا، وهي خطوة أرجو أن تتبعها منصات التواصل الأخرى».

أربعة أشكال للمحتوى
عن أنواع المحتوى الأكثر رواجاً، يقول رمزي: «في علم التواصل الرقمي ينقسم المحتوى إلى أربعة أشكال: الترفيهي، والتعليمي والتوعوي، والمحتوى الملهم، والمحتوى المقنع... وجائحة (كوفيد - 19) أسهمت في تعزيز مكانة المحتوى التعليمي الذي عادة ما يقدمه شخص متخصص، لأن المتابعين بحاجة لفهم المرض وكيفية التعامل معه، ثم ظهور اللقاح، وضرورة الإلمام بمعلومات موثوقة عن أهميته وتبعاته». ويستطرد: «ويصعد معه، بالتوازي، المحتوى الترفيهي، لا سيما بين الشعوب العربية ومصر بشكل خاص، لأننا شعوب نميل إلى الفكاهة».
وفي السياق نفسه، عن تأثير صعود المحتوى المتخصص لضبط سوق صناعة المحتوى، يرى عصام الدين: «من جهة المنصات، فهي ستتسابق لإرضاء صناع المحتوى وتقديم المحتوى في منصاتها. بعضها سترضيهم الأرقام ومسيرة النمو، والبعض الآخر بكسب الأموال من خلال مشاهدات ووصول صانع المحتوى». أما عن المنافسة بين المحتوى المتخصص الذي يقدم معلومات موثوقة نسبياً، والمحور الترفيهي، فيقول عصام الدين: «كلاهما سيواصل بالصعود والنجاح، مع اختلاف معيار النجاح من مجال إلى آخر. فالوصول إلى عدد محدود من الناس لصانع محتوى متخصص، قد يكون أنجح بكثير من الوصول إلى عدد كبير لصانع محتوى ترفيهي، لأن جمهوره هو جمهور مركز ومحب للتخصص الذي يُقدَّم».
وفي حين يرى خبراء أن صعود المحتوى المتخصص ربما يبشر بعودة الثقة في المحتوى الإعلامي أو على الأقل يرجح كفته، يعتقد رمزي أنه «لا داعي لرفع التوقعات، ذلك أن صعود المحتوى التعليمي والتوعوي وظهور صانع المحتوى المتخصص، لا يعنيان على الإطلاق أننا بصدد محتوى يلتزم معايير العمل الإعلامي أو العلني... إذ ما زلنا أمام صانع محتوى حر لا يحتاج إلا لهاتف ذكي ووسيلة لاستخدام شبكة الإنترنت. وواقع الأمر أنه ما زال متعذراً تطهير الفضاء الرقمي من المحتوى الرديء الذي قد يصل إلى حد الإسفاف». ويتابع رمزي: «مواقع التواصل تسير بقوانين المجتمعات، التي قد تجد فيها كل الأنماط، منها ما هو مفيد وترفيهي ونافع، ومنها في الوقت نفسه ما يضج بالمحتوى الرديء. وبالتالي، الحل يكمن في توعية المتابع وتزويده بثقافة الانتقاء، رغم أنها مهمة شاقة». ثم يقول: «أتوقع زيادة المحتوى غير اللائق أو ما هو دون المستوى... وبالأخص مع دخول الفئات البسيطة لسوق صناعة المحتوى بغرض التربح. وهذا المحتوى يجري التفاعل معه على مستويين: الأول هو الغرض الترفيهي، أما المستوى الثاني فهو التفاعل السلبي بغرض النقد والرفض».

أمل في الأفق
من جهة ثانية، حول توقعات ضبط المحتوى في عام 2022، يشرح أسامة عصام الدين فيقول: «ثمة أمل يلوح في الأفق؛ لكن تشوبه بعض المعوقات. بلا شك رفعت جائحة (كوفيد - 19) المعايير وزادت اهتمام مراقبة المنصات للمحتوى المنشور عليها، خصوصاً ذلك المحتوى المتعلق بحياة الناس، وهكذا شاهدنا (يوتيوب) تعلن عن خطط توظيفها لعشرة آلاف موظف يعملون في الرقابة عام 2022، و(فيسبوك) تعلن عن نظام ذكاء صناعي جديد لمحاربة المحتوى الذي يحض على الكراهية. إن جميع تطبيقات التواصل عموماً رفعت من معايير الرقابة على المحتوى، وزادت من موظفيها المراقبين... لكن المتوقع أن يستمر صنّاع المحتوى بالمبالغة وقلة الاكتراث كثيراً لمعايير المؤسسات الإعلامية، ويظل معيار النجاح الأرقام في المقام الأول. إلا أن الإجراءات القانونية التي تعمل عليها الحكومات، والمحاسبة الرادعة للأفعال الخاطئة، وحدها التي ستجعلهم يهتمون بهذا الجانب».
في السياق نفسه، ترى المدوِّنة السورية - الأميركية سمر البرشا، التي قرّرت أن تتجه إلى إطلاق علامة للأزياء الراقية المحافظة - مقرها الولايات المتحدة - بعد نحو 10 سنوات من تقديم محتوى رقمي عبر منصات التواصل، أن «مفهوم النجاح في سوق صناعة المحتوى قد تغير. إذ لم يعد مصدر إلهام جمالي فحسب، بل بات ضرورياً أن يقدم صانع المحتوى قيمة لحياة الناس. وأعتقد أن الناس متفهمون تماماً للحياة غير الواقعية التي تخلقها وسائل التواصل أحياناً».
وأضافت البرشا في تصريحات مع «الشرق الأوسط»، أن «البعض يعد صانع المحتوى قدوة، لكن على الجمهور أن يتابع من دون الانخراط في سلوكيات قد لا تناسب أنماط حياتهم الخاصة». وعن اتجاهها لإطلاق علامة تجارية بناء على علاقتها بالمتابعين، قالت: «منصات التواصل أصبحت تشهد تغييرات بوتيرة سريعة، لذا لا يمكن الاعتماد عليها فقط، بينما أرى أن القادم علاقة أكثر واقعية مع المتابعين. لذلك قررت أن أغدو رائدة في الصناعة التي بنيت فيها علاقة موثوقة مع الجمهور؛ بل أدعو صناع المحتوى إلى اتخاذ خطوات أكثر واقعية تعزز علاقة مباشرة مع المتابعين، كالمشاركة في الندوات والوسائط التقليدية مثل التلفزيون أو الكتب وخطوط الإنتاج والخدمات التي تتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي».
وحول تأثير «كوفيد - 19» على صناع المحتوى، أوضحت سمر البرشا: «أعتقد أن الوباء جعل الناس يدركون أن محتواهم يجب أن يجلب قيمة تتجاوز القيمة المادية، ومع إجراءات الإغلاق التي عانت منها الدول، وجد صناع المحتوى، الذين لا يقدمون قيمة واضحة، أنفسهم في مأزق. لذا حان الوقت أن ينفتح صناع المحتوى على الجمهور ويقدموا لهم ما يستحق المتابعة... وفيما يخصني، فإن استراتيجيتي هي الاستمرار في تقديم محتوى هادف، يعزز خدمة حقيقية أقدمها في الحياة، من خلال علامة تعكس ثقافة النساء الآتيات من ثقافة محافظة ولا يجدن ما يعبر عنهن».


مقالات ذات صلة

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم أرشيفية لصحافي الجزيرة أنس الشريف الذي أقر الجيش الإسرائيلي  بقتله في غارة على غزة أغطس الماضي (أ.ب) play-circle

128 صحافياً قتلوا في أنحاء العالم في 2025

قُتل 128 صحافياً في كل أنحاء العالم في العام 2025، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط، وفقاً لإحصاء نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الخميس.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق «ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)

هل تحد «مقاطعة» الإعلام التقليدي أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» من انتشارهم؟

أثار قرار «الهيئة الوطنية للإعلام» و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بالامتناع عن تغطية أنشطة مشاهير «السوشيال ميديا» وأخبارهم تساؤلات عدة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».


إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

بينما يبرز الإعلام لاعباً أساسياً في ساحات الحروب، ينقل الأحداث ويؤطر سردياتها، وسط اتهامات بتأجيجه للنزاع في حين، ومساهمته في إشعاله بآخر، فإن دوره بعد أن تضع الحرب أوزارها ويخفت ضجيج القنابل والمدافع يظل محل تساؤل؛ ولا سيما مع ما يلاحَظ من هدوء -وربما تراجع - الاهتمام بمناطق نزاعات عدة مع أولى إشارات السلام.

وشدد خبراء على «أهمية دور الإعلام في بناء رأي عام لإنهاء النزاع»، ولكن هذا الدور «يجب ألا ينتهي بوقف الحرب»، وأشاروا إلى «دور إنساني في كشف حجم الكارثة، ومساعدة الفئات المهمشة حتى لا تتكرر النزاعات مرة أخرى».

هذا الدور أشارت له دراسات عدة، قالت إن «الإعلام الذي لعب دوراً في تأجيج العنف أحياناً، يُفترض أن يتحول إلى أداة للسلام بعد وقف الحرب، ويقدم محتوى يعزز التفاهم المتبادل»، حسب دراسة نشرها موقع «PolSci Institute» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

أستاذة الإعلام في مصر، الدكتورة حنان الجندي، قالت إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في فترات الحروب والنزاعات وما بعدها»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام مهم في نقل الأحداث على الأرض، وإبراز تداعيات الحرب على الإنسان، لربط الجمهور بما يحدث، وتكوين رأي عام يسهم في وضع حد لتلك النزاعات».

وأشارت إلى أنه «في ظل كثرة المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع، اتجهت وسائل إعلام عدة للاعتماد على المواطنين الصحافيين في التغطية الميدانية بديلاً عن الصحافي المحترف، ما أثَّر على جودة التغطية».

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولفتت أستاذة الإعلام إلى «تراجع التغطية الإعلامية للوضع في غزة، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن المعاناة في غزة لم تنتهِ، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب تراجع الاهتمام، هل رغبةً في التعتيم؟ أم نقلاً لاهتمام الجماهير إلى مناطق نزاع أخرى؟».

وأشارت دراسة نشرتها جامعة كولومبيا الأميركية عام 2000 إلى «ما تكتسبه الحروب من قيمة إخبارية بالنسبة لوسائل الإعلام، بسبب آثارها الأمنية على الجمهور»، وقالت إن «الصراع بمثابة (الأدرينالين) في وسائل الإعلام. ويتم تدريب الصحافيين على البحث عن الخلافات، والعثور على الحرب التي لا تقاوَم الرغبة في متابعتها. وإذا صادف أن كانت الحرب مرتبطة بهم، فإن الحماس يزداد لتغطيتها».

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة: «أهمية الإعلام في تغطية الحروب والنزاعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافي هو أول من يدخل ساحة النزاع وآخر من يخرج منها»؛ مشيراً إلى أن «دوره لا ينتهي بوقف الحرب».

وأوضح أن «الإعلام بعد الحرب يلعب دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى، والانتصار للفئات الضعيفة والمهمشة، وتوفير بيئة مناصرة لهم، وضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى»، إضافة إلى «دوره في إبراز حجم الجرائم التي وقعت خلال النزاع، والمساهمة في عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب». وقال: «للإعلام دور مهم في الانتصار للإنسان بعد وقف النزاعات».

وهنا تبرز «صحافة السلام» التي يعرِّفها العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك، بأنها «عندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع كله للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة، والدقة في إعداد التقارير».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وفعلاً، أكد الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أن «أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في مراحل ما بعد وقف النزاعات، هو الإسهام في المصالحة، وتحقيق العدالة الانتقالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن من واجب وسائل الإعلام العمل على تحديد ودعم قوى وأنصار السلام، بدل تأجيج نيران الانقسام بين أطراف النزاع».

وأضاف أن «دور الإعلام في عملية التعافي بعد الحروب يُمكن أن يكون أكثر نجاحاً إذا تحلَّى بعض الصحافيين بمزيد من الدقة، والحذر في اختيار مفرداتهم، مع مراعاة الحساسية العالية للقضايا الجوهرية التي كانت -أصلاً- من أسباب اندلاع النزاع».

ووفق مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية، فإن دور الإعلام بعد الحروب يتركز في «خلق جو يفضي إلى السلام، ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة؛ حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

من جانبه، أشار الصحافي المصري، المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، إلى «هدوء التغطية الإعلامية بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحروب»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز على مناطق النزاع يتراجع بمجرد انتهاء الأحداث الساخنة، أو تحوُّل النزاع إلى مرحلة طويلة الأمد أو مُجمَّدة؛ حيث يُظهر هذا التباين أن التغطية لا ترتبط بالضرورة بحجم الكارثة إنسانياً؛ بل تتأثر بالجاذبية الجيوسياسية للنزاع، مما يؤدي إلى تضاؤل سريع في الاهتمام بعد انتهاء مرحلة القتال النشط، كذلك ينتقل الاهتمام لملفات أخرى قد تستجد على الساحة، وهي التي بدورها تأخذ اهتمام الجمهور أكثر، أو ما يعرف بـ(الترند الجديد) وهكذا».

وأكد أن «دور الإعلام بعد وقف النزاعات لا بد من أن يركز على الإجابة عن أسئلة تتعلق أكثر بما وراء الأحداث، والحل السياسي، والمستقبل، ومحاولة معرفة ما سيحدث، مع الاهتمام بالجوانب الإنسانية لنقل حجم الكارثة، ودعم جهود التعافي، وبناء السلام»؛ مشيراً إلى أن «الصحافي دوره عادة ما يكون محفوفاً بالمخاطر والتحديات؛ لكنه دور لا غنى عنه في الموازنة بين التراجع الطبيعي في الاهتمام والضرورة الإنسانية والمجتمعية».