أدوات مطورة لشمّ الروائح وتوصيفها

«نَيْزَلْ رَيْنجر» يرصد خصائصها

جهاز «نَيْزَلْ رَيْنجر» لقياس الروائح
جهاز «نَيْزَلْ رَيْنجر» لقياس الروائح
TT

أدوات مطورة لشمّ الروائح وتوصيفها

جهاز «نَيْزَلْ رَيْنجر» لقياس الروائح
جهاز «نَيْزَلْ رَيْنجر» لقياس الروائح

يرى تشاك ماك جينلي، المهندس الكيميائي الذي ابتكر أداة محمولة لقياس الروائح، في مساعدة النّاس في فهم ما يشمّونه... جانباً علمياً مهماً.
ترجّل جينلي من سيارته ونظر إلى مداخن مصانع معالجة اللحوم الظاهرة من فوق الأشجار العالية، فأخذ نفساً عميقاً. في البداية، لم يشمّ شيئاً باستثناء الرائحة الجميلة والخفيفة المنبعثة من الأشجار المجاورة.
ولكنّ الرياح نشطت فجأة، فاشتمّ ماك جينلي رائحة «بشعة للغاية».
عندها، عمد أحد زملائه إلى حشر أداة «نَيْزَلْ رَيْنجر Nasal Ranger» في أنفه، وهي عبارة عن جهاز صغير لقياس الروائح بمقاس 14 بوصة، بتصميم يتقاطع بين مسدّس الرادار وبين البوق، ويُعدّ أحد أهمّ اختراعات المهندس.

«أدوات» الشم
لتوصيف الرائحة المقرفة، استعمل الفريق أداة أخرى من تطوير ماك جينلي أيضاً، وهي عبارة عن عجلة للرائحة على شكل رسمٍ بياني أشبه بعجلة تدرّجات الألوان التي يستخدمها الفنّانون، عمل المهندس على تطويرها لعقود. فقال أحد الزملاء إنّ الرائحة «حامضة»، بينما قال آخر إنّها أشبه «بالعفن المخلوط ببعض الوقود».
من مختبره غير التقليدي في إحدى ضواحي ولاية مينيسوتا (الذي يبدو أشبه بكوخٍ للتزلج)، أسّس المهندس وابنه ميداناً كبيراً في مجال قياس وفهم الروائح. إذ إنهما جهّزا العلماء في جميع أنحاء العالم بأدوات اخترعها ماك جينلي الأب، وقدّما المشورة للحكومات لوضع القوانين التنظيمية الخاصة بالروائح، وساهما في تمكين المجتمعات الصغيرة القاطنة بالقرب من أماكن تنبعث منها الروائح من استخدام المصطلحات الصحيحة في الشكاوى، ومن قياس الروائح التي تشتمها أنوفهم.
تكاد تكون حاسّة الشمّ الأكثر مراوغة وقوّة من بين الحواس البشرية، لأنها قد تستيقظ في أي وقت، ككبسولة زمنية تعيدنا إلى ماضٍ نسيناه، وقد تترك أثراً طويل الأمد لتحرّك مشاعر لا يمكن تحديدها أو وصفها.
تولّد حاسة الشمّ إنذارات قيّمة، إذ تستطيع نفحة صغيرة أن تعلمكم ما إذا كان الحليب غير صالح للشرب، وما إذا كان جوربكم نظيفاً أم متسخاً. تحوّلت حاسة الشم أيضاً إلى أداة تشخيصيّة، إذ إنّ خسارة القدرة على الشمّ قد تعني أنكم مصابون بفيروس «كوفيد - 19». من جهته، يرى ماك جينلي أنّ «الأنف هو إنذار مبكّر على أنّ أمراً ما لا يسير على ما يرام».
يصف النّاس عادةً ما يرونه ويسمعونه والأشياء التي يلمسونها بثقة كبيرة، ولكنّهم يرتبكون غالباً عندما يتعلّق الأمر بالروائح، ما يدفعهم إلى الاستعانة بالاستعارة دائماً لوصف ما يشمّونه... أي إنّ «الرائحة» تشبه دوماً شيئاً آخر كالورود، أو الكلب المبلل، أو حتّى منزل الجدة.

إحساسات الأنف
تَنتُج الرائحة ببساطة عن تفاعل المواد الكيميائية في الهواء. والأنف البشري هو حتّى اليوم الأفضل في رصدها. توجد روائح بارزة أكثر من الأخرى ككبريتيد الهيدروجين (رائحته كالبيض الفاسد)، التي يمكن شمّها ولو كانت بتركيزات منخفضة جداً لا تتعدّى جزءاً واحداً في المليار.
يشرح د. كوزييل من جامعة ولاية «آيوا»، الأمر على الشكل التالي: «إذا حاولتم تحديد مسافة الطريق بين نيويورك ولوس أنجليس، يمكن القول إنّ الجزء الواحد في المليار يعادل بضع بوصات فقط من هذه الطريق».
ولكنّ هذه الحقيقة تسلّط الضوء على صعوبة تنظيم الروائح قانونياً خصوصاً أن كبريتيد الهيدروجين لا يشكّل خطراً على الصحّة بهذه التركيزات الطفيفة، إلّا أنّه قد يكون «مسبباً جدياً للاضطراب» لدى الناس، على حدّ وصف سوزان شيفمان، الطبيبة النفسية التي تدرس حاستي الشم والتذوّق منذ 50 عاماً.
من جهتها، ترى باميلا دالتون، عالمة النفس التي تدرس مجالات التقاط الروائح في مركز «مونيل كيميكال سنسز» في فيلادلفيا، أنّ «قياس الانبعاثات شيء وقياس الرائحة شيءٌ آخر، لأن الأخيرة عبارة عن إحساس يمكن أن يختلف بشكلٍ كبير بين الناس، وهذا الأمر يقيّد تنظيم الروائح»، لافتةً إلى أنّ جميع أنواع المصانع يمكن أن تُصدر انبعاثات، وحتّى تلك التي تصنع البسكويت.
يزداد يوماً بعد يوم عدد الأطباء الذين يدعمون نظرية تسبب الروائح بمشكلات صحية جسدية ونفسية. فقد أظهر أحد الأبحاث أنّ النّاس الذين يعيشون بالقرب من مواقع سيئة الرائحة قد يعانون من عوارض كألم الرأس وحرقة العينين والغثيان، بالإضافة إلى تحديات نفسية كالاكتئاب والقلق العصبي.
يعود قرار عدم تنظيم الروائح على المستوى الفيدرالي إلى السبعينات. ففي سلسلة من استطلاعات الرأي، وجدت الوكالات الفيدرالية أنّ نصف المشاركين يرون في الروائح مشكلة جدية، ولكنّ وكالة حماية البيئة الأميركية قرّرت أخيراً ترك الأمر للحكومات المحلية لوضع قوانين متعلّقة بمضار الروائح كما فعلت مع مضار الضجيج.
أمّا اليوم، فتطبّق عشر ولايات تقريباً قوانين تنظيمية للروائح، وبادر الكثير من الحكومات المحلية إلى إقرار مراسيم خاصة للروائح، إلّا أنّ النظام العام لا يزال ناقصاً ويتسبب بالكثير من الخلافات التي تتطلّب حلاً في المحاكم.

قياس الرائحة
اقترن قياس الروائح لقرون بالكيمياء. ففي خطاب ألقاه في حفلٍ للتخرّج عام 1914، شرح المخترع الشهير ألكسندر غراهام بيل، أهمية القياس في تقدّم العلوم، مضيفاً أنّ الصوت والضوء قابلان للقياس، ولكنّ الرائحة ليست كذلك. وقال: «إذا كنتم تطمحون لتطوير علمٍ جديد، أعملوا على قياس الرائحة».
تعمل أجهزة قياس الروائح التي طُوّرت منذ مائة عامٍ تقريباً، على مبدأ سحب الهواء من فجوة صغيرة ومن ثمّ تخفيف تركيزه حتّى يصبح الإنسان غير قادر على شمّه، ليتمكّن العلماء من تحديد قوة الرائحة بناءً على درجة التخفيف. لاحقاً، طورت حكومة الولايات المتحدة جهاز قياس محمول للرائحة على شكل علبة صغير شفّافة مصنوعة من الأكريليك وتضمّ فجواتٍ مختلفة الأحجام ولها هدفٌ واحد: الحصول على قراءة مناسبة لقياس الرائحة من خلال تغطية الفجوات بالأصابع ومن ثمّ رفع كلّ واحد منهم على حدة. ولكنّ استخدامها كان معقّداً.
راودت ماك جينلي فكرة تطوير جهازه الخاص خلال إجازة في هاواي، عندما رأى بركان «هالياكالا» ووجد أنّ الشكل المخروطي يصلح كأداة لقياس الشم. وهكذا طوّر «نَيْزَلْ رَيْنجر» الذي يعد أكثر بساطة وسهولة للاستخدام من علبة الأكريليك ذات الفجوات والأصابع، لأنّ كلّ ما يتطلّبه هو تعديل العجلة باستمرار حتّى يصبح مستخدمها عاجزاً عن شمّ الرائحة العابقة. وحديثاً، وصفت د. دالتون من مركز «مونيل» أداة «نَيْزَلْ رَيْنجر» بالقفزة النوعية مقارنةً بأجهزة قياس الروائح القديمة. ويسعى العلماء اليوم بالتعاون مع شركات ناشئة لتطوير أنوف إلكترونية قادرة على قياس الروائح وتحديدها كالأنوف الحقيقية، ولكنّهم لم يتوصلوا إلى التقنية المطلوبة بعد.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

تحليل إخباري رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس ‌2» (ناسا)

القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

برنامج «أرتميس» يستخدم القمر لاختبار التقنيات والتحمل البشري واللوجيستيات تمهيداً لبعثات المريخ واستكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أطلقت «غوغل» نموذج «Gemma 4» بترخيص مفتوح يتيح الاستخدام والتعديل والنشر دون قيود كبيرة (رويترز)

«Gemma 4» من «غوغل»: ذكاء اصطناعي مفتوح يعمل على الأجهزة الشخصية

«غوغل» تطلق «Gemma 4» كنموذج مفتوح يعمل محلياً... ما يعزز الخصوصية ويقلل الاعتماد على السحابة ويدعم قدرات متقدمة للمطورين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كينيدي الفضائي (أ.ف.ب)

ما وراء الإطلاق… التقنيات الخفية التي تقود مهمة «أرتميس 2»

مهمة «أرتميس 2» تختبر أنظمة دعم الحياة، والملاحة، والطاقة لإتاحة رحلات بشرية مستدامة إلى الفضاء العميق تمهيداً للمريخ.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تشير الدراسة إلى أن حماية البيانات المالية تتطلب مزيجاً من التقنية والتنظيم وسلوك المستخدم مع تزايد التهديدات التي تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟