محمد زروق: المشرق العربي يستعلي على مراكز الإبداع الجديدة

الأكاديمي التونسي يدعو إلى خروج النقد من أسوار الجامعة

محمد زروق
محمد زروق
TT

محمد زروق: المشرق العربي يستعلي على مراكز الإبداع الجديدة

محمد زروق
محمد زروق

يرى الناقد والأكاديمي التونسي د. محمد زروق أن مراكز الإنتاج الروائي تتحول ولا تثبت بحكم منطق التاريخ، وأن الرواية في المشرق العربي تعيش حاليا حالة من الاحتضار بسبب استنزاف موروثها الحضاري. وقد قضى زروق شطرا كبيرا من حياته الأكاديمية المهنية أستاذا بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، وخصص بعض مؤلفاته القليلة لتناول الأدب العماني ومنها «تجربة مبارك العامري الأدبية» و«الذاتية في أدب محمد عيد العريمي» إضافة إلى كتابيه «أثر المؤلف في السرد» و«عين الله... نظر في الخطاب القصصي القرآني»...
هنا حوار معه:

> تنعى على المشرق العربي، مصر ولبنان وبلاد الشام تحديدا، ما أسميته «النرجسية المرضية» تجاه بقية المراكز والأجنحة الثقافية العربية، وعدم إيمانه «المرضي» بالآخر المجانس... ما أسباب تلك النرجسية من وجهة نظرك؟
- عموما لا أحبذ خلق مجال تصارع بين مراكز الأدب القديمة والحديثة، وهو أمر تفاعلت معه نتاج عديد من الآراء التي جوبه بها فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة «ألمان بوكر» العالمية، والتي رد البعض على فوزها إلى الترجمة، ورده البعض الآخر إلى شراء الجائزة. وغيرها من الآراء الساذجة التي طعنت في الرواية وصاحبتها.
ولكن هي نرجسية موجودة، تظهر في كل مناسبة، نرجسية تسود المجال الإبداعي بشكل خاص، وكان سبب ذلك المقال الذي وصفت فيه حال بعض المثقفين بالنرجسية المشرقية عدم إيمانهم بالتحول التاريخي لمراكز الإبداع، ويمكن أن أدلل على ذلك باحتفائنا في المغرب العربي في برامجنا الرسمية وفي مشاريع البحوث على اختلاف مراتبها بالتجارب السردية والشعرية في المشرق، ولا نجد لنا صدى في بلاد المشرق على قيمة بعض الآثار الأدبية التي اكتسبت منزلة تاريخية هامة.
تجارب الخليج العربي والمغرب العربي في الرواية تحديدا هي أهم وأرقى من عديد من التجارب المشرقية، ويمكن أن تلاحظوا كذلك طرق تفاعل المشرق مع روائي مثل الحبيب السالمي أو واسيني الأعرج. على كل هي نرجسية تاريخية آن للمشرق أن يتخلص منها.
> تؤكد أن الرواية العربية «المشرقية» التي تصدرت المشهد طويلا تعيش حاليا نوعا من الاحتضار بسبب استنزاف موروثها الحضاري العيني والمتكرر، وعدم الاجتهاد في البحث عن مصادر تمثيل جديدة، في حين أن الرواية في الخليج العربي وفي المغرب العربي، تبحث عن أشكال جديدة للتحقق... كيف ذلك؟
- من الأكيد أن الرواية تمتح قوتها وألقها من العمق الحضاري ومن استعمال الرصيد الأسطوري للذاكرة الشعبية، وهي أمور استهلكها الشرق العربي ولم تعد مدهشة إلى حد ما، في حين أن معتقدات وأساطير عديدة في منطقتي الخليج والمغرب العربيين، ما زالت مكتومة ويمكن استعمالها متى سخرها روائي متميز، ذلك أن منطق التاريخ يقتضي أن مراكز الإنتاج الروائي بالذات تتحول ولا تثبت، ويمكن أن نلحظ ذلك في تحول الرواية تألقا وإبداعا من أوروبا إلى جنوب أميركا وشمالها، وإلى اليابان من بعد ذلك، وإلى المنطقة الأفريقية في اللحظة الراهنة، ولذلك قلت إن الأمر يخضع إلى منطق تاريخي في تحول الرواية.
منطقة الخليج على سبيل المثال تحوي ثقافات مختلفة، ومعتقدات متنوعة، وتواريخ تجمع بين حقب من الخضوع وحقب من المقاومة، ورفض الحال الاجتماعي والثقافي والسياسي وطبقات من المجتمع تفصل بينها مراتب ومنازل وهي ثيمات تشكل ممكنا سرديا هائلا يمكن أن يتحول إلى مشاريع حكايا، وكذا الأمر في المغرب العربي في معتقداته الأمازيغية والعربية ومعتقداته الصوفية العميقة، وهي مسائل تظهر ثقافة عربية مختلفة منابتها ومظاهرها، ومخازن من الحكايات بدأت تظهر على السطح.
> ألا تبدو رؤيتك غير منصفة بعض الشيء، خاصةً في ظل حراك روائي «مشرقي» تقوده تجارب وأصوات جديدة شديدة الحيوية والإبداع تثير الدهشة؟
- هذا لا يمنع ذاك، بمعنى أنه من الممكن بزوغ تجارب سردية في المشرق العربي تدهش وتختبر أساليب جديدة في الحكاية، لكن هذا لا يعني أن يتمسك الشرق بمركزية وهمية بها يعامل التجارب الروائية المحيطة به، والتي تفرض واقعا فنيا جديدا.
> تهاجم من يرون أن الأدب العربي منبوذ من الغرب، وإذا ما صادف فوزا عالميا فإن مرد ذلك، كما يذهبون، إلى حسابات سياسية ورشاوى ثقافية، وتؤكد أن ذلك معتقد المهزومين المأزومين... هل نعيش إذن في عالم مثالي يعطي كل ذي حق حقه بمعايير وردية، ألا تتدخل «عوامل أخرى» في تصعيد أديب ما على الساحة الدولية؟
- لا نعيش عالما مثاليا أبدا، والجوائز ليست هي الباب الذي منه يستمد الأدب منزلته، ولكن فكرة المؤامرة هي فكرة قاتلة، ولا ينبغي الانجراف وراءها إلا بالنسبة للمأزومين، الفوز في الجوائز العالمية المحترمة يفترض حدا أدنى من المصداقية، وإلا فإن مصر ستكف عن الافتخار بنجيب محفوظ بحصوله على جائزة نوبل، وهي أكبر جائزة تحوم حولها الشبهات.
ومع ذلك، فإن الجوائز الأدبية العربية يمكن أن تلحقها شبهات عديدة، ولكنها تظل مقياسا ضامنا إلى حد ما لدرجة من المقروئية، أما الجوائز العالمية بخاصة جائزة «مان بوكر» فإنها تعمل على الاقتراب قدر الإمكان من المصداقية، وأنا لا أتعجب من هذه المصداقية خاصةً في فوز الروائية العمانية جوخة الحارثي لسبب بسيط أن ناقدا هاما مثل محمد برادة قد كتب قبل فوز الرواية بعشر سنوات مقالا ذكر فيه تقريبا نفس ما أشادت به لجنة الجائزة في معرض حديثها عن رواية «سيدات القمر»، كما كتبت أنا في الزمن نفسه مقالا مبينا فيه منزلة الرواية.
> يحسب البعض لك الخروج بالأدب والنقد من التخصص الأكاديمي الضيق خلف أسوار الجامعة إلى فضاءات الواقع والمجتمع... كيف استطعت ذلك وهل ثمة رؤية أو رسالة نقدية إزاء هذا الدور؟
- نعم لي رؤية في ذلك، أعتقد أن النقد ليس من دوره أن يبقى حبيس الجامعة، ومن الضروري إحياءً للنقد ونفعا للأعمال الأدبية أن يبسط وأن يدلي بدلوه في هذه الأعمال برؤية علمية تحمل وجهة نظر العالم. وهذا الفراغ الذي تركه النقاد الجامعيون جعل الساحة الثقافية تزخر بأشباه الجهلة ممن يحسب لهم ألف حساب في نقد يقوم على الانطباع والولاءات والصلات.
درس الأدب هام جدا داخل أسوار الجامعة، ولكن مع الأسف في أغلب جامعاتنا هذا الدرس قد قتله جامعيون هم مؤدبو صبية، علمهم محدود وكذلك عملهم، ولا يرون لهم حياة إلا في أوهام تقدير الطلبة المؤقت لهم، وهم قتلة الأدب ومقبرو النقد.
درس النقد لا يمكن أن يظل حبيس أسوار الجامعة ووجب أن يخرج بما يمتلكه الجامعي من أدوات ومعارف ليعانق المجتمع، وهو الأمر الذي أسعى إليه، حتى في درسي داخل الجامعة.
> كيف ترى واقع الرواية في تونس حاليا، ولماذا يبدو شحيح التأثير في المشهد الثقافي العربي العام؟
- أولا وضع الرواية عموما في حال تساؤل، فمنطق التاريخ يقتضي أن يتحول هذا الشكل أو أن يولد شكلا جديدا، أما الرواية التونسية فهي في حال من الانتعاش، وكانت دوما في حالة من القلة الإنتاجية والكثافة التجريبية، بداية من توجهين ثريين سن الأول منهما بشير خريف في «الدقلة في عراجينها»، وسن الثاني منهما محمود المسعدي في تجربة روائية نادرة في الوطن العربي، وامتد هذان الطريقان لحد اليوم، وهنالك الآن جملة من الروائيين المهمين محليا وعربيا، منهم أميرة غنيم وشكري المبخوت والحبيب السالمي، ولكن نعود إلى هذه القطيعة الحاصلة مع المشرق وخاصةً مع مصر، فإن هذه الأعمال لا تروج معهم.
> يبدو أنك منشغل أكثر بالتنظير الأدبي مقارنة بالمتابعة النقدية للإصدارات الإبداعية الجديدة... إلى أي حد يبدو ذلك الانطباع صحيحا؟
- هو صحيح إلى حد ما، فأنا رغم انشغالي بالتنظير ومحاولة اختبار جملة من الأدوات السردية الفاعلة في دراسة الخطاب القصصي، إلا أني أجتهد في مواكبة الأعمال القصصية والروائية قدر الإمكان، وأنشر هذه المقاربات في عدد من الصحف والمجلات.
انشغالي بالتنظير لا يعطل مواكبتي لعديد الأعمال السردية الحديثة التي أواكب بعضها، فالتنظير بالنسبة إلى عامل هام جدا به يمكن أن أمتلك حادث الأدوات لمزيد فهم الخطاب السردي وبيان سماته وخصائصه.
> إذن... كيف ترى الاتهام المزمن لكم معشر النقاد بأنكم «مقصرون» في تقديم الأعمال الإبداعية الجديدة؟
- فعلا هنالك تقصير بيّن من النقاد الجامعيين تحديدا، وذاك راجع إلى جهل أغلبهم بحدود النقد وطرق إعماله، ولذلك يفضلون الموت في أوراق الطلبة أو تحبير كتب مليئة بالشكليات والنقول والأسماء التي لا يدركون أغلبها.
ولكن، ليس على الناقد أن يقدم جميع الأعمال الإبداعية الجديدة، ولكن عليه في الوقت نفسه أن يقول قوله فيما يتسنى له أن يطلع عليه من أعمال أدبية، وفي هذا الجانب فإن النقد العربي مقصر، ولكن تقصيره موصول بعدد من الصعاب التي تخرج أحيانا عن نطاقه، أولها أن الحياة الأكاديمية تقتل كل نفس إبداعي نقدي وتشجع على الاجترار والتحول إلى ورقة عقيمة، الثانية أن المؤسسات الناشرة ما زالت ضعيفة ولا تتعامل مع النقد العالمي لتقديم الأعمال والترويج لها وإدراك منزلتها، وثالثها أن أغلب المؤسسات الثقافية والعلمية لا تهتم بهذا الأمر، ولذلك يكون جهد مواكبة الناقد الأكاديمي للأعمال الأدبية هو جهد ذاتي خاص.



الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.


نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة
TT

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006) من هوامشها المتفرقة إلى مساحة جديدة مفتوحة على التخييل، حيث لا تبدو الوقائع السيرية مادةً جاهزة للسرد، بل نواةً يُعاد تشكيلها داخل نص يستعير صوت نجيب محفوظ ويعيد إنتاجه، فلا يبدو «أديب نوبل» موضوعاً للكتابة، بقدر ما يستحضر الكتاب نسخةً من حياته تتجاوز حدود الواقع الصارم وغيوم الذاكرة.

لا يُمهّد عبد الموجود للكتاب عبر مقدمة تقليدية، بل يدفع قارئه مباشرةً صوب فصول تمثّل بوابات مفتوحةً على عالم محفوظ الإنساني والأدبي والفني، في لعبة يختلط فيها الحقيقي بالمتخيّل، وهي مقاربة لا تبدو بعيدةً عن عالم محفوظ نفسه، لا سيما في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث تتشكّل السيرة من شذرات ممزوجة بالتأمل والخيال، لا من تسلسل توثيقي نمطي.

بهذا المعنى، يبدو فعل الكتابة أقرب إلى التماهي مع وعي محفوظ نفسه؛ إذ يستعيد الكاتب هذا الالتباس الفني المُحبّب لديه بين الواقع والحلم.

«الشجرة السابعة»

يستعير عبد الموجود، عبر أكثر من 25 فصلاً، نبرة «محفوظ» ولغته التي ألفناها في أدبه، بما يضع القارئ في حالة تتلاشى فيها الحدود بين الواقعي والمتخيَّل، ففي مطلع فصول الكتاب يأخذنا إلى «الشجرة السابعة»، مستهلاً بنبرة «محفوظية»: «لو وُلدتُ في الصيف لتخيّلتُ أبي واقفاً خارج غرفة الولادة بالجبة والقفطان، لكننا في شتاء 1911. ارتدى بالطو فوق بدلته واعتمر الطربوش كمن يستعد لطارئ غير محسوب».

تتبدّى لحظات انتظار الأب لميلاد «ابنه السابع» محاطةً بنبرة شعريةٍ تلتحم فيها رؤى الأب والابن معاً: «ربما حلم لي أن أكون مهندساً أو طبيباً، كما حلم لشقيقيّ... فكّر أنني سأكون أسعد الأولاد، وأحبّهم إلى قلب فاطمة؛ فقد حملت بي وهي تغادر شبابها».

تُروى لحظة الميلاد عبر مشاهد مشحونة بالتعبير والانفعالات؛ ترقّب الأب، والقلق، وأصوات العبرات والزغاريد بعد خروج طبيب التوليد الشهير آنذاك «نجيب محفوظ» مبشّراً بوصول الابن الذي سيحمل اسمه، غير أن هذه الصورة لا تلبث أن تُعاد مساءلتها؛ إذ يقودنا الكاتب في نهاية هذا الفصل إلى سطور من «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» كما نقلها رجاء النقاش، وروايات أخرى تشكّك في نسبة اسمه إلى طبيب التوليد، فتتبدّد الرواية الشائعة، ويغدو ما بدا ثابتاً موضع شك.

هنا يضعنا النص في قلب هذا التوتر الخلّاق بين «الأصل» كما ورد في المذكرات والحوارات، و«الصورة» التي يتماهى الكاتب في رسمها استناداً إلى هذا الأصل، فلا تُلغى الصورة، بل تكتسب معناها من مجاورتها للأصل، لا من تطابقها معه. ولا يكتفي الكتاب بتقديم هذه المشاهد المتخيّلة، بل يعيد القارئ في نهاية كل فصل إلى «الأصل»؛ فقرات من مذكرات كُتبت عن محفوظ أو من حواراته، حيث تتشكّل علاقةٌ مزدوجة بين النصَّين.

وفي فصل بعنوان «الحريف قلب الأسد»، نرى محفوظ المُغرم بكرة القدم منتشياً بانتصاراته الصغيرة، ومسجّلاً «نصف دستة أهداف». يعيدنا السرد هنا إلى مساحة يتداخل فيها اللعب ببراءة الحلم، ليصبح اللعب مُعادلاً للخيال: «كنت ألعب وأكسب، ثم أعود إلى البيت لأغرق نفسي في أحلام اليقظة». ونراه أيضاً يختبر بشائر الحب الأولى، وافتتانه بفتاة «الجمالية» في طفولته، وغناءه «يمامة بيضا»، في مشاهد تفوح بالحنين، وتحمل رائحة المكان الأول.

الطفولة والخيال

تتجاور هذه اللقطات مع مراحل لاحقة من حياة نجيب محفوظ، فتتقاطع الطفولة والصبا والشباب مع زخم الأصدقاء، ومرور العمر، في حضورٍ دائم للكتابة؛ ففي فصل بعنوان «يا ولاد حارتنا توت توت»، يتقمّص الكاتب صوت محفوظ وهو في خضم الضجّة التي أثارها نشر روايته «أولاد حارتنا»؛ إذ يجد نفسه محاصراً بعبارات التشكيك والهجوم: «ها أنا في أضعف حالاتي أجد نفسي ضيفاً على طاولات التشريح أدفع عن نفسي تهمة نكراء، أقول لأحمد حمروش: هذه الرواية أقصد بها قصة البشرية... وأبعد ما يكون في ذهني أن أكتب سير الأنبياء في حارة». ويعقد الكاتب محاورات بين محفوظ وأبطاله الروائيين في أكثر لحظاته هشاشةً؛ ففي الفصل الأخير «مُت يا أخي... لماذا ترفض أن تموت؟»، الذي يتكئ على حادثة محاولة اغتياله. يتابع محفوظ مصير الشابين اللذين أُحيلا إلى المحاكمة العسكرية، في مشهد تتداخل فيه الواقعة بالهاجس: «يا ربّي، ليس بيدي ما أفعله لهما، وأشهد أنني أسامحهما. ثم رفعت أصابعي بحركة غريزية، وتحسّست الطبقة الناشفة فوق الجرح، وقلت: لقد رتقوا جرح رقبتي وتركوا التمزّق في روحي».

في هذه اللحظة لا يكتفي النص باستعادة الواقعة، بل يفتحها على أفقٍ تخييلي أرحب؛ فيظهر بطل «الحرافيش» الأشهر «عاشور الناجي»، ليُطمئن صاحبه محفوظ: «سوف تلتئم... سوف تلتئم يا حبيب القلب»، ليبلغ التداخل بين الأصل والصورة ذروته؛ إذ لا تعود الشخصية الروائية مجرد صدى لعالم محفوظ، بل تتحوّل إلى وسيطٍ يعيد إليه توازنه، وكأن الخيال، الذي صنعه يوماً في أدبه، يعود إليه دفئاً وسلواناً.

لا يقف الكتاب عند حدود السرد، بل يحتفي أيضاً بالأرشيف البصري لنجيب محفوظ، عبر عددٍ كبيرٍ من الصور تتوزّع بين فصوله، لتشكّل طبقةً موازيةً من «الصورة» لنظيرتها السردية، وتقيم حواراً بصرياً مع النص، بما يوسّع من فكرة «الأصل والصورة» إلى ما هو أبعد من الكتابة.

ويستند بناء الكتاب إلى عددٍ من المراجع التي تُمدّه بمادته الأولى؛ أي «الأصل»، مثل «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لرجاء النقاش، و«نجيب محفوظ يتذكّر» لجمال الغيطاني، و«أنا نجيب محفوظ» لإبراهيم عبد العزيز، و«أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة» لمحمد شعير... وتُستدعى فقرات من هذه المراجع في نهاية كل فصل، لتُجاور الصور المتخيّلة وتدخل معها في حوارٍ حول ما كُتب من السيرة، وما تركه محفوظ في عُهدة الأثر.


الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة
TT

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين، وهم الشاعر الكاريبي ديرك والكوت، والبريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو، والشاعر البريطاني لي هاروود، والشاعر الأميركي فرانك أوهارا.

والكتاب جاء في ثلاثة فصول. ضم الفصل الأول، المعنون «إعادة بناء الهوية عبر الذاكرة وفي الذاكرة» دراسة مقارنة بين قصيدة «أوميروس» الملحمية للشاعر الكاريبي ديريك والكوت والرواية الشعرية «لارا» للكاتبة البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو.

ويرى الكاتب أنه يوجد الكثير من نقاط التقارب في سيرتي الشاعر الكاريبي ديريك والكوت والشاعرة والروائية البريطانية من أصل نيجيري بيرناردين إيفاريستو فكلاهما ذو هوية هجينة، «والكوت من سلالة عبيد»، وقد تسمم بدم جانبين من أسلافه (كان أجداده بيضاً، وجداته سوداوات)، بينما كانت إيفاريستو تعاني من عدم التوازن بين طرفي عائلتها (أمها إنجليزية، ووالدها نيجيري). وكان كل منهما يدخل نفسه كشخصية رئيسية في عمله.

لكن مقاربة إيفاريستو لثيمتي الهوية والذاكرة، كما نقرأ في هذا الفصل، تختلف إلى حد كبير عن مقاربة والكوت، فلارا، كما تقول إيفاريستو نفسها، هي رواية سيرية ذاتية - شعرية، مستمدة من حياتها، وليس بالضرورة أن تكون كما هي. وربما لهذا السبب، كما يستنتج المؤلف، تقارب إيفاريستو ثيمتي الجذور والهوية، وتربط قضايا مثل العنصرية والتمييز والآخر، من منظور شخصي محدود. إن اهتمامها بـ «استعمار الوعي والثقافة» في المجتمعات المستعمرة السابقة، ومحاولتها المصالحة عبر الذاكرة، وفي الذاكرة، مع ماضيها، ومع ذاتها، كهوية هجينة، هو مسعى لأن تعيد كليتها، و«تضع العبودية خلفها». ومن هنا، فإنها تعيد إنتاج هوية اجتماعية، وليس هوية وطنية أو تاريخية. وعلى العكس منها، يسائل والكوت التاريخ، أو، بشكل أدق الفكرة الأوروبية عن التاريخ، مازجاً الماضي بالحاضر، والثقافات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، والشخصي والعام.

أما الفصل الثاني المعنون «لي هاروود: العلاقة الدياليكية بين المكان والفضاء»، فيتناول تجربة هذا الشاعر، كنموذج لشعر الحداثة في الخمسينيات والستينيات، وتأثير الشعر الأميركي على تجربته الشعرية.

وقد امتاز شعر هاروود، (1939-2015)، ومنذ بواكيره الأولى، كما يقول السلطاني، بعلاقة ديالكتيكية بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والداخل والخارج. لكن علاقته مع المكان والفضاء، متحركة دائماً.

وقد غلب على الشاعر في هذه الفترة الاهتمام إلى درجة كبيرة بالأمكنة كجغرافيا، أكثر مما كونها أمكنة تخلية أم مجردة، على الرغم من أن هناك قصائد في هذه المرحلة كانت منفتحة على المجرد والمنظور التخيلي أو التصوري. والمقارنة بين قصائد الشاعر الأولى والمتأخرة، تتيح لنا تفحص التطور الذي حصل في علاقته بالمكان والفضاء، ارتباطاً مع تطور لغته الشعرية، خاصة في الثمانينيات فصاعداً، حين أصبحت قصائده منشغلة ذهنياً أكثر بالمكان والفضاء.

ويبحث الفصل الثالث: «فرانك أوهارا: جمالية الأشياء الصغيرة»، في تجربة أوهارا، كمثال على شعر ما بعد الحداثة في الشعر الأميركي. ويصنف النقاد الشاعر الأميركي فرانك أوهارا ضمن «مدرسة نيويورك»، وهي جماعة من الشعراء والرسامين والراقصين والموسيقيين الذي نشطوا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي بمدينة نيويورك مستلهمين أفكارهم من الدادية السريالية، في افتراق واضح عن شعراء الاعتراف المعاصرين لهم، وأبرزهم روبرت لويل (1917-1977).

لكن المؤلف يرى أن هذا التصنيف ليس دقيقاً تماماً، «فأوهارا يكاد يكون ظاهرة خاصة بحد ذاتها من ناحية أسلوبه الشعري، القريب جداً من نثر الحياة اليومي، وكأنه يسجل يومياته، بالبساطة والعفوية ذاتهما، والعبث أيضاً، بالمبنى والمعنى، الذي سيتماثل لاحقاً مع موته العبثي في، حين دهمته سيارة مسرعة في ليلة حالكة من شهر يوليو/ تموز عام 1966، وهو في الأربعين».

ويبدو أنه كلما ضمن الأشياء أكثر في قصيدته، وبقدر ما يستطيع، بدت مفتوحة على فضاء أرحب، وبالتالي كونية أكثر، وهو قد يتفرد بهذه الميزة، كما يرى السلطاني، كما أنه «يتمتع بتلك القدرة الشعرية النادرة على رفع اليومي العادي و(الأشياء المبتذلة) إلى مستوى السامي، وعلى أن يهبط بالسامي إلى مستوى اليومي والمبتذل في الوقت نفسه، خالقاً بذلك حركة جدلية يمتزج فيها الإنسان، والعالم، والأشياء، سواء أكانت سامية أم مبتذلة، معاً في نسيج القصيدة، المحدد زمنها ومكانها. ومن خلال (تأرخته) للأحداث اليومية، يكشف أوهارا، بلغة مباشرة، وغالباَ حميمة، عن وعي واضح بالطبيعة الجمالية للأشياء، أو ما يمكن أن نسميه (جمالية الأشياء الصغيرة). وبذلك خلق نمطاً جديداً في الشعر الأميركي ما بعد الحرب، رادماً الهوة في قصيدته بين الفن والحياة، مما يجعلنا، حسياً وذهنياً، منخرطين أكثر في وجودنا الإنساني».

جاء على الغلاف الأخير للكتاب:

«ما تزال ثقافة ما بعد الاستعمار ظاهرة هجينة تشتمل على علاقة جدلية بين ثقافات البلدان المستعمرة سابقاً والنظام الثقافي الغربي، الذي أنتج، بعد هيمنته المادية، ظواهر كبرى مثل الحداثة، التي تستند إلى المركزية الأوروبية، وما بعد الحداثة، التي تهدف لإعادة الاعتبار لثقافات الشعوب وتقاليدها، وتفكيك أوهام المركزية الأوروبية، وتعبيراتها الأدبية، فالحقيقة هي (نتاج بشري عام وليست نتاجاً أوروبياً).

والمهم هنا، كيف انعكست هذه الظواهر والمفاهيم التي أنتجتها، وإن بشكل غير محسوس وغير مباشر، في الأدب المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين».