رغم «اقتناع» الرئيس الأميركي جو بايدن بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد «اتخذ قراراً نهائياً» برفض المبادرات الدبلوماسية وغزو أوكرانيا، فإنه ناشده «اختيار الدبلوماسية»، لافتاً إلى أن «الأوان لم يفُت بعد». وفيما تشير كل التقديرات والمعلومات الاستخبارية إلى أن بوتين في طريقه لتنفيذ هجومه على أوكرانيا، فإن الغموض لا يزال يلف طبيعة العملية التي سينفذها ومداها. وقال بايدن في مؤتمر صحافي خصصه للحديث عن الاتصالات التي أجراها الجمعة، مع قادة الناتو والاتحاد الأوروبي والكونغرس الأميركي، حول آخر التوقعات بالنسبة لأوكرانيا، إن الولايات المتحدة لديها معلومات استخباراتية تظهر أن بوتين اتخذ قراره، وأنها ستكون «حرباً كارثية لا داعي لها» في أوروبا الشرقية. وأضاف: «لدينا سبب للاعتقاد بأن القوات الروسية تخطط وتعتزم مهاجمة أوكرانيا في الأسبوع المقبل... في الأيام المقبلة»، و«نعتقد أنهم سيستهدفون العاصمة الأوكرانية، كييف، وهي مدينة يبلغ عدد سكانها 2.8 مليون شخص بريء». ورداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن بوتين لا يزال متردداً بشأن الغزو، قال بايدن: «أنا مقتنع بأنه اتخذ القرار». لكنه أضاف: «لم يفُت الأوان بعد للتهدئة والعودة إلى طاولة المفاوضات»، في إشارة إلى المحادثات المزمعة بين وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوم الخميس المقبل. لكنه أكد: «إذا قامت روسيا بعمل عسكري قبل ذلك التاريخ، فسيكون من الواضح أنها أغلقت الباب أمام الدبلوماسية».
القوات الروسية في مواقع هجومية
ونقلت محطة «سي إن إن» عن مسؤولين أميركيين وأشخاص مطلعين، أن تصميم بايدن على أن بوتين قرر غزو أوكرانيا جاء «جزئياً بناء على أحدث التقييمات الاستخباراتية التي تظهر أن ما يقرب من 40 في المائة من القوات الروسية المحتشدة على الحدود قد تحركت إلى مواقع هجومية». وأضافت تلك المصادر، ومع ذلك، لم يكن بايدن يخطط في البداية للإعلان خلال خطابه، «أنه يعتقد أن بوتين اتخذ قراره»، ولم يتضمن خطابه أي إيحاء بذلك. لكن عندما سأله أحد المراسلين عمّا إذا كان يعتقد أن بوتين قد اتخذ القرار، أجاب في البداية بالإيجاب فقط ورفض التوسع.
وجاءت تصريحات بايدن بعدما دعا الانفصاليون المدعومون من روسيا في شرق أوكرانيا، إلى عمليات إجلاء جماعية في المناطق التي يسيطرون عليها، زاعمين من دون أدلة واضحة، أن الجيش الأوكراني على وشك شن هجوم واسع النطاق، وهو ما عدّ تأكيداً للتحضير لغزو روسي وشيك. وقال بايدن إن الإعلام الروسي يكرر المزاعم بشأن حدوث مذابح في دونباس، وخططاً أوكرانية للهجوم على روسيا. وقال: «ببساطة لا يوجد دليل على هذه التأكيدات، وهو يتحدى المنطق الأساسي للاعتقاد بأن الأوكرانيين سيختارون هذه اللحظة، مع وجود أكثر من 150 ألف جندي روسي محتشدين على حدودهم، لتصعيد الصراع». وأكد بايدن أنه تبادل مع حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي آخر المعلومات الاستخبارية، والتأكد من استمرار التوافق بيننا، «رغم الجهود الروسية لتقسيمنا». وكرر أن بلاده لن ترسل قوات للقتال في أوكرانيا، لكنه تعهد مواصلة تقديم الدعم للأوكرانيين، مشدداً على أن الولايات المتحدة وحلفاءها مستعدون للدفاع عن كل شبر من أراضي حلف الناتو.
وعدت تصريحات بايدن أوضح المؤشرات على مدى احتمال حصول أكبر صراع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. غير أن إصراره على تأكيد التنبؤ بالإطار الزمني ومناطق العمليات ومعايير الغزو، عد مخاطرة غير عادية، رغم احتمال أن يكون ذلك خطأ. وقال بايدن: «نحن نكشف خطط روسيا بصوت عالٍ وبشكل متكرر». «ليس لأننا نريد صراعاً، ولكن لأننا نفعل كل ما في وسعنا لإزالة أي سبب قد تقدمه روسيا لتبرير غزو أوكرانيا ومنعهم من التحرك». وقال مسؤولون أميركيون إن «نيات بوتين كان من الصعب تمييزها، لأنه يخفي خططه حتى عن كبار مستشاريه، ويكشف عن قراراته فقط عند اتخاذها».
ويوم السبت، قال وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، إن الجيش الروسي على استعداد لضرب أوكرانيا، لكنه أعرب عن أمله في أن يتراجع الرئيس الروسي عن «حافة الحرب». وتعهد أوستن خلال زيارة إلى ليتوانيا، بأن تقف بلاده مع حلفائها في دول البلطيق، حيث «تتعرض المنطقة لمخاطر الغزو المحتمل». وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة فيلنيوس، بعد محادثات أجراها مع قادة ليتوانيا: «أريد أن يعلم الجميع في ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا، وأريد أن يعلم الرئيس بوتين، أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب حلفائها».
في هذا الوقت أعلن السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أنه انضم إلى نظرائه في بريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان في إصدار بيان مشترك بشأن «التهديدات المتزايدة للسلام والأمن الإقليمي لأوكرانيا». وقال البيان: «نحن رؤساء لجان الشؤون الخارجية البرلمانية لمجموعة السبع، نشعر بقلق عميق إزاء التوترات المستمرة التي تنطوي على روسيا وأوكرانيا والتهديدات للسلام والأمن الإقليمي لأوكرانيا، وندين بشدة أي محاولة من أي بلد لتغيير الوضع الراهن بالإكراه أو بالقوة». وأضاف البيان: «نحث حكومة روسيا على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن تنفيذ أي عمليات عسكرية ضد أوكرانيا»، و«سنواجه أي غزو آخر من قبل روسيا لأوكرانيا بعقوبات سريعة وشديدة». كما نحث حكومة روسيا على تجنب جميع المبادرات الرامية إلى الاعتراف بجمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوهانسك الشعبية المعلنة ذاتياً، فالاعتراف بهذه الجمهوريات يعد انتهاكاً خطيراً جداً لسيادة أوكرانيا وسلامتها الإقليمية. وختم البيان بدعوة «المجتمع الدولي وحكوماتنا وحكومة روسيا وحكومة أوكرانيا إلى مواصلة الانخراط في الحوار واستخدام جميع الخيارات الدبلوماسية للتوصل إلى حل سلمي لهذه الأزمة».
غزو شامل أو عملية محدودة
وأشارت أوساط أميركية إلى أن بوتين قد يدرس خيارات عدة، تتراوح بين شن هجوم شامل، وهو ما قد يكون أمراً صعباً، أو القيام بعملية عسكرية محدودة، قد تؤدي إلى انهيار الحكومة الأوكرانية، وتشكيل حكومة موالية أو على الأقل «محايدة». وأضافت أن هذا الخيار سيعرضه لخطر عقوبات، لكنه يراهن على إمكانية رفعها في وقت قريب، والدخول في مفاوضات مع الغرب، بما يؤدي إلى تأمين مخرج ملائم له.
وحذر مسؤول كبير في البيت الأبيض، الجمعة، من أنّ العقوبات التي ستفرضها الولايات المتّحدة وشركاؤها على موسكو، إذا قرّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا، ستجعل من روسيا دولة «منبوذة». وقال نائب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض لشؤون الاقتصاد الدولي داليب سينغ للصحافيين، إنّ روسيا «ستصبح دولة منبوذة بالنسبة إلى المجتمع الدولي. سيتمّ عزلها من الأسواق المالية الدولية وحرمانها من المدخلات التكنولوجية الأكثر تطوراً». وقال: «نحن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على حزمة العقوبات على روسيا في حال غزوها أوكرانيا، ولن يكون بوسع الصين تعويض روسيا عن أضرار العقوبات الاقتصادية في مجال التكنولوجيا المتقدمة». وشدّد سينغ على أنّ العقوبات التي تعتزم بلاده فرضها على روسيا «تمّ إعدادها بطريقة مسؤولة، لتجنّب استهداف الشعب الروسي والحدّ من أضرارها الجانبية على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي». وأوضح أنّ هذه العقوبات «ستعرّض روسيا لخطر هروب رساميل كبيرة ولضغوط مزدادة على عملتها، ولارتفاع في معدلات التضخّم، ولتكاليف اقتراض مرتفعة، ولانكماش اقتصادي، ولتآكل قدرتها الإنتاجية». وأكد أن الولايات المتحدة «مستعدة» في حال حاولت روسيا استخدام موارد الطاقة «سلاحاً» ووسيلة ضغط. وقال: «لقد اتخذنا إجراءات للتنسيق مع أكبر مستهلكي الطاقة ومنتجيها لنضمن أن لدينا إمدادات طاقة متواصلة وأسواق طاقة مستقرة». وقال إن العقوبات التي ستواجهها روسيا ستكون أقسى بكثير من عقوبات عام 2014، مشيراً إلى أن الإجراءات العقابية لا تهدف إلى المس بقدرة روسيا على تزويد العالم بالطاقة. وكانت واشنطن قد أكدت في وقت سابق أنّ خط أنابيب «نورد ستريم 2» لنقل الغاز، الذي يربط روسيا بألمانيا عن طريق البحر، لن يبدأ تشغيله إذا تم اجتياح أوكرانيا. وخلال المؤتمر الصحافي نفسه، حمّلت الولايات المتحدة، روسيا المسؤولية عن الهجمات الإلكترونية التي استهدفت، الثلاثاء، كثيراً من المواقع العسكرية الرسمية الأوكرانية ومصرفين حكوميين. وقالت آن نويبرغر مستشارة البيت الأبيض لعمليات القرصنة المعلوماتية: «نرى أنّ الدولة الروسية هي المسؤولة عن الهجمات السيبرانية التي استهدفت مصارف أوكرانية هذا الأسبوع». لكنها أضافت أنه ليست هناك معلومات حول هجوم سيبراني روسي وشيك ضد الولايات المتحدة، «لكننا مستعدون لجميع الحالات الطارئة».





