ولد الشيخ أحمد.. مبعوث «الأمل» الجديد إلى اليمن

رحلة بدأت من بوادي موريتانيا.. وانتهت في أروقة الأمم المتحدة

ولد الشيخ أحمد.. مبعوث «الأمل» الجديد إلى اليمن
TT

ولد الشيخ أحمد.. مبعوث «الأمل» الجديد إلى اليمن

ولد الشيخ أحمد.. مبعوث «الأمل» الجديد إلى اليمن

بدأ الأمل يعود إلى اليمن منذ أن أعلن عن نهاية «عاصفة الحزم»، أمل يعود مع الهدوء الذي تسرب إلى مفاصل اليمن المنهك، فالبلد الذي يقع في خاصرة الجزيرة العربية لا يحتاج شيئًا أكثر من الهدوء والاستقرار وقدر من السكينة، تلك هي الصفات التي اشتهر بها الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وهو الذي يحمل عدته استعدادًا لأن يحط الرحال في اليمن مبعوثًا خاصًا للأمين العام للأمم المتحدة.

يعد ولد الشيخ أحمد، 55 عامًا، من الموريتانيين القلائل الذين تسلقوا السلم الدبلوماسي في أروقة الأمم المتحدة، واستطاعوا أن يتقلدوا مناصب قيادية في المنظمة الأممية ويتعاملوا مع ملفات شائكة في مختلف بقاع العالم. لكن الصورة التي يرثها الدبلوماسي الموريتاني إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وهو يستعد للدخول كهمزة وصل بين مجلس الأمن الدولي ومجلس التعاون الخليجي وحكومات المنطقة، بالإضافة إلى أطراف الأزمة وفي مقدمتها الحكومة اليمنية، تبدو قاتمة، فاليمن يعيش في أغلب مدنه على وقع مناوشات بين فصائل المقاومة الشعبية والميليشيات التابعة للحوثيين، كل ذلك في ظل أزمة اقتصادية حادة يعاني منها اليمنيون وأوضاع إنسانية صعبة تنذر بوقوع كارثة إنسانية في بلد عرف كوارث كثيرة خلال العقود الأخيرة.. لذا فإن فرص النجاح وسط هذه الصورة القاتمة تظل ضئيلة، والتحدي يصبح كبيرا، ويأتي بعد تعثر مهمة المبعوث الدولي السابق جمال بنعمر الذي نال حظا وافرا من الانتقاد، لفشله في تقديم شيء يذكر.
ومن التحديات التي سيواجها ولد الشيخ أحمد، يقول المحلل السياسي اليمني مأرب الورد لـ«الشرق الأوسط» إن «اليمنيين يتطلعون إلى أن يكون ولد الشيخ مبعوثا دوليا محايدا وشاهدا بصدق وبشفافية على سير العملية السياسية حتى لا نكرر التجربة السيئة لسلفه، التي أعطت الفرصة لجماعة الحوثي لتنقلب على الدولة وتدخل اليمن في فوضى كبيرة»، وشدد في السياق ذاته على ضرورة أن يعمل المبعوث الجديد «بحزم وصرامة مع الأطراف التي تعرقل جهوده، فيتوجب عليه ألا يلوذ بالحياد أو الصمت إزاء عراقيل وانتهاكات الحوثيين وحليفهم علي عبد الله صالح». ويقول الورد إن «اليمنيين يتطلعون لنجاح المساعي العربية والدولية لإعادة الاستقرار إلى بلادهم، ونأمل أن يكون السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد خير مبعوث أممي إلى اليمن، ويحدونا هذا التفاؤل لمعرفتنا به خلال عمله منسقا للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في اليمن».
ويؤكد المحلل السياسي اليمني مجاهد السلالي أن «مهمة المبعوث الأممي الجديد مرهونة بما يجري على أرض الواقع، فبغض النظر عن هوية المبعوث فلم يعد الوضع كما كان عليه أيام جمال بنعمر، ومن المؤكد أن الحسم على الأرض هو الذي سيحقق التقدم، لذا فإنه لن تكون التحديات كبيرة أمام المبعوث الأممي الجديد إذا تم حسم الأمور على الأرض لصالح الشرعية».
فالشيخ أحمد من مواليد عام 1960، أي قبل أيام قليلة من حصول موريتانيا على استقلالها من فرنسا في الثامن والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) 1960. ولد في بادية تسمى «بيلا» قبل أن يتغير اسمها عام 1975 لتصبح «واد الناقة»، تقع على بعد 50 كيلومترًا شرق العاصمة نواكشوط، في منطقة يعتمد أغلب سكانها على التنمية الحيوانية. وينحدر ولد الشيخ أحمد من أسرة تقليدية ذات طابع محافظ كأغلب الأسر الموريتانية في ذلك الوقت، كان والده معلمًا في مدينة سينلوي السنغالية، وهي المدينة التي تقع عند مصب نهر السنغال في المحيط الأطلسي على الحدود بين موريتانيا والسنغال، واختارها المستعمر الفرنسي آنذاك كعاصمة لكل من موريتانيا والسنغال، وشكلت في ذلك الوقت مركزًا تعليميًا مرت منه النخب السنغالية والموريتانية. لم تكن أسرة ولد الشيخ أحمد من ميسوري الحال على غرار أغلب الأسر الموريتانية حين كانت الدولة تتلمس خطواتها الأولى وتحاول أن تبني اقتصادها، كان إسماعيل هو الكبير من بين إخوته التسعة ويحمل أمل أسرته وأحلامها.
بدأ ولد الشيخ أحمد تعليمه في الكتاتيب التقليدية بمسقط رأسه في بيلا، حيث حفظ القرآن الكريم ودرس بعض كتب الفقه واللغة، وفق المناهج التي تعتمدها الأسر الموريتانية التقليدية لتدرس لأبنائها، قبل أن يلتحق بمدارس التعليم العصري في العاصمة نواكشوط، مستفيدًا من دعم وتشجيع كبير من أسرته التي تنحدر من أحد أكثر المجتمعات الموريتانية اهتماما بتعليم أبنائه.
كانت مدينة نواكشوط في تلك الفترة تعيش على وقع «حرب الصحراء» التي أسفرت عن انقلاب عسكري أطاح بحكم أول رئيس للبلاد المختار ولد داداه عام 1978، وقد أدخل الانقلاب الدولة في أتون صراع مرير على السلطة استمر لعدة سنوات، في تلك الأجواء تلقى ولد الشيخ أحمد تعليمه الابتدائي والمتوسط والثانوي بنواكشوط، ونال شهادة الثانوية العامة في العلوم الطبيعية (البكالوريا) عام 1980، وعلى الرغم من أن المدارس كانت في تلك الفترة محط اهتمام الحركات السياسية التي تنشط في البلاد، لم يعرف عن الفتى إسماعيل أي انتماء سياسي أو فكري، فتجاوز تلك الفترة العمرية الحساسة من دون أن تجذبه خطب قادة التيار اليساري المعروفين في تلك الفترة تحت اسم «الكادحين» ولهم تأثيرهم القوي في الشباب الموريتاني، كما لم يلق بالاً للمد القومي العربي القادم مع التيارات البعثية والناصرية، ولا حتى الحركة الإسلامية التي كانت تخط بداياتها في موريتانيا مع مطلع العشرية الثامنة من القرن الماضي.
في العام الذي حصل فيه ولد الشيخ أحمد على شهادة البكالوريا، لم تكن موريتانيا تتوفر على جامعة أو أي مؤسسة للتعليم العالي، وكان حينها أغلب الطلاب الموريتانيين يتلقون تعليمهم إما في بعض البلدان العربية والإسلامية أو في فرنسا، المستعمر السابق للبلاد. كان ولد الشيخ أحمد واحدا من الشباب الذين حزموا حقائبهم وغادروا الصحراء الموريتانية باتجاه فرنسا، حمل معه وهو يُيمّمُ وجهه شطر القارة العجوز نهمًا كبيرًا ورغبة جامحة في التحصيل المعرفي، وهي صفة ورثها من أسرة يعمل والدها معلمًا ربى أبناءه على حب التعلم.
حط الفتى اليافع القادم من المنكب البرزخي حقائبه في جامعة مونبلييه الفرنسية، ومن دون عناء وتفكير كبيرين قرر دراسة الاقتصاد ليتخرج بشهادة البكالوريوس في العلوم الاقتصادية، ومن باريس عاصمة الأنوار كان على ولد الشيخ أحمد أن يفكر في طريقة لمواصلة تعليمه العالي وإشباع رغبته في التحصيل، لتبدأ رحلة جديدة على الضفة الأخرى من بحر الشمال في المملكة المتحدة، حيث حصل على شهادة الماجستير في تنمية الموارد البشرية من جامعة مانشستر، لم تتوقف رحلة الشاب الموريتاني المتحمس عند هذا الحد، بل إنه التحق بعد ذلك بكلية ماستريخت للدراسات العليا في هولندا، والتي تخرج فيها بشهادة متقدمة في الاقتصاد وتحليل السياسات الاجتماعية.
طيلة سنوات الدراسة الجامعية التي قادته إلى 3 دول أوروبية، استطاع ولد الشيخ أحمد أن يمزج بين الشاب الصحراوي الذي بدأ بحفظ القرآن ومتون الفقه الإسلامي، وذلك الشاب العصري الذي يفهم في المعادلات الاقتصادية، والذي يتحدث عدة لغات في مقدمتها العربية والفرنسية والإنجليزية. بعد أن أكمل ولد الشيخ أحمد رحلته التعليمية، عاد إلى موريتانيا وهو يحمل معه شهاداته العليا في الاقتصاد وتنمية الموارد البشرية، وهو الذي غادرها لا يحمل سوى شهادة البكالوريا مغلفة بأحلام شاب متحمس، بعد عودته عمل في مفوضية الأمن الغذائي، وهي جهاز حكومي يعمل على مساعدة المتضررين من موجات الجفاف في بلد صحراوي يعاني من شح الأمطار في أغلب المواسم.
عمل ولد الشيخ أحمد لعامين في مفوضية الأمن الغذائي قبل أن تتوق نفسه لآفاق جديدة خارج بلده الذي يعاني الأزمات السياسية وينخره الفساد وتنتشر فيه القبلية والجهوية، ولا مستقبل فيه لمن لا يمارس السياسة في فلك النظام الحاكم. وجد ولد الشيخ أحمد ضالته في الهيئات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، حيث استطاع أن يتقلد عدة مناصب متدرجًا فيها على مدى 28 عامًا، قادته إلى العمل في المجال الإنساني بمناطق النزاع في بقاع كثيرة من العالم، في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.
بدأ رحلته المهنية مع الأمم المتحدة كموظف لفترة طويلة في صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، حيث تولى مناصب مهمة في الصندوق، منها منصب مدير إدارة التغيير في نيويورك، ثم نائب المدير الإقليمي لشرق وجنوب أفريقيا في نيروبي بكينيا، ثم عمل لاحقا ممثلا للصندوق في الكثير من الدول الآسيوية والأوروبية من ضمنها جورجيا.
وخلال الفترة ما بين عام 2008 و2012 شغل ولد الشيخ أحمد منصب المنسق المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا، وهو نفس المنصب الذي شغله في اليمن ما بين 2012 و2014، عامين عايش فيهما الأزمة في اليمن وهي في ذروتها ليبني علاقات طيبة مع مختلف الأطراف، وهو ما يراهن عليه مراقبون كواحد من العوامل التي ستساعده في مهمته الجديدة.
لم تتوقف رحلة ولد الشيخ أحمد مع المناصب الأممية عند هذا الحد، حيث اختاره الأمين العام للأمم المتحدة مطلع عام 2014 ليكون نائب مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا ليقترب بذلك من واحد من أكثر الملفات الساخنة في العالم العربي، ولكن ذلك لم يدم طويلاً حيث وقع الاختيار عليه من جديد خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي ليكون المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتنسيق جهود مكافحة فيروس «إيبولا» الذي يجتاح عدة دول في غرب القارة الأفريقية وأودى بحياة أكثر من 10 آلاف شخص.
طيلة مسيرته في المناصب الأممية على مدى قرابة ثلاثة عقود، أظهر ولد الشيخ أحمد قدرًا كبيرًا من الحنكة في التعامل مع الملفات الشائكة، وهو يعتمد في ذلك على بعض المميزات التي تتمتع بها شخصيته، وفي هذا السياق أكد مقربون منه لـ«الشرق الأوسط» إنه إنسان يميل إلى الاستماع أكثر من الكلام، ولكنه في نفس الوقت إذا تكلم فأفكاره منظمة ويدرك جيدًا كيف يخاطب كل شخص على حده، يهتم كثيرًا للتفاصيل ويحاول دائمًا أن يكسب ودّ من يتحدث معهم لخلق أرضية مشتركة يمكنه من خلالها أن يوصل الفكرة التي يريد، فيما وصفه آخرون بأنه «صبور جدًا في التفاوض حتى ينال مبتغاه»، فهل يسعفه صبره بالنجاح فيما فشل فيه سابقه الدبلوماسي المغربي جمال بنعمر، يتساءل أحد المراقبين.
يرث ولد الشيخ أحمد واحدًا من أكثر الملفات العربية تعقيدًا، فاليمن ليس مجرد بلد عربي يعاني من مشكلات أمنية وسياسية، وإنما يمثل بوابة الخليج العربي وحجر زاوية في معادلة الأمن القومي العربي، كل ذلك جعل المملكة العربية السعودية تدرك حجم الخطر وتتحرك بسرعة وحزم لإعادة الشرعية المتمثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي.
بدأت الأمور تتعقد في اليمن عندما تمكنت ميليشيات الحوثيين من بسط سيطرتها على العاصمة صنعاء شهر سبتمبر من العام الماضي (2014)، بعد أن تحالفت مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، واستفادت بموجب صلات مشبوهة مع طهران من دعم عسكري وتأطير استراتيجي، مكنها من تحقيق مكاسب عسكرية سارت بالوضع نحو التعقيد والتأزيم حتى دخلت البلاد في أتون حرب أهلية أضرمها الحوثيون، وها هو التحالف العربي الذي تقوده السعودية يحاول أن يطفئها.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.