إشارات روسية متباينة بانتظار مفاوضات «ربع الساعة الأخير»

بوتين ركز خلال لقائه مع شولتس على المطالب الأمنية في أوروبا

التباعد بين بوتين وشولتس (رويترز)
التباعد بين بوتين وشولتس (رويترز)
TT

إشارات روسية متباينة بانتظار مفاوضات «ربع الساعة الأخير»

التباعد بين بوتين وشولتس (رويترز)
التباعد بين بوتين وشولتس (رويترز)

وجّهت موسكو إشارات متباينة أمس، حول استعدادها لتخفيف حدة التوتر على الحدود مع أوكرانيا، والتوصل إلى تسوية تزيح شبح الحرب المحتملة في المنطقة. وحمل قرار سحب أجزاء من القوات الروسية التي تم حشدها للتدريب على مقربة من حدود أوكرانيا، بالتزامن مع وجود المستشار الألماني أولاف شولتس في الكرملين، بوادر إيجابية لدفع المفاوضات التي وصفها خبراء بأنها «مساعي ربع الساعة الأخير». لكن في المقابل، عكست توصية مجلس الدوما (النواب) للرئيس الروسي بالاعتراف باستقلال إقليمي لوغانسك ودونيتسك الانفصاليين في أوكرانيا تلويحاً من جانب موسكو بخيارات التصعيد.
ومع حلول اليوم المحدد لبداية «الغزو» الروسي لأوكرانيا، وفقاً لتوقعات سابقة نشرتها صحف أميركية، أعلنت أن الحرب ستبدأ في 15 أو 16 فبراير (شباط)، سيطر نوع من التهكم على تصريحات نخب سياسية روسية، أكدت مجدداً عدم وجود نية لدى موسكو لمهاجمة البلد الجار. وقال الناطق الرئاسي ديميتري بيسكوف إن الرئيس فلاديمير بوتين تلقى «بسخرية» المعطيات الغربية حول موعد الهجوم المرتقب، فيما انتقد وزير الخارجية سيرغي لافروف «مشاركة صحف كبرى ومرموقة في حملة تشويه مقصودة». في الأثناء، برز تركيز بوتين خلال حواره أمس، مع المستشار الألماني الذي يقوم بأول زيارة لروسيا منذ توليه منصبه، على ملف الضمانات الأمنية التي تطلبها روسيا من الغرب.

- جولة أخرى من المحادثات لكن بدون نتائج
وكما كان متوقعاً، لم يعلن الطرفان الروسي والألماني عن تحقيق نتائج ملموسة في ختام جولة المحادثات. لكن الطرفين تعمدا توجيه رسائل إيجابية لجهة الاستعداد لمواصلة الحوار حول الملفات الخلافية. وإن كان بوتين تعمد إبقاء الأبواب مفتوحة أمام كل الاحتمالات، في حال وصلت المفاوضات مع الغرب إلى طريق مسدود. وقال الرئيس الروسي رداً على سؤال الصحافيين الغربيين حول آفاق التحركات الروسية إن بلاده «ستتصرف وفقاً للخطة الموضوعة». وأوضح بوتين أنه «بالنسبة إلى الطريقة التي ستتصرف بها روسيا، فهي ستعمل وفقاً للخطة... من ماذا تتألف الخطة؟ من الوضع الحقيقي على الأرض. من يستطيع أن يجيب كيف سيتطور الوضع على الأرض؟ لا أحد حتى الآن. فالأمر لا يعتمد علينا فقط».
وأضاف الرئيس الروسي أن الكرملين يسعى للتفاوض مع الشركاء. في الوقت نفسه، أكد أن موسكو مستعدة لمناقشة رزمة القضايا فقط عندما يتم وضع كل الملفات ذات الأهمية القصوى بالنسبة إليها على طاولة البحث. وزاد بوتين: «نحن مستعدون لهذا العمل المشترك، ونحن مستعدون أيضاً لمتابعة مسار المفاوضات، ولكن يجب النظر في جميع القضايا كلها، كما ذكر سابقاً، من دون فصلها عن المقترحات الروسية الرئيسية، التي يعد تنفيذها أمراً ضرورياً. أولوية مطلقة بالنسبة إلينا». وأوضح أن بين هذه الموضوعات عدم توسع الناتو، وإزاحة البنية التحتية العسكرية للكتلة إلى مواقعها في عام 1997، وعدم نشر أنظمة الضربات القتالية بالقرب من الحدود الروسية. وأضاف الرئيس الروسي: «كل شيء، في رأيي، واضح ومفهوم. نحن مستعدون للحديث عن قضايا أخرى وردت في الردّ الذي تلقيناه، ولكن بالاقتران مع ما هو ذو قيمة قصوى وأهمية قصوى».
بدوره، قال المستشار الألماني إن الأمن الأوروبي لا يمكن أن يكون ضد روسيا، ولكن يمكن بناؤه فقط معها. وقال شولتس، خلال المؤتمر الصحافي المشترك: «بالنسبة إلينا نحن الألمان وجميع الأوروبيين، من الواضح تماماً أنه لا يمكن بناء الأمن المستدام ضد روسيا، ولكن مع روسيا فقط. ونحن متحدون هنا، سواء في الناتو أو في الاتحاد الأوروبي».

- بوتين ينوّه بأهمية الغاز الروسي لأوروبا
من جهته، قال مصدر في الحكومة الألمانية للصحافيين إن شولتس يسعى لـ«فهم أفضل للأهداف ومبعث القلق الروسي»، لكنه لا يتوقع تحقيق أي نتائج محددة خلال اللقاء. وأضاف المصدر: «من المهم بالنسبة إلينا أن تكون هناك خطوات محددة لوقف التصعيد»، مشيراً إلى أن برلين تثمن عالياً إجراء المفاوضات مع موسكو على مختلف المستويات، وأن «الحوار المباشر سيكون مهماً». وكان لافتاً أن بوتين استهل اللقاء بتأكيد استعداده للحوار حول «رزمة الملفات المطروحة»، لكنه توقف بشكل خاص عند ملف إمدادات الطاقة وقال إن «قطاع الطاقة يعد أحد الاتجاهات ذات الأولوية للتعاون بين روسيا وألمانيا». وشدّد بوتين على أن روسيا تعتبر مورّداً موثوقاً لموارد الطاقة إلى أوروبا، ولا يوجد أي خلل أو توقف في هذا المجال، والعمل هناك يتم وفقاً لمبادئ السوق. وأشار إلى الديناميكيات الإيجابية للتجارة بين الدولتين.
وأضاف الرئيس الروسي: «عملنا في الفترة الأخيرة عن كثب في تنويع علاقاتنا، وهي تتطور فعلاً في اتجاهات مختلفة، ولكن بشكل تقليدي أصبحت الطاقة أحد المجالات ذات الأولوية». وشكّلت المحادثات مع شولتس التي استمرت لساعات في الكرملين، بالإضافة إلى جولة محادثات متزامنة أجراها لافروف مع نظيره البولندي زبيغنيو راو، الذي ترأس بلاده حالياً منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، إشارتين مهمتين إلى عزم روسيا وبلدان الاتحاد الأوروبي مواصلة الحوار برغم تفاقم التوتر والملفات الخلافية. وقال لافروف، مستهلاً اللقاء، إنه يأمل في إيجاد نقاط تلاقٍ وأرضية مشتركة لحلّ المشكلات القائمة في المنظمة. وأضاف أنه «في السنوات الماضية، تراكمت كمية كبيرة من المشكلات التي قوّضت الأسس الرئيسية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والأهداف التي وضعها رؤساء الدول المؤسسة لهذه المنظمة، خاصة لتكون منظمة للتعاون والحوار والتسوية والحلول الوسط».
مضيفاً أن «هناك بذرة عقلانية في الأفكار التي قمتم بتقديمها عند تولي هذا المنصب، وفي الاعتبارات التي قدّمتها روسيا مع بعض شركائها إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في السنوات الأخيرة، وآمل أن نتمكن اليوم من العثور على نقاط التقاء لمساعدة الزملاء البولنديين في تحقيق نتائج إيجابية في منصب رئاسة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا». وقال لافروف إن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الآن هو الفهم المشترك للبنية الأمنية.
وفي مؤتمر صحافي، عقب المباحثات، شدّد الوزير الروسي على أن بلاده «تنطلق من حقيقة أن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا يتمثل في تحقيق فهم مشترك للمبدأ الأساسي للهيكل الأمني الأوروبي كله بعدم قابلية هذا الأمن للتجزئة، وهو مبدأ الأمن المتكافئ وغير القابل للتجزئة». ولفت لافروف إلى أن هذا المبدأ يتطلب «تجنب أي أعمال من شأنها تعزيز أمن أي طرف على حساب أمن أي دولة أخرى».

- موسكو تتهم وارسو بأنها تشكل «رأس الحربة» في تحركات الناتو
وبرغم اللغة الدبلوماسية للافروف، بدا أن الشق الثاني من المحادثات مع راو، المتعلق بالملفات الثنائية، كان أكثر تعقيداً من الحديث عن الأزمة الأوكرانية؛ خصوصاً أن موسكو تتهم وارسو بأنها تشكل «رأس الحربة» في تحركات الناتو المعادية لروسيا. واستبقت وزارة الخارجية الروسية زيارة راو بإصدار بيان تضمن إشارة إلى أن «إقامة علاقات بناءة مع بولندا أمر مستحيل في ظل ظروف تصعيد وارسو للعداء ضد روسيا».
من جانبها، شددت الخارجية البولندية على أن راو يزور موسكو في المقام الأول بصفته رئيس منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ومع التوقعات الحذرة من الحوارات الجارية، سارت موسكو خطوة لتخفيف القلق الغربي أمس، عبر إعلان سحب جزء من القوات الروسية التي أجرت تدريبات أخيراً على مقربة من الحدود الأوكرانية. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن القوات مع اكتمال أنشطة التدريب القتالي «ستعود كما هو الأمر دائماً إلى نقاط التمركز الدائم». وبثّت الوزارة مقاطع فيديو تظهر تحميل جنود ومعدات على عربات القطارات والسيارات للتحرك باتجاه ثكناتها. وأثارت الخطوة ارتياحاً غربياً برغم عدم إعلان موسكو عن حجم القوات التي تم سحبها. وقال ميخائيل بودولاك مستشار رئيس مكتب رئيس أوكرانيا إن كييف تنظر بشكل إيجابي إلى المعلومات عن بدء عودة القوات المدرعة الروسية إلى مواقع تمركزها الأساسية. واعتبرت كييف عودة القوات الروسية إلى مواقعها «انسحاباً» من حدودها. وقال بودولاك: «مما لا شك فيه أن الأنباء عن بدء انسحاب الوحدات الروسية من حدود أوكرانيا، تعتبر إشارة صحيحة».
بدوره، قال وزير الخارجية الأوكراني ديميتري كوليبا، إن كييف ستصدق بتهدئة الموقف عندما ترى انسحاباً كاملاً للقوات الروسية.
لكن هذه الإشارة الإيجابية، ترافقت مع إشارات أخرى بدت غامضة، إذ قال لافروف خلال لقائه نظيره البولندي إن موسكو «ستواصل القيام بأعمال ترى أنها موجهة لضمان أمنها»، في حين أعلن قسطنطين جافريلوف، رئيس الوفد الروسي في المحادثات في فيينا حول الأمن العسكري والسيطرة على التسلح، أن روسيا لن تشارك في مشاورات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي دعت إليها أوكرانيا. ومع تأكيده مجدداً على عدم نية موسكو إطلاق عمل عسكري ضد البلد الجار، أكد الدبلوماسي الروسي أن موسكو ليست معنية بحضور اجتماع دعت إليه كييف لفحص الأنشطة العسكرية الروسية. وأوضح: «أرسلنا رداً إلى الوفد الأوكراني والرئاسة البولندية بأننا لن نشارك في المشاورات بناء على طلبهم. روسيا لا تقوم بأي أنشطة عسكرية غير عادية».

- الدوما يصوّت للاعتراف باستقلال لوغانسك ودونيتسك
في الأثناء، حمل تصويت مجلس الدوما الروسي لصالح مشروع مقترح للرئاسة للاعتراف باستقلال إقليمي لوغانسك ودونيتسك، إشارة تحذيرية جديدة من السيناريوهات التي قد تقدم عليها موسكو في حال فشلت المفاوضات مع الغرب. وصوّتت غالبية مطلقة من النواب على القرار الذي قدمه الحزب الشيوعي ونصّ على تقديم توصية لبوتين لإعلان اعتراف باستقلال «الجمهوريتين»، وبرر أهمية الخطوة بأنها «تضع أسساً لضمان الأمن وحماية سكان الجمهوريتين ضد التهديدات الخارجية، وكذلك تعزيز السلام الدولي والاستقرار الإقليمي، وفق أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وسيضع بداية للاعتراف الدولي لكلا البلدين».
ورغم أن الخطوة لا قوة قانونية لها، لأن قرار الاعتراف يصدر عن الخارجية الروسية بإيعاز من الرئيس، لكنها كما قال خبراء؛ توفر لبوتين غطاء شعبياً وبرلمانياً من خلال تحول القضية إلى «مطلب شعبي» يمكن استخدامه في حال وقع تصعيد عسكري من جانب القوات الأوكرانية ضد مناطق الشرق. وكانت موسكو حذّرت في وقت سابق من أن أي عدوان على مواطنين روس سوف يقابل بردّ فعل قوي وحازم، ولهذا التحذير أهمية خاصة، على خلفية منح الجنسية الروسية لأكثر من 600 ألف أوكراني في المنطقتين الانفصاليتين. وفي أول ردّ فعل أوكراني، قال وزير الخارجية ديميتري كوليبا إن كييف ستنظر في الاعتراف باستقلال الإقليمين على أنه انسحاب لروسيا من اتفاقيات مينسك.
في المقابل، قال الناطق الرئاسي إن روسيا أعلنت أكثر من مرة تمسكها باتفاقيات مينسك الهادفة إلى تسوية النزاع، وأكد أنه «لا توجد أي مناقشات رسمية (حول موضوع الاعتراف)، ومن المعلوم أن نوابنا الذين انتخبهم الشعب يعكسون آراء الناس وآراء شعبنا، لذا فإنهم يناقشون الأمور التي تشغل عقول الناس، ونحن نتفهم ذلك، ولا يمكن التعامل مع هذه الحقيقة إلا على هذا النحو».



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.