ذكريات: جولة مع الجابري بسيارتي في شوارع الرياض

كان ثمرتها خوض تجربته الفكرية في دراسة القرآن الكريم بأجزائها الأربعة

محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ذكريات: جولة مع الجابري بسيارتي في شوارع الرياض

محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

ما زلت أتذكر ذلك المساء في جنادرية 1987 حين علمت لتوي عن وجود المفكر المغربي د. محمد عابد الجابري في فندق قصر الرياض، فطفقت أبحث عنه، وسط عدد من أبرز مفكري العرب وأدبائهم وشعرائهم، وهم يتناولون طعام العشاء في مطعم الفندق.
توقعته ذا وجه (متفلسف) متجهم! كما بدا - بعد ذلك - المتفلسف المصري د. عبد الرحمن بدوي، وأنا أحاوره في فندق جورج سانك بباريس في صيف 1993.
حين وقفت أمام الجابري وهو وحده يتعشى، حييته معرفاً باسمي، فحياني بأحسن تحية، طالباً بدماثة خلقه ورقة طبعه أن نلتقي، بعد أن ينتهي من تناول طعامه. كان كتابه «تكوين العقل العربي» الصادر سنة 1984 قد ترك في نفوسنا وقعاً ساحراً، بغزارة معلوماته، وبيان لغته الآسرة، ومنهجه التحليلي الجديد، الذي استبان بعد ذلك بمعالجته «الأبستمولوجية» في كتابه «بنية العقل العربي» الصادر سنة 1986 مما جعله نجم مسامرات النقاش المختلفة في أماسي بيوت الأصدقاء في الرياض.
في العام الذي تلا لقاءاتنا المتعددة هذه، أدرت ندوة شارك فيها الدكاترة الأعلام، شوقي ضيف وحسن ظاظا (مصر) وعبد الله الطيب (السودان) وعبد الرحمن الطيب الأنصاري (السعودية)... أما الندوة الإشكالية المتلاطمة! فكانت بعنوان «هل العقل العربي في أزمة؟» التي استفزت مشاركة د. محمد عابد الجابري، المد الصحوي الطاغي - وقتذاك - رغم مشاركة الأكاديمي السوداني الإخواني د. جعفر شيخ إدريس أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إلى جانب د. حمد المرزوقي أستاذ علم النفس بجامعة أم القرى، وكان مدعواً إليها المفكر المصري د. فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أبدى لي موافقته للمشاركة في الندوة، إلا أن أحداً أعاق طريقه إلى الرياض!
وقد بلغ من استثارة وجود الجابري على المنصة، أن حاول أحد أساتذة الإعلام «الإسلامي» بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من السعوديين، اختراق «بروتوكول» الندوة بانتزاع «ميكروفون» المداخلة قسراً! قبل فتح باب النقاش أمام جمهور القاعة، لتنتهي الندوة بتهديدي إذا ما استمرت فعاليتها، والاعتداء بالضرب على أحد أستاذة علم السياسة بجامعة الملك سعود! رغم التزامه الصمت طوال وقت الندوة. كان الجابري بتفكيكه سلطة النص المحافظ، ونقده هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، سبباً في إخضاع التراث العربي الإسلامي إلى جهازه المفاهيمي، وهو يدعو للتحرر العقلي بـ«تدوين (خطاب) عربي جديد» في التداول الفكري (يجب) التدوين القديم بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجريين، متوسلاً في ذلك مناهج المفكرين الفرنسيين... لالاند العقلاني المجدد بمعجمه الفلسفي الموسوعي، والتوسير الذي درس القطيعة المعرفية بين ديالكتيك هيغل ومادية ماركس التاريخية، وهو ما انعكس لدى د. طيب تيزيني أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» الصادر سنة 1971 وما تبعه من أجزاء عديدة، ثم عمق أطروحته حسين مروة في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978 برؤية تحليلية تكاد لا تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وكان قد سبقهما د. زكي نجيب محمود أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة بكتابيه «تجديد الفكر العربي» و«المعقول واللامعقول في تراثنا العربي» متأثراً بالفلسفة الوضعية أثناء دراسته البريطانية، وهو يبحث عن الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي، رغم أنه قدم قبل ذلك دراسة لافتة عن «جابر بن حيان» سنة 1961م.
غير أن الجابري سجل مرافعته ضد جملة هذه المشروعات في كتابه «نحن والتراث» سنة 1980 وقد أصدر د. صادق جلال العظم أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق سنة 1969 كتابه «نقد الفكر الديني» على وقع هزيمة 67 المدوية، التي بعثت سؤال الهوية لدى المفكرين العرب، فلم ير الجابري في جملة مشروعاتهم سوى قراءات سلفية، استوى فيها اليميني والليبرالي والماركسي حيث لم تنتج إلا آيديولوجيا من هنا تكمن «لا تاريخيتها» وهي تستعيد سؤال شكيب أرسلان (المُتَردِّم) دون إجابة منذ سنة 1938 في كتابه «لماذا تقدم الغرب وتخلف غيرهم؟».
كان جواب الجابري في الربع الأخير من القرن العشرين، هو نقد الإنتاج النظري، فهو وحده ما سوف يحقق على (يديه) القراءة العلمية الواعية بـ«أحداث» القطيعة الأبستمولوجية التامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط، وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث، حيث ما يزال التراث يعشعش بعناكبه في عقول مجتمعاته، كما كان الظلام الكنسي يعشعش بعناكبه في عقول المجتمعات الأوروبية، فانبرى إيمانويل كانت يكتسحه بمشروعه العقلاني التنويري!
كان الجابري قد مهد لكتابه في «نقد العقل العربي» بكتابه «الخطاب العربي المعاصر» سنة 1983 وفق القطيعة المعرفية لدى باشلار، التي أثراها محمد وقيدي أستاذ الفلسفة بجامعة الملك محمد الخامس في دراسته اللافتة عن «فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار» سنة 1980 متجاوزاً فلسفة العلوم إلى خطاب أبستمولوجي، معارضاً الفلسفات التقليدية (بدأ الجابري تجربته التأليفية وهو أستاذ جامعي بكتابه «مدخل إلى فلسفة العلوم» بجزئيه سنة 1976 مستفيداً في تحليل النظام المعرفي في مشروعه بما ورد في كتابه «الكلمات والأشياء» لميشيل فوكو في تحليل الأنظمة المعرفية، كاشفاً عن (اللا مفكر فيه) من (لا وعي) فرويد في تحليله النفسي ماسكاً بمفاتيح مشروعه في تحليل العقل العربي في «البيان والعرفان والبرهان» من أحمد أمين في دراسة التاريخ الثقافي العربي الإسلامي، التي بدأها سنة 1938 في «فجر الإسلام» ثم «ضحى الإسلام» فـ«ظهر الإسلام» لتنتهي بـ«يوم الإسلام» دون أن يذكر الجابري في هذا كله إحالاته المرجعية!!! وهو ما تطارحته وإياه في مقابلتي التلفازية السجالية معه في برنامجي «ستون دقيقة» في أحد أيام شهر فبراير (شباط) 2009 وسبقْتُ ذلك بمقال في جريدة الرياض سنة 1995 حثثت فيه جورج طرابيشي على مواصلة نقده لمشروع الجابري، وقد تحول إعجاب الأول بفكر الثاني الذي (يثير ويغير) إلى نقد متواصل، تقول هنرييت عبودي زوجة طرابيشي في كتابها عنه الصادر سنة 2020 إن زوجها حينما (غادر بيروت سنة 1984 أخذ معه كتاب «نقد العقل العربي» وقد واظب على قراءته طوال الرحلة بالطائرة قائلاً: إنه عمل عظيم رائع وهائل وحينما علم بمقدم الجابري إلى باريس دعاه إلى العشاء ولكن هذا الإعجاب لم يدم طويلاً، إذ بدأ جورج يكتشف أخطاء وتفسيرات مغلوطة في كتابه) فانتهى بالرد على الجابري بكتابه ذي الأربعة أجزاء في «نقد نقد العقل العربي».
حينما تطارحت والجابري إشكالات طرابيشي على مشروعه، وجدته يغمغم ولا يبين، متسائلاً: «لماذا تحول الإعجاب المفرط إلى النقد المتواصل؟» فكان جوابه في مقابلتي التلفازية: (عقدت ندوة في دمشق حول كتابي «نقد العقل العربي» بإطراء الحاضرين بما فيهم طرابيشي، وحين أعلنت أنني أؤلف كتاب «بنية العقل العربي» أراد طرابيشي أن يستبق بحسن نية ولا أظن شيئاً غير هذا متنبئاً - أي طرابيشي - بما سأقوله في الكتاب القادم بناءً على ما ورد في كتاب «تكوين العقل العربي» فقلت له: كيف تسمح لنفسك أن تتوقع ما سأقوله فيه فأنت - يقصد طرابيشي - ما فهمت هذا ولا فهمت ذاك... انفعلت ولم أقصد شيئاً آخر فهذه من طبيعتي وأكثر الطلبة يعرفون في هذا أثناء مناقشتي أطروحات الدكتوراه عندما أكون في لجنة المناقشة عادة ما أنفعل وربما يعلو صوتي لا أقصد بهذا أحداً لكن هي هكذا طبيعتي)!!!
كان جواب الجابري مهلهلاً، ويفتقر إلى المنطق، بل إنه بهذا كان يناقض ما دعا إليه في أحد كتبه المبكرة، بضرورة اختراق اللغة والمنطق بـ«الحدس»، فهو وحده الذي يجعل الذات القارئة (جورج طرابيشي) تعانق الذات المقروءة (الجابري) إذ تعيش في إشكالاتها باستشراف ما ستقول.
يقول طرابيشي في كتابه «مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة» سنة 1993:
(ما الذي يسكت عنه نص الجابري المطول في عصر التدوين، إنه مرة أخرى يسكت عن المصدر الذي أخذ منه الفكرة والتسمية - يقصد أخذ الجابري مفاتيح كتابه «بنية العقل العربي» في تحليل الأنظمة المعرفية وتسميتها «البيان والعرفان والبرهان» من موسوعة أحمد أمين مؤكداً - طرابيشي - أنه لا يجوز أن يعاد تجليد المجلد أو يعاد نسخه مرتين، لا سيما والدراسات المتراكمة خلال النصف الثاني من القرن العشرين قد أبطلت أسطورة عصر التدوين من أساسها).
استلهم الجابري فكرة «الكتلة التاريخية» من المفكر الإيطالي العضوي غرامشي، ذاكراً ذلك حين دعا في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 1982 من مجلة المستقبل العربي، مقارباً حال الأمة العربية في تمزقها، بما كانت عليه إيطاليا في بداية القرن العشرين من تفاوت بين شمالها وجنوبها، وأن الكتلة التاريخية العربية هي البديل الاستراتيجي لحالة الإقصاء والتهميش، غير أن هدا التهميش هو ما يهمن على فكر الجابري، وهو يختزل التراث العربي في ثلاثيته (البيان ونموذجه الجاحظ، والعرفان ونموذجه جابر بن حيان وابن سينا، والبرهان ونموذجه ابن رشد)، فإذا بثنائية الظاهر والباطن الكامنة في «تهرمس» مذهب جابر بن حيان، حسب مقولة ماسينيون المهتم بالفكر الباطني - والصوفي الحلاجي خاصة - خالطاً بين الشيعة الإمامية والإسماعيلية والمتصوفة بضربة يد واحدة! وقد استقاها منه هنري كوربان في أحد كتبه الأولى «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، فإذا بالعقل المشرقي المتجسد في ابن سينا رائد علم الطب التاريخي عالمياً، هو المسؤول - في نظر الجابري - عن انحطاط العقل العربي! وأن جابر بن حيان رائد علم الكيمياء التاريخي عالمياً، هو - في نظره - من أسس للتصوف ودمر الحضارة العربية ببذره الغنوصية في تربة العالم العربي!
أنا هنا لا أريد الاستفاضة فيما كتبه علماء أوروبيون، منهم من كان متحاملاً على جابر بن حيان، فهذا هو الكيميائي البريطاني (هولبارد) سنة 1923 يؤكد على استحقاق جابر لقب مؤسس علم الكيمياء، معادلاً أرسطو في علم المنطق، أما ما قاله مؤرخو العلوم عن مكانة ابن سينا وكتابه «القانون في الطب» المتداول في الجامعات العالمية فهو ثابت ومعروف.
لكن لماذا اهتمام الجابري المفاجئ بابن رشد رائد علم الفقه المقارن، ومترجم التراث الأرسطي والأفلاطوني هل هو إعادة تمركز ذاتي حول مغرب متفوق ببرهانه، على عقل مشرقي بياني وعرفاني؟!
أم هي محاولة تماهي بدور ابن رشد، بحيث يتبدى الجابري في عصرنا العربي ابن رشد آخر؟! رغم أن من اهتم بـ«المتن الرشدي» وتخصص فيه منقباً وباحثاً هو جمال الدين العلوي، الذي جمع شتات النصوص الرشدية من المكتبات الأوروبية.
أحسب أن للمصدر الفرنسي دوماً دور التنبيه لذهن الجابري... هذه المرة بما كتبه مؤرخ الأفكار أرنست رينان عن «ابن رشد والرشدية» سنة 1852 مثبتاً مكانة فيلسوف قرطبة العربي المسلم في الأكاديميات الأوروبية، وقد استوى مؤسساً لعصر التنوير في بداية نهضة مجتمعاتها، مؤثراً على الفلسفة اللاتينية والعبرية (عبر تلميذه موسى بن ميمون) بوصفه الشارخ الأكبر لأرسطو.
هذا.. وتبقى مشكلة عدم ذكر الإحالات إلى مصادرها، في مشروع الجابري قائمة عند كثير من زملائه وباحثيه، ومنهم د. فهمي جدعان أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي في الجامعة الأردنية، وقد كتبت مقالاً بعنوان «هل سرق الجابري فهمي جدعان» هو ما حثثت فيه جورج طرابيشي على استكمال كتاباته النقدية في أعمال الجابري، وكان قد ضمّن نتائج بحث جدعان عن «المحنة» في مسألة خلق القرآن عند المعتزلة، التي عارضها الإمام أحمد بن حنبل في كاتبه «مثقفون في الحضارة العربية»، دون ذكر الإحالة! فقد أجابني حين سألته بنفس الغمغمة! «إن المسألة انتهت وأن علاقتنا الشخصية والعائلية» أصبحت على ما يرام!!! وهو نفس ما استمعته من د. عبد الله العروي أستاذ الفلسفة بجامعة الملك محمد الخامس حين قابلته تلفزيونياً في فيلته بالدار البيضاء صيف 1993. متهماً الجابري الأخذ من عدته المنهجية في التحليل، مستنداً إلى كتابيه المبكرين «العرب والفكر التاريخي» و«الآيديولوجيا العربية المعاصرة» الصادرين في منتصف السبعينات.. أن هذا الخلل المنهجي الفاضح، هو ما أكد عليه كذلك د. عبد الإله بلقزيز في كتيب صدر له مؤخراً من مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان «محمد عابد الجابري ونقد العقل العربي» مؤاخذاً الجابري على أخذه الحر المتصرف في الدلالات الأصلية للمفاهيم (المستعارة) من مفكرين غربيين، والإحجام عن التصريح بمصادره.
بعد غزو صدام حسين دولة الكويت 1990 ما كان أحد يتوقع، أن يقف ناقد العقل العربي، في صف الشعبوية السياسية، التي ركب موجتها - إذ ذاك - كثير من اليساريين والإسلاميين، ومن بينهم محمد عابد الجابري، الذي ربط مناصرته المعارضة الكويتية في استرجاع وطنها المسروق، بوقوفها موقف صدام حسين ضد القيادة الكويتية! وهي في المنفى تعمل على استعادة الكويت.
عبر هذه المغالطة المنطقية، طفق المفكر القومي ينشر فصول كتابه «نقد العقل العربي» في صفحات جريدة حزبه «الاتحاد الاشتراكي» متمحورة حول ثلاثية جديدة «العقيدة والقبيلة والغنيمة»، منتقداً العقل البدوي! القائم على الاستحواذ، متأثراً بأطروحة المفكر العراقي د. علي الوردي في الدكتوراه حول ابن خلدون التي نالها من جامعة تكساس الأميركية سنة 1950 وقد استقى من مقدمته المركوزة حول صراع البداوة والحضارة، أطروحة الصراع بين الصحراء والنهر، موحياً للجابري بأطروحته عن «فكر ابن خلدون العصبية والدولة» سادّاً قصور الوردي في دراسته عن ابن خلدون.
أتذكر أن الجابري راسلني والكويت محتلة، بأن أعمل على نشر فصول كتابه «نقد العقل السياسي العربي» (البدوي) في جريدة الرياض! متزامناً مع نشرها في جريدة «الاتحاد الاشتراكي» بوصفه منظر حزب الجريدة السياسي.
بعدها تأبى علي إجراء حوار تلفازي معه في برنامجي «هذا هو» بقناة MBC أثناء زيارتي المغرب في صيف 1993 إلا أنه لم يتحرر من عرفه «البدوي» وهو المولود في فجيج، بالإصرار على تلبية دعوته لتناول طعام الغداء، مرفوقاً بزوجتي وبنتي وابناي، في فيلته بالحي الفرنسي في الدار البيضاء، امتناناً منه لاستضافتي إياه في بيتي بالرياض.
ولم يفتأ متواصلاً مع المملكة، التي فتحت له صحيفتها «الشرق الأوسط» ومجلتها «المجلة» باباً واسعاً نشر فيهما الكثير من مقالاته بعد انتهاء حرب الخليج الثانية.
بل أن مركز البحوث الإسلامية التابع لمؤسسة الملك فيصل الخيرية، دعاه لإلقاء محاضرة عن العولمة، وقد لبيت الدعوة لحضورها، لا للاستماع للمحاضرة فحسب، وإنما لتجديد أواصر صداقة تقادم عهدها بعدما قارب الجابري على الانتهاء أشار بيده علي بالبقاء دون مغادرة القاعة، فأخذته في جولة إلى شوارع الرياض، متحاوراً معه حول قضايا الساعة، فتحدث معي حول المستجدات في مجتمعه السياسي المغربي، وكذلك عن الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وكانت في أوجها، وقد بدا النظام الإقليمي العربي متعثر الخطوات، إثر تداعيات حرب الخليج الثانية، مثقلاً باستحقاقات مجتمعاته المستفيقة على وقع العولمة المدوي.
كان الجابري قد انتهى من رباعيته في نقد العقل العربي، أدعه يكمل الحديث كما جاء في مقدمة كتابه «مدخل إلى فهم القرآن الكريم» صفحة 14 الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2006 من مركز دراسات الوحدة العربية:
(انتهيت من العقل الأخلاقي العربي 2001 وأنا في شبه نشوة مثل تلك التي تنتاب المتجول في غابة عند بلوغه مخرجاً من مخارجها! غير أني أخذت أفرك عيني على ضوء الفضاء - الفراغ المحيط بالقاعة إذا ببعض الأصدقاء يمطرونني بأسئلة من نوع وماذا بعد؟ بعضهم أجاب بنفسه فاقترح كتاباً في «الجمال في الفكر العربي» باعتبار اتصال الموضوع بالأخلاق، فكلاهما بحث في القيم وبعضهم اقترح كتاباً في «الفكر العلمي عند العرب» بعد أن تناولت الفكر النحوي والفقهي والبلاغي والسياسي والأخلاقي في الأجزاء السابقة.
وفي نفس الفترة التي اقترحت علي هذه الموضوعات أو قبلها بقليل، اقترح علي صديق من السعودية، ونحن على سيارته متجهين إلى عزيمة عشاء في منزل صديق مشترك بالرياض فاقترح قائلاً: «لماذا لا يكون الكتاب القادم عن القرآن».
كان هذا ثمرة حوار جولتي مع أستاذنا الجابري بسيارتي في شوارع الرياض مساء يوم الثلاثاء 24 أكتوبر 2000 وقد أفصح عما ذكره مرة في مقابلتي التلفازية معه، وأخرى في محاضرته المسائية بمعرض الرياض الدولي للكتاب في أحد أماسي فبراير 2009 بأنني من كان وراء خوض تجربته الفكرية، بل قل الروحية في دراسة القرآن الكريم بأجزائه الأربعة، التي استثارت جدلاً واسعاً داخل المغرب وخارجه، يكاد لا يتوقف إلى اليوم حول الإشكالات التي وقع فيها!



ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد
TT

ماهر شفيق فريد... ناقداً

ماهر شفيق فريد
ماهر شفيق فريد

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم، إذ يخطو في عقده التاسع. والأرجح أنها تُحصى بالمئات لا العشرات. فماهر شفيق هو آلة مبرمجة لأداء عملين هما القراءة والكتابة. وإن كنا نميل لاعتبار وصف الإنسان بالآلة نوعاً من التحقير، فليس أبعد من هذا عن قصدي. إنما أستعير من أوصاف الآلة النظام الصارم، ودقة العمل على مدار الساعة بغير كلل، وغزارة الإنتاج. ومن الصفات الآلية في كتابة ماهر شفيق الالتزام بتركيب أو بناء بعينه لمقالاته مهما اختلفت الموضوعات. قرأت، في الآونة الأخيرة، ما لا يقل عن مائة من مقالاته المنشورة عبر عدة عقود زمنية، ما يسمح لي بأن أستخلص بعض القواسم العامة منهجياً وفكرياً لديه في كتابة المقالة النقدية.

أول ما يعنّ لي من ملاحظات هو اتساع مجالات الاهتمام من عصر الإغريق والرومان إلى عصرنا الحديث وما بينهما. وعلى الرغم من تخصص الكاتب في الأدب الإنجليزي، فإن إحاطته بالمشهد الثقافي المصري بكل تفرعاته، منذ بداية عصر نهضتنا الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، مدهشة في شمولها، فهو يُعدُّ بحق نموذجاً للمثقف العام الذي ينهل من تخصصه الأجنبي ليصبّ في المجرى العام لثقافة بلده رافداً إياها في كل اتجاه. كما تنمّ مقالاته عن دراية تاريخية بالتراث الثقافي العربي والإسلامي ينضح بها محتوى كتاباته وأسلوبه ومفرداته جميعاً.

لماهر شفيق في مقالاته منهج متواتر يتمثل في التزامه شبه الدائم بالعودة إلى النماذج الأولى والمقاربات السابقة وأصول الأنواع الأدبية، وهو ضرب من ضروب الالتزام بأداة المقارنة في النقد، تُعينه عليه قراءاته الواسعة وقدرة ذاكرته الجبّارة على الاحتفاظ بما يقرأ واستدعائه حسب المقام. أما عن منهجه النقدي فأحسب أنه بقي عمره ممارساً مخلصاً للقواعد النقدية التي سار عليها ت. س. إليوت من اعتماد التحليل والمقارنة أداتين رئيسيتين للنقد، وما أضافه إلى ذلك أصحاب مدرسة «النقد الجديد» في أميركا وأضرابهم من الإنجليز الذين سيطروا على الفكر النقدي من ثلاثينات القرن الماضي إلى ستيناته. ظل ماهر شفيق في نقده على مسافة آمنة من البنيوية والتفكيكية وما بعد الكولونيالية وسائر الصراعات النقدية التي استشرت بين الأكاديميين في العقود الأخيرة وما زالت.

عنده أيضاً ما يمكن تسميته الولع الببليوغرافي. هو كاتبٌ مُحصٍ، مُعِدٌّ للقوائم، مُثبتٌ للعناوين، مُدرِجٌ لتواريخ النشر. هو حُلم كل كاتب أن تنجو أعمالُه من النسيان، حُلم كل شاعر ألا تضيع قصيدة من قصائده ولو كانت غثّة. لكن ما السر في هذا الولع الببليوغرافي عند الكاتب؟ لا أظنُّه هوساً مَرضياً، ولا أظنُّه وُلد بمورِّثات أرشيفية. الأمر عندي أن ماهر شفيق الناقد لا يحب النظر إلى كاتب أو قاصّ أو شاعر إلا باعتباره كلاً واحداً، باعتباره مجموعَ إنتاجه، وليس عدة أعمال متفرقة في مراحل حياته وكأنها صادرة عن أشخاص مختلفين، وأنه لا ينظر إلى ما كُتب عن أديب بعينه من نقد باعتباره متفرقات بلا رابط من فريق لا يجمع بين أفراده جامع، ولكن باعتباره محاولات متعددة لفهم كاتبٍ بعينه أو عمل بعينه، يسهم كل منها بشيء في محاولة الفهم. فالنقد جهد تعاضدي تراكمي.

ماهر شفيق أستاذ الإنجليزية يكتب ويترجم في لغة عربية جزلة أنيقة واضحة، لا يكتب بتقعر أكاديمي ولا ينزلق إلى وهاد المصطلحات الكهنوتية التي تفتن بعض الأكاديميين بينما تعزلهم عن المثقف العام، لكنه لا يتدنى إلى لغة الصحافة السيّارة. وهو يكتب النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب، ما يُذكِّر بجيل الرواد، أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ولويس عوض ومحمد مندور وحسين فوزي وغيرهم.

ومن خصائص المقالة النقدية عنده أن يختمها بتعداد أخطاء النحو والأسلوب لدى الكاتب موضوعِ النقد. قد يكون أنفق جُلَّ المقالة يعدِّد مناقبه الفكرية والأدبية وغزارة علمه وطلاوة أسلوبه وما أسَّس من مجلات عظيمة أو حبَّر من كُتب ستبقى على مر الزمن وأفضاله على الجيل وعلى هذا النوع الأدبي أو ذاك، لكن شيئاً من هذا لن ينفعه حين تحين ساعة الحساب النحوي أو التدقيق الإملائي أو الأسلوبي في آخِر المقالة.

مِن مجموع المقالات يمكنك أن تستخلص أن ماهر شفيق يمكن ضمه إلى قائمة الكُتاب المصريين الحائزين لقب «عدو المرأة»، يقفز إلى الذهن اسما عباس العقاد وتوفيق الحكيم، ولكن في حالة ماهر شفيق الأمر ليس بهذا الوضوح، فليس في المقالات المائة التي أعتمد عليها هنا مقالة واحدة مكرَّسة للهجوم على المرأة أو بخْس حقوقها، لكننا نجد إشارات وتلميحات وعبارات تُلقى جزافاً في كثير من النصوص تشي بنزعة ذكورية بطركية متعالية على النساء. انظر مثلاً كيف أنه في مقالة له عن الناقد والأكاديمي «عز الدين إسماعيل» يصف أسلوبه النقدي بأنه يتسم «بنبرة رجولية حازمة»، وهو تعبير ينم على نزعة ذكورية مستهجِنة نحو المرأة. فالحزم صفة بشرية عامة تُنسب للرجال كما تُنسب للنساء. وفي مقالة بعنوان «ثلاثة دواوين وشاعر» يُعرّض بشعراء قصيدة النثر تعريضاً عاماً، لكنه يضيف تعميماً بلا أسماء يخص فيه الإناث منهم بكونهم «أبعد ضلالاً، وأقتل لدغةً، من الذكور». وقِسْ على هذا كثيراً في ثنايا مقالاته وبعض كتبه، لكنك أيضاً ستجد مدحاً لهذه الكاتبة أو تلك، لهذه الأكاديمية أو تلك، لأستاذةٍ له من الماضي أو أخرى، ما يقطع بأن مظلته الذكورية تقبل أن تتفيأ تحتها بعض النسوة الفرادى، مُستثنَياتٍ من الاستهجان العام.

على امتداد حياته في أروقة الجامعة وفي الساحة الثقافية العامة، كان ماهر شفيق - ولا يزال - قوة إيجابية معطاءة، حمل الشعلة غير هيّابٍ من أجيال التنوير السابقة على مدى القرنين السابقين، ومثلما كانوا لا تجده محصوراً في تخصصه الأكاديمي، فهو في كل مكان، في كل عصر، في كل ثقافة، في كل لغة، يقيم الصلات ويربط الوشائج. إنه من بقايا جيل المثقفين المتلاشي الذي كان يؤمن بوحدة الثقافة الإنسانية، والذي اصطلحنا على تسميته المثقف الموسوعي، وهو ما يجعله عملةً نادرة في عصر التخصصات الدقيقة والتفتت المعرفي، تجده حريصاً على التراث قدر حرصه على التجديد، منفتحاً على الثقافة الغربية قدر حرصه على الخصوصية المصرية والعربية وقدرتها على تمثل الملقِّحات الغربية. لكن هل فينا جميعاً بذرةٌ من المحافظة والرجعية تنمو داخلنا كلما تقدَّم بنا العمر؟ ألم نشهد كثيراً من مجدِّدي الشباب يصبحون محافظي الشيخوخة؟ ألم نرَ العقاد الثائر على الإحيائيين في شبابه يرفض شعر التفعيلة في شيخوخته ويُحيل شعر صلاح عبد الصبور إلى لجنة النثر في المجلس الأعلى للآداب والفنون للاختصاص؟

انظر إلى ماهر شفيق مثلاً في مقالة له عن القصاص «إبراهيم المصري (1900-1979) رائد القصة التحليلية»، حيث يصف أسلوبه بأنه «جزل اللفظ، مستحكم القوة. إن في نثره العضلي فحولة وقوة يفتقدها المرء في قصاصي عصرنا، مثلما يفتقد في شعر حلمي سالم ومحمد آدم وعبد المنعم رمضان - أكبر ثلاثة شعراء في جيلنا - فحولة البارودي وشوقي وحافظ والجارم». تأملْ وصف الأسلوب «بالفحولة» و«العضلية»، ما يُذكِّر بوصفه أعلاه لنقد عز الدين إسماعيل «بالرجولة الحازمة». تأملْ أيضاً تعريضه مروراً بشعراء الجيل الحاضر؛ لأن لغتهم تفتقد «فحولة» جيل الإحيائيين. أحقّاً يريد لحلمي سالم وجيله أن يكتب بلغة البارودي وشوقي وحافظ الذين كانوا يكتبون بلغة شعراء العصر العباسي؟في الختام، قد نتساءل: تُرى أين يقف ماهر شفيق فريد آيديولوجياً؟ أظنُّه سؤالاً مشروعاً، فلكل إنسان، ناهيك بأن يكون كاتباً، موقف آيديولوجي معلَنٌ أو مُضمَّن. لم أجد في المقالات المائة موقفاً آيديولوجياً معلَناً. على أن ناقدنا لم يتردد، على الأقل، في إعلان صريح عما هو ليس آيديولوجيته، إذ كتب، في مفتتح مقالة له بعنوان «لطيفة الزيات والنقد الإنجليزي الحديث»: «فلأقلْ، بادئ ذي بدء (...) إني فكرياً أختلف مع منظور الالتزام اليساري الذي تُمثله كتابات لطيفة الزيات، كما تُمثله (...) كتابات سلامة موسى، ومحمد مندور، ولويس عوض، وعلي الراعي، ومحمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، وعبد المنعم تليمة، وسيد البحراوي، وأمينة رشيد، وإدوار الخراط، وغالي شكري، وصبري حافظ، وفريدة النقاش، وأمير إسكندر، ورضوى عاشور، وبشير السباعي، وفاروق عبد القادر، وألفريد فرج، ورمسيس يونان... إلخ إلخ». يا لها من قائمة! مَن مِن مفكري مصر ومبدعيها ونقادها وأكاديمييها لم تشمله هذه القائمة؟ وإن كان ماهر شفيق يقف بمنأى عن كل هؤلاء، فأين يقف؟ لا أملك إلا أن أسأله: فأين إذًا تلتزم فكرياً؟ لا أراك يمينياً. كتاباتك تنضح بحب الناس وحب الحرية الفكرية وبالروح الليبرالية (ما عدا فيما يتعلق بالنساء). وأظنُّك لا تجد بأساً في العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتضامن الاجتماعي والفصل بين الدين والدولة. وفي ظنِّي أن مَن اجتمعت له هذه المبادئ لن يكون إلا يسارياً، وإن كره التسمية. هناك فارق بين الروح اليسارية، وبين الإيمان اليساري الكتابي أو الفقهي الذي يعيش ويفكر ويكتب بالشرائع الماركسية والسنن اللينينية وما أشبه. أعدّكَ في زمرة الروح اليسارية العامة، لا يسارياً سلفياً. وإن لم ترضَ بهذا فإني لأخشى عليك من صقيع الانعزالية.

يكتب فريد النقد الأدبي كما لو كان يبدع الأدب ما يُذكّر بجيل الرواد أمثال عباس العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل


هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟
TT

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد معروف (رحمه الله)، وكأنها تدقّ جرس تنبيه لي من غفوة علمية غلبت عليَّ العمر كله، لتكشف لي خطل ظني بأن ليس هناك علمٌ ضار.

وهنا أعدتُ النظر في قناعتي، لأرى أمامي عالماً وباحثاً جسوراً ومخلصاً لشرطه العلمي الذي نذر نفسه له وخدم التراث العربي تحقيقاً وبحثاً ودراسة، لكنه وقع في فتنة العلم، وهو ما تكشف عنه تلك المقاطع التي تصادفت كلها بأنها عن قضية واحدة حول مقولات لباحثين عرب ومستشرقين تقول إن عدد الباحثين العجم أكثرُ من العرب في خدمة القرآن واللغة العربية. والمقصود بالعجم هنا هم المستعربون ممن خدم العربية والإسلام. والقول إنهم هم الأكثر لا يثير عندي أي حساسية علمية ولا قومية، وكنت وما زلتُ أباهي بمثل هذا القول، وأراه مزية وليس مثلبة نسعى لنفيها عن سوء ظن منا بأنها تهدم هرم الثقافة العربية.

وكان بشار عواد وعمه ناجي من المتحمسين وباذلي الوقت والجهد لنفي هذه الدعوى.

وقبل الخوض في هذه الفتنة، أود التأكيد على رأيي في أن المعروفين معاً عالمان بارزان وعميقان ومخلصان، لكن تحرّجهما من أعجمية مَن خدموا لغتنا وتراثنا لن تكون إلا فتنة علمية. وأستطيع مقارنة هذه الدعوى بافتراض دعوى بأن اليهود والأفارقة هم من صنعوا أميركا؛ فتشومسكي يهودي، وكيسنجر يهودي، ومارتن لوثر كينج أفريقي، وترمب نفسه ابن مهاجرَين، أحدهما من قرية في اسكوتلندا، وزوجته (أم ترمب) من قرية في ألمانيا، وكذلك فلغة أميركا مستعارة من الإنجليز. وهذه معلومات صحيحة من جهة ومغلوطة من جهة أخرى؛ فالإنجليزية تأمركت، والشخوص المذكورون هنا تأمركوا، ولم يعد العرق ولا الدين ولا اللون ولا اللكنة تُلغِي كونهم أميركيين، وأميركا كلها قامت على المهاجرين الذين لا يمتون لها بعرق ولا لون ولا لغة. ولكن كل منجز يتحقق منهم هو منجز أميركي بالحتمية الثقافية؛ فالثقافة نسب ومعنى وجذر معنوي يصنع ويعلي كل قيمة. وقد كان لنا مثالٌ مجيد من العصر العباسي بكل نماذجه الشعرية واللغوية والفلسفية والفقهية، وكلها تتداخل فيها الأعراق وألوان الوجوه ولهجات الألسنة وتعدد المشارب داخل بنية كلية شاملة. ومنجزاتهم كلها هي منجزات عربية في حقبة عربية مجيدة. ومنهم الفارسي والرومي، ومن الأعراق القديمة من شعوب ما بين النهرين وشمال أفريقيا.

ولابن خلدون مقولات حاسمة هنا، وهي أن العرب أنواعٌ، هم كالتالي:

1 - العرب العاربة

2 - العرب المستعربة

3 - العرب التابعة للعرب

4 - العرب المستعجمة.

وعبر هذا التصنيف، فإن مَن خدم تراثنا وثقافتنا لن يخرج عن واحدة من هذه الفئات. حتى إن مصطلح المستشرقين بات اليوم يُستبعَد، ويحل محله مصطلح المستعرب، وذلك لأن كلمة مستشرق أصبحت موشومة ومرتبطة بالاستعمار، وأحياناً تتلبس بتهمة التجسس.

وأهم من ذلك الحديث الشريف «ليست العربية بأب لأحدٍ منكم أو أمّ، وإنَّما هي اللسان؛ فمن تكلم العربية فهو عربي»، وإن شكك بعض المحدّثين بصحته، فقد أثبته بعض آخر، لكن الجميع يتفقون على مطابقة معناه للقيم الإسلامية الجوهرية، ومن ثم صحته كمعنى وقيمة.

وإن كان العجم هم الأكثر، فهذا أعظم منجَز يتحقق لثقافتنا وديننا ولعقليتنا، وإن حاول بعضنا نفي ذلك، فإنهم يضعون علمهم ومهاراتهم في متاهة عبثية لا معنى لها، وهي خلط مشين لا وجه له، وهذه هي الفتنة الخادعة.

ثم لنفترض أننا طرحنا سؤالاً عن العرب الذين يغطون خريطة الجامعة العربية اليوم، وهل شعوب المنطقة كلها عربٌ بشرط العرق أم هم أجناس عرقية وثقافية متنوعة تجمعها اللغة وهوية المعنى والقيمة؟ ولو كانت العروبة بالعرق للزمنا إثبات عروبتنا بالفحص الجيني.

والواقعي أن كل باحث ومعجمي ومحدث وفقيه وفيلسوف يكتب بلغتنا ويشتغل بفكرنا فهو عربي بالانتماء الثقافي وبالمنتج العلمي. والثقافة سلوك ذهني وعملي يتجلى أبرز ما يتجلى في اللغة التي هي بوتقة صاهرة تذيب كل التمايزات العرقية واللونية والدينية، ولا معنى للسؤال عن العرق هنا.

ولا شك أن للعلم جوانبه السالبة، وقد تحدث فتنة العلم نتيجة لنوع من التخمة العلمية حين يستولي علمنا على أذهاننا، ومن هذا قصة طريفة ودالَّة عن العالم الجليل محمود شاكر، وحدثت القصة عام 1980 في مكتب صلاح عبد الصبور بـ«الهيئة المصرية العامة للكتاب»، وقد صدر وقتها العدد الأول من مجلة «فصول»، وهي مجلة متخصصة بالنظرية النقدية الحداثية، ووقعت المجلة بيد الشيخ محمود شاكر، وحين تصفحها صدمته مصطلحاتها النقدية ونظرياتها التي رآها حالة عجمة وليست حالة علمية، وجاء للمكتب وبيده المجلة، وهزَّها أمام وجه صلاح، وقال بصوته القوي والبليغ: «أنا لم أفهم كلمة واحدة مما نشرتم هنا؛ فهل تتصورون أي قارئ شاب سيفهم عنكم...؟!!»، وكانت المجلة تصدر عن «الهيئة المصرية للكتاب»، وعبد الصبور هو المسؤول عنها، واختار صلاح أن يقدّر عِلْم شاكر ومقامه فقال له: «معاك حق يا مولانا»، وحين خرج الأستاذ شاكر علق عبد الصبور على الحدث بقوله: «هذا رجلٌ أضرَّ به علمه». وقد سمعتُ القصة من صلاح فضل، حيث كان حاضراً حينها، وهو أحد أعضاء هيئة تحرير المجلة، رحم الله الجميع.

وهذه حالة خبرتها عند كثير من سلفنا من الباحثين العرب، والعنت الذي كنت أراه عندهم مع النظريات النقدية الحديثة؛ إذ ضاقت صدورهم بعلمٍ لم يألفوه فاستوحشوا منه.

تلك أمثلة توضح أن ما نكتسبه من علمٍ يتجذر فينا حتى ليستحوذ على أذهاننا ويدير رد فعنا. وكل جديد يأتي بغير ما يتسق مع أنظمتنا الذهنية، فإن هذه الأنظمة ستشكل سياجاً ضد الطارئ المتحدي لقناعاتنا العميقة. وهنا نقول عن فتنة العلم بمثل ما نقول عن فائدة العلم.


الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي
TT

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

الدخول في المتاهة العراقية قبل الفتح العربي ــ الإسلامي

أثارت الكتب الثلاثة التي ألفها المؤرخ البريطاني فيليب وود عن سوريا والعراق في نفسي، ذلك السؤال الذي ظل غائباً عن الذهن طويلاً: ماذا جرى للعراق بعد سقوط بابل على يد الإمبراطور الأخميني، قورش الكبير، عام 539 ق.م. حتى الفتح العربي - الإسلامي عام 637؟

أسأل الأستاذ فيليب: هل هناك صورة واضحة عن التنوع الإثني للعراق خلال تلك الفترة الممتدة لأكثر من ألف سنة، عدا عن كون اللغة التي سادت آنذاك هي الآرامية؟

يجيب: «أنا مهتم جداً بمعرفة الهوية الإثنية أو الدينية في ذلك الوقت، وهذا لأن الحكام الساسانيين أو المسلمين الذين أعقبوهم، لم يكونوا مهتمين بذلك الجانب».

على ضوء ذلك، يرى وود أن الدولة العراقية الحديثة (خصوصاً خلال حكم صدام حسين) كان لديها حرص على اعتبار أن العراقيين كانوا جميعاً عرباً، وهذا مخالف للواقع. «على سبيل المثال، أنت تجد أهل الحلة يتكلمون العربية القريبة للجماعات البدوية، ولكن ذلك لا ينطبق على سائر العراق، فكما تعلم أن العربية العراقية هي نفسها متنوعة داخلياً، فالعربية التي يتكلمها المسيحيون واليهود في بغداد خلال الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقرب إلى العربية السائدة في الموصل منها إلى العربية التي يتكلم بها البغداديون المسلمون... لذلك فإن العراق كما أرى، كان متعدد الإثنيات والديانات بشكل يجعل من الصعب اليوم استكشافه... هناك بعض منها له أصواته، بينما ربما مجموعات دينية محلية كثيرة أصبحت منقرضة، بحيث أصبحت غير سهلة علينا الكتابة عنها».

ولعل الحالة مماثلة، أو أكثر قليلاً، مع اللغة الآرامية السائدة في العراق عشية الفتح العربي - الإسلامي.

تعلم اللغات المحلية

يجرنا الحديث إلى مشوار تعلمه اللغة العربية. أسأله: ما الذي دفعك إلى تعلم لغة معقدة كلغتنا؟ فكأن السؤال أثار ذكريات محببة إلى نفسه قضاها في دمشق.

خلال فترة الزمالة الدراسية التي حصل عليها لما يعرف بـ«ما بعد الدكتوراه»، تبلورت في نفسه قناعة بأنه سيحتاج إلى تعلم العربية جنباً إلى جنب مع السريانية (التي هي واحدة من لهجات اللغة الآرامية)، وإذا كان فيليب قد تعلم قسطاً مهماً من الأخيرة خلال سنوات دراسته للدكتوراه، فإنه شعر وهو يشاهد المصادر الكثيرة المترجمة عن العربية في مكتبة الكلية التي انتسب إليها خلال تلك الفترة الواقعة بين عامي 2010 و2012، بضرورة تعلم هذه اللغة، فقد أدرك أن كثيراً من الدراسات المعنية بالإرث المكتوب بالسريانية، يهمل الدراسات السياسية والثقافية الأوسع. وقد شعر فيليب وود بأن السريانية تكون مفهومة أكثر عند تحاورها مع لغة أخرى: السريانية مع الإغريقية أو السريانية مع العربية.

لذلك لم يكن أمامه خيار سوى العثور على مدرس خاص يبدأ معه أولى الخطوات: «كان بروفسوراً متقدماً كثيراً في السن، وراغباً في تعليمي قواعد العربية من دون قاموس... كان مسرفاً في التدخين، وهو مهتم فقط بالفلسفة لكنه كان لطيفاً جداً معي».

في دمشق سجل فيليب بمعهد يقع في منطقة المزة، خاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها، لكنه كان محظوظاً بعثوره على مدرس فلسطيني. «كان شخصاً عظيماً ومدهشاً ورائعاً»، يردد مبتسماً: «قال إنه لن يعلمني الفصحى فقط؛ بل هو طلب مني أن أبدأ بالكتابة بالعربية، طلب أن أكتب عن أي موضوع أريده، لذلك كتبت شيئاً عن السياسة المعاصرة، أو اكتشاف أميركا أو عن فيلم بريطاني... كانت طريقته أن يصحح لي أسلوبي، ويجعلني أقرأ بصوت عالٍ من كتاب، ثم نبدأ بالجدال حول موضوع ما. كنت أقدم عرضاً ما فيهاجم وجهة نظري ويدفعني كي أدافع عنها... كان يدخن باستمرار... وكان عليّ دائماً أن أزيل الرماد من أوراقي».

في مساء كل خميس، كان مدرس فيليب ينظم حفلات؛ فهو عضو في تنظيم يساري، فيلتقي خلاله برفاقه الشباب. «بعد العمل، كان يطبخ، وكنت أساعده في إعداد العشاء... كان وقتاً ممتعاً جداً... درّسني العربية مدة ستة أشهر في دمشق، وكنت هناك من وقت إلى آخر».

الموسوعي أدّاي شير

أسأل: «هل يمكنك إضاءة ما دار في مدينة سِعِرْت التي ذكرها عدد من المؤرخين المسلمين؛ مثل ياقوت الحموي والمقدسي وابن الأثير، باسم آخر هو (سِعِرْد)؟».

«هي مدينة تقع في شرق أناضوليا، ومكتشف الحولية (التي كانت موضوع كتابي الثاني) رجل اسمه أدّاي شير الذي كان رئيس الأساقفة في سِعِرْت، وهو الذي نقّحها وترجمها للفرنسية، وقد أُرسلت لحسن الحظ إلى الموصل قبل مقتله خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبت عام 1915 على يد جماعات غير نظامية من الأتراك والكرد».

«كان من المفترض أن المكتبة أخفيت في بئر داخل منشفة»، يقول فيليب، «لكن لم يتم العثور عليها... وكان شير قد وضع فهرساً لهذه المخطوطات، قبل تدميرها. وهذا الفهرس يضم ملاحظات عديدة عن تلك النفائس غير القابلة للتعويض».

«كان شير فصيحاً في العربية والفرنسية والسريانية والتركية. لهذا السبب كان ذلك عالمه. لذلك أكملت - مع صديق هو مايل بونر - ترجمة مخطوطة الفهرست والهوامش التي كتبها والتعليق عليها، وستتولى دار النشر (كرومات) إصدارها بالإنجليزية».

كأن هذا الحوار الطويل مع البروفسور فيليب وود أثار في مخيلتي صورة العراق في تلك الحقبة الفارسية - الإغريقية: نخب صغيرة متفرقة في أماكن عديدة، وتيارات دينية متعددة، ولهجات مختلفة للغة نفسها: الآرامية؛ هناك الآرامية المندائية، والآرامية السريانية، والآرامية البابلية التي كان اليهود يتحدثون بها، والآرامية المانوية. من بين الحركات الدينية الكبرى التي ظهرت خلال تلك الحقبة كانت المانوية في القرن الثالث الميلادي، كما يقول وود، وهذا يتوافق مع ما جاء في رواية أمين معلوف «حدائق النور» المكرسة لحياة ماني.

استخدم ماني اللغة الآرامية في تأليف ما عُرف بـ«التراتيل المانوية» التي قال عنها فيليب «إنها آسرة».

علق محاوري على اللهجات المختلفة للآرامية، مستنداً إلى سليمان البصري مطران مدينة البصرة في القرن الثالث عشر، الذي قال إن هناك 12 لهجة آرامية تمتد ما بين سيناء والبصرة، لكن قد تكون اللهجات التي يتحدث بها الناس في الهلال الخصيب أكبر بكثير من هذا الرقم.

وأشار فيليب وود إلى أن «اللغة الآرامية المسيحية لغة مناسبة متطورة، وهي بمثابة الفصحى بالنسبة للناس الذين يتحدثون بلغة أخرى في الحياة اليومية، وهذه العملية حدثت أيضاً للمندائية حين أصبحت اللهجات الآرامية (آرامية مندائية). والشيء نفسه مع الآرامية المانوية، ولغات غيرها كان لها تاريخ باعتبارها لغات محلية، ثم أصبحت تُعرَّف بدين محدَّد، وبذلك أصبحت صيغاً معيارية مرتبطة بجماعات دينية».

مكان تدوين حولية سِعِرْت

أسأل فيليب عن مكان تدوين الوقائع التي تضمنتها هذه الحولية بالذات. «كثير مما حدث وكُتب عنه في الحولية، كان في طيسفون (المدائن)». يجيبني البروفسور وود: «كذلك هناك كثير من النشاطات جرى على نهر دجلة. كثير من الوصف لأديرة تقع في شمال العراق، وأماكن أخرى. وأديرة كثيرة من المذكورة لا يمكننا تحديد مواقعها... طبعاً سيكون أمراً رائعاً لو كانت هناك خريطة جميلة مع أسهم ونقاط صغيرة ودقيقة أستطيع أن أحدد كل شيء بدقة عليها».

العراق الوثني

يحضرني هذا السؤال: كيف كان لقاء الفاتحين العرب الذين أغلبهم من قبائل بدوية أو شبه بدوية، بالعراقيين الذين كانوا بالدرجة الأولى فلاحين؟

«حين فتح العرب المسلمون العراق، كانوا يسخرون ممن أطلقوا عليهم بالنبط الذين هم من دون أصول قبلية مثلهم، والذين لا يستطيعون التفاهم مع أحد خارج قريتهم. كثير من السكان آنذاك كان يتحدث بلهجات مختلفة من اللغة الآرامية، مع مجموعات دينية محلية كل واحدة منها قد لا تكون لديها آصرة مع غيرها، ثم تم جمعهم على يد فاتحين متعددين، مثل الفرس ثم العرب».

يستنتج وود موضحاً: «إذن بمعنى ما نحن نتكلم عن العراقي... هذه تصنيفات استخدمها الحكام، وربما لم تكن مدرَكة من قبل السكان أنفسهم؛ إذ لم تكن هناك هوية مشتركة يقر بها الفاتحون».

مع ذلك، فأمام النظرة الفوقية للفاتحين الجدد القادم أغلبهم من البوادي والصحارى، جاء الرد عبر كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية النبطي، «حيث تكلم فيه عن معتقدات ومعرفة الكلدانيين، ووصف نفسه بأنه كلداني اعتنق الإسلام».

وتضمن كتابه، الذي زعم أنه ترجمه عن السريانية، كثيراً من تراث قديم يعود إلى ما قبل سقوط بابل قبل أكثر من ألف سنة: أي إلى العراق الوثني. غير أن المادة الأساسية فيه، كما كشفت دراسات حديثة عنه، تعود إلى فترة متأخرة تقع بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين، فهي تعكس تقاليد عراقية متأخرة جداً عن العصور السومرية أو الأكدية أو الآشورية البائدة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على جوانب مهمة في ابتكارات سكان وادي الرافدين القدامى بدلاً من سيرة الملوك. إنه يثير أسئلة من هذا النوع: من اكتشف الزراعة؟ ومن غرس أول نخلة؟ ومن علّم الناس الري؟ ومن صنَّف أنواع التربة؟ كأن الروايات التي تضمنها الكتاب، كما يرى البروفسور فيليب وود، تكشف عن اهتمام ابن وحشية النبطي، مؤلف العصر الوسيط في العراق، بأصول المعرفة العراقية القديمة، وتكشف ما يميز هذا الخليط الواسع من الإثنيات والأعراق التي استوطنت وادي الرافدين طويلاً، عن الفاتحين الجدد. وهذا بالضبط ما جعل مترجم الكتاب الفنلندي هامين أنتيلا، أن يعدّه محاولة لإحياء ذاكرة العراق القديم وتراثه الزراعي والحضاري.

لكأن هذا السؤال يفرض نفسه عليّ، بعد هذا الحوار الشيق مع فيليب وود أستاذ التاريخ والأديان المقارِنة: كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟

كم تغير النسيج الاجتماعي المتنوع والمعقد للعراقيين اليوم عما كان عليه في أواخر العصور القديمة؟