ذكريات: جولة مع الجابري بسيارتي في شوارع الرياض

كان ثمرتها خوض تجربته الفكرية في دراسة القرآن الكريم بأجزائها الأربعة

محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ذكريات: جولة مع الجابري بسيارتي في شوارع الرياض

محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
محمد رضا نصر الله والدكتور محمد عابد الجابري في صورة التقطت عام 2009 في العاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

ما زلت أتذكر ذلك المساء في جنادرية 1987 حين علمت لتوي عن وجود المفكر المغربي د. محمد عابد الجابري في فندق قصر الرياض، فطفقت أبحث عنه، وسط عدد من أبرز مفكري العرب وأدبائهم وشعرائهم، وهم يتناولون طعام العشاء في مطعم الفندق.
توقعته ذا وجه (متفلسف) متجهم! كما بدا - بعد ذلك - المتفلسف المصري د. عبد الرحمن بدوي، وأنا أحاوره في فندق جورج سانك بباريس في صيف 1993.
حين وقفت أمام الجابري وهو وحده يتعشى، حييته معرفاً باسمي، فحياني بأحسن تحية، طالباً بدماثة خلقه ورقة طبعه أن نلتقي، بعد أن ينتهي من تناول طعامه. كان كتابه «تكوين العقل العربي» الصادر سنة 1984 قد ترك في نفوسنا وقعاً ساحراً، بغزارة معلوماته، وبيان لغته الآسرة، ومنهجه التحليلي الجديد، الذي استبان بعد ذلك بمعالجته «الأبستمولوجية» في كتابه «بنية العقل العربي» الصادر سنة 1986 مما جعله نجم مسامرات النقاش المختلفة في أماسي بيوت الأصدقاء في الرياض.
في العام الذي تلا لقاءاتنا المتعددة هذه، أدرت ندوة شارك فيها الدكاترة الأعلام، شوقي ضيف وحسن ظاظا (مصر) وعبد الله الطيب (السودان) وعبد الرحمن الطيب الأنصاري (السعودية)... أما الندوة الإشكالية المتلاطمة! فكانت بعنوان «هل العقل العربي في أزمة؟» التي استفزت مشاركة د. محمد عابد الجابري، المد الصحوي الطاغي - وقتذاك - رغم مشاركة الأكاديمي السوداني الإخواني د. جعفر شيخ إدريس أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، إلى جانب د. حمد المرزوقي أستاذ علم النفس بجامعة أم القرى، وكان مدعواً إليها المفكر المصري د. فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أبدى لي موافقته للمشاركة في الندوة، إلا أن أحداً أعاق طريقه إلى الرياض!
وقد بلغ من استثارة وجود الجابري على المنصة، أن حاول أحد أساتذة الإعلام «الإسلامي» بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من السعوديين، اختراق «بروتوكول» الندوة بانتزاع «ميكروفون» المداخلة قسراً! قبل فتح باب النقاش أمام جمهور القاعة، لتنتهي الندوة بتهديدي إذا ما استمرت فعاليتها، والاعتداء بالضرب على أحد أستاذة علم السياسة بجامعة الملك سعود! رغم التزامه الصمت طوال وقت الندوة. كان الجابري بتفكيكه سلطة النص المحافظ، ونقده هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، سبباً في إخضاع التراث العربي الإسلامي إلى جهازه المفاهيمي، وهو يدعو للتحرر العقلي بـ«تدوين (خطاب) عربي جديد» في التداول الفكري (يجب) التدوين القديم بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجريين، متوسلاً في ذلك مناهج المفكرين الفرنسيين... لالاند العقلاني المجدد بمعجمه الفلسفي الموسوعي، والتوسير الذي درس القطيعة المعرفية بين ديالكتيك هيغل ومادية ماركس التاريخية، وهو ما انعكس لدى د. طيب تيزيني أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» الصادر سنة 1971 وما تبعه من أجزاء عديدة، ثم عمق أطروحته حسين مروة في كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978 برؤية تحليلية تكاد لا تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وكان قد سبقهما د. زكي نجيب محمود أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة بكتابيه «تجديد الفكر العربي» و«المعقول واللامعقول في تراثنا العربي» متأثراً بالفلسفة الوضعية أثناء دراسته البريطانية، وهو يبحث عن الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي، رغم أنه قدم قبل ذلك دراسة لافتة عن «جابر بن حيان» سنة 1961م.
غير أن الجابري سجل مرافعته ضد جملة هذه المشروعات في كتابه «نحن والتراث» سنة 1980 وقد أصدر د. صادق جلال العظم أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق سنة 1969 كتابه «نقد الفكر الديني» على وقع هزيمة 67 المدوية، التي بعثت سؤال الهوية لدى المفكرين العرب، فلم ير الجابري في جملة مشروعاتهم سوى قراءات سلفية، استوى فيها اليميني والليبرالي والماركسي حيث لم تنتج إلا آيديولوجيا من هنا تكمن «لا تاريخيتها» وهي تستعيد سؤال شكيب أرسلان (المُتَردِّم) دون إجابة منذ سنة 1938 في كتابه «لماذا تقدم الغرب وتخلف غيرهم؟».
كان جواب الجابري في الربع الأخير من القرن العشرين، هو نقد الإنتاج النظري، فهو وحده ما سوف يحقق على (يديه) القراءة العلمية الواعية بـ«أحداث» القطيعة الأبستمولوجية التامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط، وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث، حيث ما يزال التراث يعشعش بعناكبه في عقول مجتمعاته، كما كان الظلام الكنسي يعشعش بعناكبه في عقول المجتمعات الأوروبية، فانبرى إيمانويل كانت يكتسحه بمشروعه العقلاني التنويري!
كان الجابري قد مهد لكتابه في «نقد العقل العربي» بكتابه «الخطاب العربي المعاصر» سنة 1983 وفق القطيعة المعرفية لدى باشلار، التي أثراها محمد وقيدي أستاذ الفلسفة بجامعة الملك محمد الخامس في دراسته اللافتة عن «فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار» سنة 1980 متجاوزاً فلسفة العلوم إلى خطاب أبستمولوجي، معارضاً الفلسفات التقليدية (بدأ الجابري تجربته التأليفية وهو أستاذ جامعي بكتابه «مدخل إلى فلسفة العلوم» بجزئيه سنة 1976 مستفيداً في تحليل النظام المعرفي في مشروعه بما ورد في كتابه «الكلمات والأشياء» لميشيل فوكو في تحليل الأنظمة المعرفية، كاشفاً عن (اللا مفكر فيه) من (لا وعي) فرويد في تحليله النفسي ماسكاً بمفاتيح مشروعه في تحليل العقل العربي في «البيان والعرفان والبرهان» من أحمد أمين في دراسة التاريخ الثقافي العربي الإسلامي، التي بدأها سنة 1938 في «فجر الإسلام» ثم «ضحى الإسلام» فـ«ظهر الإسلام» لتنتهي بـ«يوم الإسلام» دون أن يذكر الجابري في هذا كله إحالاته المرجعية!!! وهو ما تطارحته وإياه في مقابلتي التلفازية السجالية معه في برنامجي «ستون دقيقة» في أحد أيام شهر فبراير (شباط) 2009 وسبقْتُ ذلك بمقال في جريدة الرياض سنة 1995 حثثت فيه جورج طرابيشي على مواصلة نقده لمشروع الجابري، وقد تحول إعجاب الأول بفكر الثاني الذي (يثير ويغير) إلى نقد متواصل، تقول هنرييت عبودي زوجة طرابيشي في كتابها عنه الصادر سنة 2020 إن زوجها حينما (غادر بيروت سنة 1984 أخذ معه كتاب «نقد العقل العربي» وقد واظب على قراءته طوال الرحلة بالطائرة قائلاً: إنه عمل عظيم رائع وهائل وحينما علم بمقدم الجابري إلى باريس دعاه إلى العشاء ولكن هذا الإعجاب لم يدم طويلاً، إذ بدأ جورج يكتشف أخطاء وتفسيرات مغلوطة في كتابه) فانتهى بالرد على الجابري بكتابه ذي الأربعة أجزاء في «نقد نقد العقل العربي».
حينما تطارحت والجابري إشكالات طرابيشي على مشروعه، وجدته يغمغم ولا يبين، متسائلاً: «لماذا تحول الإعجاب المفرط إلى النقد المتواصل؟» فكان جوابه في مقابلتي التلفازية: (عقدت ندوة في دمشق حول كتابي «نقد العقل العربي» بإطراء الحاضرين بما فيهم طرابيشي، وحين أعلنت أنني أؤلف كتاب «بنية العقل العربي» أراد طرابيشي أن يستبق بحسن نية ولا أظن شيئاً غير هذا متنبئاً - أي طرابيشي - بما سأقوله في الكتاب القادم بناءً على ما ورد في كتاب «تكوين العقل العربي» فقلت له: كيف تسمح لنفسك أن تتوقع ما سأقوله فيه فأنت - يقصد طرابيشي - ما فهمت هذا ولا فهمت ذاك... انفعلت ولم أقصد شيئاً آخر فهذه من طبيعتي وأكثر الطلبة يعرفون في هذا أثناء مناقشتي أطروحات الدكتوراه عندما أكون في لجنة المناقشة عادة ما أنفعل وربما يعلو صوتي لا أقصد بهذا أحداً لكن هي هكذا طبيعتي)!!!
كان جواب الجابري مهلهلاً، ويفتقر إلى المنطق، بل إنه بهذا كان يناقض ما دعا إليه في أحد كتبه المبكرة، بضرورة اختراق اللغة والمنطق بـ«الحدس»، فهو وحده الذي يجعل الذات القارئة (جورج طرابيشي) تعانق الذات المقروءة (الجابري) إذ تعيش في إشكالاتها باستشراف ما ستقول.
يقول طرابيشي في كتابه «مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة» سنة 1993:
(ما الذي يسكت عنه نص الجابري المطول في عصر التدوين، إنه مرة أخرى يسكت عن المصدر الذي أخذ منه الفكرة والتسمية - يقصد أخذ الجابري مفاتيح كتابه «بنية العقل العربي» في تحليل الأنظمة المعرفية وتسميتها «البيان والعرفان والبرهان» من موسوعة أحمد أمين مؤكداً - طرابيشي - أنه لا يجوز أن يعاد تجليد المجلد أو يعاد نسخه مرتين، لا سيما والدراسات المتراكمة خلال النصف الثاني من القرن العشرين قد أبطلت أسطورة عصر التدوين من أساسها).
استلهم الجابري فكرة «الكتلة التاريخية» من المفكر الإيطالي العضوي غرامشي، ذاكراً ذلك حين دعا في عدد نوفمبر (تشرين الثاني) 1982 من مجلة المستقبل العربي، مقارباً حال الأمة العربية في تمزقها، بما كانت عليه إيطاليا في بداية القرن العشرين من تفاوت بين شمالها وجنوبها، وأن الكتلة التاريخية العربية هي البديل الاستراتيجي لحالة الإقصاء والتهميش، غير أن هدا التهميش هو ما يهمن على فكر الجابري، وهو يختزل التراث العربي في ثلاثيته (البيان ونموذجه الجاحظ، والعرفان ونموذجه جابر بن حيان وابن سينا، والبرهان ونموذجه ابن رشد)، فإذا بثنائية الظاهر والباطن الكامنة في «تهرمس» مذهب جابر بن حيان، حسب مقولة ماسينيون المهتم بالفكر الباطني - والصوفي الحلاجي خاصة - خالطاً بين الشيعة الإمامية والإسماعيلية والمتصوفة بضربة يد واحدة! وقد استقاها منه هنري كوربان في أحد كتبه الأولى «تاريخ الفلسفة الإسلامية»، فإذا بالعقل المشرقي المتجسد في ابن سينا رائد علم الطب التاريخي عالمياً، هو المسؤول - في نظر الجابري - عن انحطاط العقل العربي! وأن جابر بن حيان رائد علم الكيمياء التاريخي عالمياً، هو - في نظره - من أسس للتصوف ودمر الحضارة العربية ببذره الغنوصية في تربة العالم العربي!
أنا هنا لا أريد الاستفاضة فيما كتبه علماء أوروبيون، منهم من كان متحاملاً على جابر بن حيان، فهذا هو الكيميائي البريطاني (هولبارد) سنة 1923 يؤكد على استحقاق جابر لقب مؤسس علم الكيمياء، معادلاً أرسطو في علم المنطق، أما ما قاله مؤرخو العلوم عن مكانة ابن سينا وكتابه «القانون في الطب» المتداول في الجامعات العالمية فهو ثابت ومعروف.
لكن لماذا اهتمام الجابري المفاجئ بابن رشد رائد علم الفقه المقارن، ومترجم التراث الأرسطي والأفلاطوني هل هو إعادة تمركز ذاتي حول مغرب متفوق ببرهانه، على عقل مشرقي بياني وعرفاني؟!
أم هي محاولة تماهي بدور ابن رشد، بحيث يتبدى الجابري في عصرنا العربي ابن رشد آخر؟! رغم أن من اهتم بـ«المتن الرشدي» وتخصص فيه منقباً وباحثاً هو جمال الدين العلوي، الذي جمع شتات النصوص الرشدية من المكتبات الأوروبية.
أحسب أن للمصدر الفرنسي دوماً دور التنبيه لذهن الجابري... هذه المرة بما كتبه مؤرخ الأفكار أرنست رينان عن «ابن رشد والرشدية» سنة 1852 مثبتاً مكانة فيلسوف قرطبة العربي المسلم في الأكاديميات الأوروبية، وقد استوى مؤسساً لعصر التنوير في بداية نهضة مجتمعاتها، مؤثراً على الفلسفة اللاتينية والعبرية (عبر تلميذه موسى بن ميمون) بوصفه الشارخ الأكبر لأرسطو.
هذا.. وتبقى مشكلة عدم ذكر الإحالات إلى مصادرها، في مشروع الجابري قائمة عند كثير من زملائه وباحثيه، ومنهم د. فهمي جدعان أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي في الجامعة الأردنية، وقد كتبت مقالاً بعنوان «هل سرق الجابري فهمي جدعان» هو ما حثثت فيه جورج طرابيشي على استكمال كتاباته النقدية في أعمال الجابري، وكان قد ضمّن نتائج بحث جدعان عن «المحنة» في مسألة خلق القرآن عند المعتزلة، التي عارضها الإمام أحمد بن حنبل في كاتبه «مثقفون في الحضارة العربية»، دون ذكر الإحالة! فقد أجابني حين سألته بنفس الغمغمة! «إن المسألة انتهت وأن علاقتنا الشخصية والعائلية» أصبحت على ما يرام!!! وهو نفس ما استمعته من د. عبد الله العروي أستاذ الفلسفة بجامعة الملك محمد الخامس حين قابلته تلفزيونياً في فيلته بالدار البيضاء صيف 1993. متهماً الجابري الأخذ من عدته المنهجية في التحليل، مستنداً إلى كتابيه المبكرين «العرب والفكر التاريخي» و«الآيديولوجيا العربية المعاصرة» الصادرين في منتصف السبعينات.. أن هذا الخلل المنهجي الفاضح، هو ما أكد عليه كذلك د. عبد الإله بلقزيز في كتيب صدر له مؤخراً من مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان «محمد عابد الجابري ونقد العقل العربي» مؤاخذاً الجابري على أخذه الحر المتصرف في الدلالات الأصلية للمفاهيم (المستعارة) من مفكرين غربيين، والإحجام عن التصريح بمصادره.
بعد غزو صدام حسين دولة الكويت 1990 ما كان أحد يتوقع، أن يقف ناقد العقل العربي، في صف الشعبوية السياسية، التي ركب موجتها - إذ ذاك - كثير من اليساريين والإسلاميين، ومن بينهم محمد عابد الجابري، الذي ربط مناصرته المعارضة الكويتية في استرجاع وطنها المسروق، بوقوفها موقف صدام حسين ضد القيادة الكويتية! وهي في المنفى تعمل على استعادة الكويت.
عبر هذه المغالطة المنطقية، طفق المفكر القومي ينشر فصول كتابه «نقد العقل العربي» في صفحات جريدة حزبه «الاتحاد الاشتراكي» متمحورة حول ثلاثية جديدة «العقيدة والقبيلة والغنيمة»، منتقداً العقل البدوي! القائم على الاستحواذ، متأثراً بأطروحة المفكر العراقي د. علي الوردي في الدكتوراه حول ابن خلدون التي نالها من جامعة تكساس الأميركية سنة 1950 وقد استقى من مقدمته المركوزة حول صراع البداوة والحضارة، أطروحة الصراع بين الصحراء والنهر، موحياً للجابري بأطروحته عن «فكر ابن خلدون العصبية والدولة» سادّاً قصور الوردي في دراسته عن ابن خلدون.
أتذكر أن الجابري راسلني والكويت محتلة، بأن أعمل على نشر فصول كتابه «نقد العقل السياسي العربي» (البدوي) في جريدة الرياض! متزامناً مع نشرها في جريدة «الاتحاد الاشتراكي» بوصفه منظر حزب الجريدة السياسي.
بعدها تأبى علي إجراء حوار تلفازي معه في برنامجي «هذا هو» بقناة MBC أثناء زيارتي المغرب في صيف 1993 إلا أنه لم يتحرر من عرفه «البدوي» وهو المولود في فجيج، بالإصرار على تلبية دعوته لتناول طعام الغداء، مرفوقاً بزوجتي وبنتي وابناي، في فيلته بالحي الفرنسي في الدار البيضاء، امتناناً منه لاستضافتي إياه في بيتي بالرياض.
ولم يفتأ متواصلاً مع المملكة، التي فتحت له صحيفتها «الشرق الأوسط» ومجلتها «المجلة» باباً واسعاً نشر فيهما الكثير من مقالاته بعد انتهاء حرب الخليج الثانية.
بل أن مركز البحوث الإسلامية التابع لمؤسسة الملك فيصل الخيرية، دعاه لإلقاء محاضرة عن العولمة، وقد لبيت الدعوة لحضورها، لا للاستماع للمحاضرة فحسب، وإنما لتجديد أواصر صداقة تقادم عهدها بعدما قارب الجابري على الانتهاء أشار بيده علي بالبقاء دون مغادرة القاعة، فأخذته في جولة إلى شوارع الرياض، متحاوراً معه حول قضايا الساعة، فتحدث معي حول المستجدات في مجتمعه السياسي المغربي، وكذلك عن الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وكانت في أوجها، وقد بدا النظام الإقليمي العربي متعثر الخطوات، إثر تداعيات حرب الخليج الثانية، مثقلاً باستحقاقات مجتمعاته المستفيقة على وقع العولمة المدوي.
كان الجابري قد انتهى من رباعيته في نقد العقل العربي، أدعه يكمل الحديث كما جاء في مقدمة كتابه «مدخل إلى فهم القرآن الكريم» صفحة 14 الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2006 من مركز دراسات الوحدة العربية:
(انتهيت من العقل الأخلاقي العربي 2001 وأنا في شبه نشوة مثل تلك التي تنتاب المتجول في غابة عند بلوغه مخرجاً من مخارجها! غير أني أخذت أفرك عيني على ضوء الفضاء - الفراغ المحيط بالقاعة إذا ببعض الأصدقاء يمطرونني بأسئلة من نوع وماذا بعد؟ بعضهم أجاب بنفسه فاقترح كتاباً في «الجمال في الفكر العربي» باعتبار اتصال الموضوع بالأخلاق، فكلاهما بحث في القيم وبعضهم اقترح كتاباً في «الفكر العلمي عند العرب» بعد أن تناولت الفكر النحوي والفقهي والبلاغي والسياسي والأخلاقي في الأجزاء السابقة.
وفي نفس الفترة التي اقترحت علي هذه الموضوعات أو قبلها بقليل، اقترح علي صديق من السعودية، ونحن على سيارته متجهين إلى عزيمة عشاء في منزل صديق مشترك بالرياض فاقترح قائلاً: «لماذا لا يكون الكتاب القادم عن القرآن».
كان هذا ثمرة حوار جولتي مع أستاذنا الجابري بسيارتي في شوارع الرياض مساء يوم الثلاثاء 24 أكتوبر 2000 وقد أفصح عما ذكره مرة في مقابلتي التلفازية معه، وأخرى في محاضرته المسائية بمعرض الرياض الدولي للكتاب في أحد أماسي فبراير 2009 بأنني من كان وراء خوض تجربته الفكرية، بل قل الروحية في دراسة القرآن الكريم بأجزائه الأربعة، التي استثارت جدلاً واسعاً داخل المغرب وخارجه، يكاد لا يتوقف إلى اليوم حول الإشكالات التي وقع فيها!



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.