الحريري «يصوم» عن الكلام ويختصر المناسبة بوقفة أمام ضريح والده

في الذكرى السابعة عشرة لاغتياله

رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)
رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)
TT

الحريري «يصوم» عن الكلام ويختصر المناسبة بوقفة أمام ضريح والده

رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)
رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)

يفاجئ زعيم تيار «المستقبل» رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري محازبيه وجمهور «التيار الأزرق» وللمرة الأولى بعدم الإطلالة عليهم بموقف سياسي في الذكرى السابعة عشرة لاستشهاد والده الرئيس رفيق الحريري التي تحل اليوم، وتقتصر المناسبة بوقفة له أمام ضريحه يحيط به حشد من أنصاره، ما يفتح الباب للسؤال عن الأسباب الكامنة وراء إصراره على أن يلوذ بالصمت، بخلاف ما كان يتوقعه منه الوسط السياسي للانطلاق في التحضير لخوض الانتخابات النيابية، بعد أن ربط تشغيل ماكيناته الانتخابية بالموقف السياسي الذي يحدد فيه المسار العام للمرحلة السياسية في ضوء عزوفه عن خوضها.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر في «المستقبل» أن الحريري العائد أمس (الأحد) إلى بيروت قادماً من أبوظبي في زيارة خاطفة لمناسبة الذكرى السابعة عشرة لاستشهاد والده ينأى بنفسه عن التدخل في العملية الانتخابية (أي صيامه عن الكلام) انسجاماً مع موقفه الذي أعلنه في السابق بتعليق نشاطه السياسي وبعزوفه عن خوض الانتخابات من دون أن يدعو إلى مقاطعتها، تاركاً الحرية لجمهوره في اتخاذ القرار المناسب ترشيحاً واقتراعاً.
وأكدت المصادر في «المستقبل» أن عزوف الحريري عن خوض الانتخابات سيؤدي إلى إعادة خلط الأوراق، وإن كان يترك للنواب الأعضاء في كتلته النيابية من غير المنتمين إلى التيار الأزرق الحرية في الترشح وإنما على مسؤوليتهم، مع أن خروجه من المنافسة الانتخابية شكل صدمة للمجتمع الدولي وأحدث قلقاً لدى معظم السفراء العرب والأجانب الذين يراقبون حالياً رد فعل المزاج الشعبي في محاولة لمعرفة من سيتولى ملء الفراغ في البرلمان.
وبدورها، كشفت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحريري بموقفه أقلق ما تبقى لديه من حلفاء حاليين وسابقين اضطروا إلى مراجعة حساباتهم بعد أن اصطدموا بحائط مسدود في إقناعه بإعادة النظر في موقفه، وقالت بأنه لا مجال للعودة عن الموقف الذي كان أعلنه بعزوفه عن خوض الانتخابات، ولفتت إلى أن موسكو انضمت إلى المساعي في هذا الخصوص لكنها لم تتمكن من تنعيم موقفه. وتوقفت المصادر نفسها أمام الاتصال الذي أجراه الممثل الشخصي للرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف بالحريري، وقالت بأنه شدد على دوره محلياً ودولياً، وأن هناك حاجة إلى وجوده في البرلمان اللبناني على رأس قوى الاعتدال في مواجهة التطرف.
كما توقعت توجه بوغدانوف إلى أبوظبي للقاء الحريري بعد أن تعذر عليه الحضور إلى عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة للقائه في الشهر الماضي بسبب إصابته بكورونا، وذلك للتأكيد بأن علاقة موسكو بزعيم «المستقبل» لن تتأثر بعزوفه عن خوض الانتخابات، وستبقى كما كانت وإلى مزيد من التواصل. ورأت أن الحريري لن يدعو محازبيه وجمهور التيار الأزرق للمشاركة في الانتخابات، وقالت بأنه لم يطلب منهم مقاطعتها ليعود عن قراره بدعوتهم للإقبال على صناديق الاقتراع، مؤكدة في نفس الوقت بأنه ليس مستعداً لتقديم خدمات انتخابية مجانية لهذا الفريق أو ذاك، وتحديداً لمن انقلب عليه. ومع أنها تستبعد مبادرته إلى تعديل موقفه، قالت بأن زيارته لبيروت ستكون خاطفة قد تستمر لساعات وسيتخللها لقاء برئيس الحكومة نجيب ميقاتي وبرئيسي الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام من دون أن ينقطع عن التواصل مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وعدد من أركان الحرس القديم في تيار «المستقبل».
وكان تردد بأن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع لن يترك هذه المناسبة من دون أن يبادر للتواصل مع الحريري، وهذا ما تصدر اللقاء الذي عقد بين السنيورة وبين الوزير السابق ملحم الرياشي في محاولة لرأب الصدع الذي أصاب علاقته بـ«المستقبل»، لعل هذه المبادرة في حال حصولها ستؤدي إلى فتح الباب أمام إنهاء القطيعة السياسية بينهما من دون أن تبدل، كما تقول المصادر، من واقع الحال السياسي الذي أوصل علاقتهما إلى الافتراق.
كما أن المصادر نفسها لم تستبعد بأن يطرح في لقاء الحريري بنادي رؤساء الحكومات الخطوط العريضة لمواجهة مرحلة ما بعد عزوفه عن خوض الانتخابات، وإنما ليس على أساس وضع خطة يراد منها توفير الدعم لخوضها بلائحة تحظى بتأييد الحاضنة السنية.
لكن لا يبدو على الأقل في المدى المنظور بأن رؤساء الحكومات يتوجهون إلى تشكيل لائحة تخوض الانتخابات في بيروت يمكن أن تدفع باتجاه إخراج الحراك الانتخابي من الركود المسيطر حتى الساعة على الدائرة الثانية التي تتمتع بثقل انتخابي يعود للطائفة السنية. أما في حال تقرر عدم إخلاء الساحة البيروتية أمام بعض القوى السياسية وأبرزها «حزب الله» لاجتياح معظم المقاعد المخصصة للسنة، فإن هذا لا يعني، بحسب المصادر، أن هناك من يعد العدة لوراثة الحريرية السياسية، وإن كان مثل هذا القرار لم يحسم حتى الساعة ودونه صعوبات لئلا يفسر بشكل أو بآخر بأن زعيم «المستقبل» يلتف على قراره ويعود لخوض الانتخابات بالمراسلة ومن خلال وجوه بيروتية على خلاف مع «حزب الله» وحلفائه في محور الممانعة. لذلك لن يقف رؤساء الحكومات في وجه من يرغب بالترشح، شرط ألا يخوضها تحت لافتة التيار الأزرق بالإنابة، كما تقول المصادر، عن أهل البيت، وإن كانت تتوقع تراجع نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع، مع أن «جمعية المشاريع الإسلامية» (الأحباش) لا تحبذ التحالف مع الثنائي الشيعي الذي يتمثل بقوته الضاربة أي «حزب الله» الذي يتمتع بحضور انتخابي يفوق حليفه حركة «أمل».
فـ«الأحباش» تنأى بنفسها عن الانخراط في تحالف مع «حزب الله» حرصاً منها على عدم استفزاز الشارع السني لأنه يراهن على تسجيل اختراق ولو بنسبة رمزية للحريرية السياسية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجماعة الإسلامية التي نفت مصادرها، كما تردد سابقاً، ما كان تردد بأن خلافها مع الحزب لا يعني بالضرورة الانغلاق عن التحالف الانتخابي معه، وهذا ما ينسحب على النائب فؤاد مخزومي الذي كان السباق في إعلانه الحرب السياسية عليه.
كما تردد أن سفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة نواف سلام الذي عين أخيراً قاضياً في محكمة العدل الدولية في لاهاي الذي يدرس حالياً إمكانية خوضه للانتخابات في مواجهة اللوائح الانتخابية التي تتناغم مع محور الممانعة بقيادة «حزب الله»، لكن تبين بأنه غادر بيروت أمس للالتحاق بمقر عمله بعد قيامه بزيارة خاطفة التقى فيها مجموعة من الأصدقاء.
وكان سلام رشح في السابق لتولي رئاسة الحكومة، وقوبل ترشيحه من أصدقائه بـ«فيتو» من «حزب الله» الذي شن عليه حملة سياسية بذريعة أنه مرشح الولايات المتحدة الأميركية لهذا المنصب، مع أن الحزب يجهل تاريخه السياسي وبادر إلى «محاكمته» على النيات بتحريض من يدور في فلكه لقطع الطريق عليه.
وعلمت «الشرق الأوسط» بأن سلام استطلع الموقف في زيارته الخاطفة لبيروت ولن يرضخ للابتزاز، وأنه لا نية له بالترشح ما لم يشكل نقطة للتلاقي بين الحراك المدني والبيئة السنية الحاضنة له.
وعليه، فإن الانتخابات في الدائرة الثانية في بيروت لا تزال أسيرة الغموض الذي يكتنفها في ضوء استطلاعات الرأي التي أجريت حتى الساعة والتي ترجح عدم الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع، مع أن المعنيين بالعملية الانتخابية آثروا التريث بعدم الكشف عن أوراقهم التحالفية بانتظار ما سيقوله الحريري اليوم، رغم أنه قرر أن يلوذ بالصمت مكتفياً بما أعلنه في رسالته إلى اللبنانيين وجاءت تحت عنوان تعليق عمله السياسي وعزوفه عن خوض الانتخابات.



رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
TT

رئيس الصومال يزور مدينة متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود لدى وصوله إلى لاسعانود (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

زار الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، يوم الجمعة، عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، وذلك في زيارة هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

تأتي الزيارة إلى لاسعانود، العاصمة الإدارية لمحافظة صول، في خِضم توترات تشهدها منطقة القرن الأفريقي، على خلفية اعتراف إسرائيل مؤخراً باستقلال جمهورية أرض الصومال المعلَنة من جانب واحد، وهو ما أثار حفيظة مقديشو.

وحضر محمود في لاسعانود مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

تضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات صومالية هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته لاسعانود لحضور مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال (حساب الرئيس الصومالي على منصة «فيسبوك»)

كانت جمهورية أرض الصومال الانفصالية تسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواتها اضطرت للانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو، خلّفت عشرات القتلى.

وقالت الرئاسة الصومالية إن زيارة محمود ترمز إلى تعزيز الوحدة والجهود التي تبذلها الحكومة الفيدرالية لتكريس وحدة أراضي الدولة الصومالية وشعبها.

وسارعت جمهورية أرض الصومال للرد، إذ قال وزير شؤون الرئاسة في الإقليم الانفصالي، خضر حسين عبدي، إن لاسعانود هي أرض الصومال، مشدّداً على وجود تصميم على حل الخلافات بالحوار والوسائل السلمية.

وشدّد على أن الاعتراف بأرض الصومال أصبح، الآن، «واقعاً»، وعَدَّ أن «أحداً لا يمكنه تغيير ذلك».

Your Premium trial has ended


انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

انطلاق أول اجتماع لـ«لجنة إدارة غزة» في القاهرة وسط «تفاؤل حذر»

فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون ينتشلون أغراضاً من منزل بعد هجوم عسكري إسرائيلي غرب دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

جرت مياه جديدة في مسار اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بأول اجتماع في القاهرة لـ«لجنة التكنوقراط» المعنية بإدارة القطاع، بعد تشكيلها بتوافق فلسطيني، وترحيب واشنطن، وعدم ممانعة رسمية إسرائيلية بعد تحفظات سابقة.

وجاء الاجتماع الأول بعد ساعات من قتل إسرائيل 8 فلسطينيين، واتهام «حماس» لها بـ«تخريب الاتفاق»، وهو ما يجعل خبراء «إزاء تفاؤل حذر بمسار الاتفاق، في ضوء تلك المتغيرات واستمرار الاستهدافات الإسرائيلية». وشددوا على «أهمية موقف أميركي حاسم لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية التي بدأت بتشكيل لجنة إدارة القطاع، وتشهد عقبات رئيسية منها إدخال المساعدات، وانسحاب إسرائيلي، ونزع سلاح (حماس)».

وتحدثت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، الجمعة، عن بدء أول اجتماع تعقده اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، في العاصمة المصرية، برئاسة الفلسطيني علي شعث.

وفي أول ظهور إعلامي له، قال رئيس اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، علي شعث، إن اللجنة بدأت رسمياً أعمالها من العاصمة المصرية، وهي مكونة من 15 شخصية فلسطينية مهنية وطنية. ولفت إلى أن اللجنة تلقت دعماً مالياً، ووُضعت لها موازنة لمدة عامين هي عمر عمل اللجنة، وطالب بإنشاء صندوق في البنك الدولي لإعمار وإغاثة غزة، مشيراً إلى أن «هناك وعوداً من الدول الوازنة في المنطقة، لتقديم دعم مالي كبير وملموس».

وأوضح شعث أن خطة الإغاثة تستند إلى الخطة المصرية التي أقرّتها جامعة الدول العربية في مارس (آذار) 2025، (وتستغرق 5 سنوات بتكلفة نحو 53 مليار دولار)، ولقيت ترحيباً من الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن «أول خطوة تبنتها لجنة إدارة قطاع غزة هي توريد 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع للقطاع».

وفي حين قالت حركة «حماس»، الجمعة، إنها جاهزة لتسليم القطاع لإدارة التكنوقراط، ونبهت، في بيان، إلى أن «المجازر» التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بغزة باستهداف 9 فلسطينيين بينهم سيدة وطفلة جراء غارات وإطلاق نيران صوب خيام النازحين، تؤكد استمرار تل أبيب في «سياسة تخريب اتفاق وقف الحرب، وتعطيل الجهود المعلنة لتثبيت الهدوء في القطاع».

ولفتت إلى أن تلك المجازر «تصعيد خطير» يأتي مع «إعلان الوسطاء تشكيل حكومة تكنوقراط، والدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق (في بيان الأربعاء)، وكذلك مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، تشكيل مجلس السلام»، مطالبة الوسطاء والدول الضامنة للاتفاق بالوقوف أمام مسؤولياتها في ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها، وإلزامها بما جرى الاتفاق عليه.

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة بينما تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

والخميس، أعلن ترمب، تأسيس «مجلس السلام» المعني بغزة، مشيراً إلى أنه تم الدخول رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. بينما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الخميس، إن إسرائيل ارتكبت 1244 خرقاً لوقف إطلاق النار في مرحلته الأولى؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة واعتقال 1760 فلسطينياً، منذ سريان الاتفاق.

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، يرى أن انطلاق عمل اللجنة مهم للغاية، ويعدّ إنهاءً لإحدى ذرائع إسرائيل بشأن وجود «حماس»، خصوصاً أن اللجنة تكنوقراط ومحل توافق، لافتاً إلى أنه رغم إبطال إنهاء تلك الذرائع وإنهاء «حماس» لسلطتها السياسية، فإنه يجب التعامل بحذر مع تطورات المشهد الذي يجب أن يُستكمَل بقوات الاستقرار وشرطة فلسطينية حال لم توجد عراقيل إسرائيلية جديدة.

وفي ضوء ذلك، يبدي المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، تفاؤلاً حذراً أيضاً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هناك تحديات كبيرة تواجهها اللجنة، خصوصاً أنها تدير منطقة مدمرة كلياً، وأمامها تعقيدات إسرائيلية مرتبطة بسلاح المقاومة، ورفض الإعمار الكامل والانسحاب.

أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في المقابل، هناك جهود لا تزال مستمرة من الوسطاء، وتلقّى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاً هاتفياً من المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بشأن الخطوات والإجراءات المقبلة بعد الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب.

وشهد الاتصال الهاتفي بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» الجمعة، «التأكيد على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية، بما في ذلك بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية عقب إعلان تشكيلها، ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وبدء مرحلة التعافي المبكر، وإعادة الإعمار».

حسن أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الدور المصري مهم، ويواصل حرصه على استكمال الاتفاق وعدم عرقلته من جانب إسرائيل، خصوصاً أن فتح معبر رفح لم يتم من المرحلة الأولى ويتواصل التلكؤ في نشر قوات الاستقرار التي ستشرف على المعابر، مشدداً على أن واشنطن ستحاول أن تستكمل الاتفاق؛ حرصاً على مصداقيتها ألا تُفقَد.

في حين يعتقد الرقب أن أي تقدم في المرحلة الثانية وعدم تكرار جمود المرحلة الأولى، يتوقف على الدعم الأميركي لإنجاز استكمال الاتفاق، خصوصاً انسحاب إسرائيل وليس فقط نزع السلاح.


وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
TT

وجود لافت للسودانيين في مصر رغم مغادرة مئات الآلاف

مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتسمرون أمام شاشة لمتابعة ماتش مصر والسنغال في كأس الأمم الأفريقية يناير 2026 (الشرق الأوسط)

أمام فحم مشتعل على عربة قديمة، يقف الستيني محمد مرسي لشواء ذرة وبيعها، عين على عربته وأخرى على الشارع يتأمل المتجولين، وبينهم العديد من أبناء الجالية السودانية التي تسكن منطقة المساحة في شارع فيصل (جنوب العاصمة)، ممن باتوا مكوناً رئيسياً في التركيبة الديموغرافية للمنطقة التي تسكنها طبقات دُنيا ووسطى.

يتمركز بائع الذرة الستيني في المكان نفسه منذ 38 عاماً، فبات مرجعاً للمنطقة. يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد السودانيين ما زالت كبيرة، رغم عودة بعضهم للسودان»، مقدراً أعداد الباقين إلى العائدين بنسبة 85 إلى 15 في المائة. يقول ذلك فيما تقترب الشابة السودانية فاطمة (23 عاماً) من عربته لتسأل عن سعر الذرة، وتمضي دون أن تشتري لارتفاع سعره بالنسبة لها. فاطمة واحدة ممن اتخذوا قرار العودة بعد عامين من الإقامة بمصر، منتظرة دورها في مبادرة «العودة الطوعية»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع فيصل (الشرق الأوسط)

ومكنت مبادرة «العودة الطوعية»، التي أطلقتها منظومة الدفاعات السودانية بالتعاون مع وزارة النقل المصرية في 21 يوليو (تموز) الماضي، مئات الآلاف من السودانيين خصوصاً محدودي الدخل من العودة، خلال قطارات تنقلهم من القاهرة إلى أسوان، ثم حافلات تصل بهم إلى المدن السودانية بالمجان، ورغم ذلك يظل الحضور السوداني لافتاً في الشارع المصري، خصوصاً في المناطق الشعبية مثل فيصل، وأخرى في مدينة العاشر من رمضان (شمال القاهرة) حيث أبرز نقاط تمركز السودانيين بمصر.

عودة مئات الآلاف

وقدّرت القنصلية السودانية في أسوان أعداد العائدين إلى السودان عبر المنافذ البرية حتى الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، بـ428 ألفاً و676 شخصاً، حسب القنصل عبد القادر عبد الله، قائلاً خلال مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن مشروع العودة سيستأنف رحلاته بمجرد توفير التمويل اللازم لذلك، بعد أن انطلقت 45 رحلة خلال الشهور الماضية.

ويفسر أمين الجالية السودانية في العاشر من رمضان، إبراهيم عز الدين، كثافة الحضور السوداني رغم ما تشير إليه الإحصاءات من سفر مئات الآلاف إلى أن «بعض من سافروا عادوا مرة أخرى بعدما وجدوا ظروف الحياة في السودان صعبة»، مشيراً إلى أن هؤلاء ممن تعتبر ظروفهم المادية جيدة، أما الأفقر فلا يستطيعون تحمل مصاريف السفر. ويرى عز الدين، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداد من بقوا في مصر بمدينة العاشر أكبر ممن قرروا المغادرة.

بعض العائدين في الرحلة رقم 42 (مشروع العودة الطوعية المجانية للسودانيين - فيسبوك)

وتسببت الحرب الداخلية بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو مليون ونصف مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. وتقدر الحكومة مجمل أعداد السودانيين في مصر بنحو 4 ملايين سوداني.

توافد مستمر

لا يلاحظ الشاب الثلاثيني محمود صلاح، وهو يعمل في مطعم بمنطقة فيصل، انكماشاً في الحضور السوداني، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «السودانيين ما زالوا يتوافدون لمصر»، مدللاً على كثرتهم في منطقته باستمرار الأثر الأبرز لحضورهم بارتفاع الإيجارات، قائلاً: «أقل إيجار في شقة متواضعة بحارة جانبية 3 آلاف جنيه (الدولار يساوي 47.30 جنيه بالبنوك المصرية)».

عكسه يشعر الشاب العشريني فارس إسماعيل، وهو بائع ملابس متجول، بتراجع أثر السودانيين على عمله مع عودة «كثيرين منهم»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «الشغل نام (راكد) فقد كانوا زبائن أساسيين»، يقول ذلك بينما تقف الشابة السودانية حفصة محمد أمام عربته تختار بعض الملابس الشتوية.

تقول حفصة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تفكر في العودة حالياً في ظل عدم تحسن الأوضاع المعيشية هناك، خصوصاً أنها تعمل في مصر برسم الحناء للفتيات، ويوفر ذلك لها دخلاً جيداً تعيش منه أسرتها، فيما تشكو حفصة من استمرار ارتفاع الإيجارات في المنطقة، رغم سفر مئات الآلاف من السودانيين، موضحة أنها تدفع إيجار 5 آلاف جنيه.

وشهدت أسعار الإيجارات ارتفاعاً كبيراً مع توافد السودانيين إلى مصر، وقدّر سماسرة سبق أن تحدثت معهم «الشرق الأوسط» الارتفاعات بعدة أضعاف. وهدأت الأسعار نسبياً عن ذي قبل مع توفر أكبر للشقق، لكنها لم تعد إلى مستوى الأسعار قبل قدومهم.

834 ألف لاجئ سوداني

وتعدّ مصر واحدة من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، وسط مطالب حكومية متكررة بزيادة الدعم الدولي لها للمشاركة في استيعاب أعباء اللاجئين. ووفق آخر إحصائية لمفوضية شؤون اللاجئين في يناير الحالي، تتجاوز أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء بمصر حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي مليوناً و98 ألف شخص، من 60 جنسية مختلفة، يتصدرهم السودانيون بـ834 ألفاً و201 طلب.

مئات السودانيين في محطة رمسيس ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

يرصد المتجول في شارع فيصل أو منطقة الدقي والمهندسين وغيرها من مناطق بقاء السودانيين في مصر وجودهم اللافت؛ داخل المواصلات العامة، وفي الشوارع، والمطاعم، وداخل عيادات الأطباء، رغم أن الإحصائيات تشير إلى عودة مئات الآلاف منهم، في مؤشر على ضخامة أعدادهم الفعلية الوافدة إلى مصر.

شعبياً تأقلم كثير من المصريين على وجود الوافدين، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية لبعضهم، وسلبية لآخرين، ورسمياً تظل الشكاوى الحكومية من «ثقل حمل الوافدين»، مع التمسك بوصفهم «ضيوفاً». وقدّرت تكلفة استضافة نحو 10 ملايين وافد أجنبي بنحو 10 مليارات دولار سنوياً.