الحريري «يصوم» عن الكلام ويختصر المناسبة بوقفة أمام ضريح والده

في الذكرى السابعة عشرة لاغتياله

رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)
رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)
TT

الحريري «يصوم» عن الكلام ويختصر المناسبة بوقفة أمام ضريح والده

رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)
رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري (رويترز)

يفاجئ زعيم تيار «المستقبل» رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري محازبيه وجمهور «التيار الأزرق» وللمرة الأولى بعدم الإطلالة عليهم بموقف سياسي في الذكرى السابعة عشرة لاستشهاد والده الرئيس رفيق الحريري التي تحل اليوم، وتقتصر المناسبة بوقفة له أمام ضريحه يحيط به حشد من أنصاره، ما يفتح الباب للسؤال عن الأسباب الكامنة وراء إصراره على أن يلوذ بالصمت، بخلاف ما كان يتوقعه منه الوسط السياسي للانطلاق في التحضير لخوض الانتخابات النيابية، بعد أن ربط تشغيل ماكيناته الانتخابية بالموقف السياسي الذي يحدد فيه المسار العام للمرحلة السياسية في ضوء عزوفه عن خوضها.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر في «المستقبل» أن الحريري العائد أمس (الأحد) إلى بيروت قادماً من أبوظبي في زيارة خاطفة لمناسبة الذكرى السابعة عشرة لاستشهاد والده ينأى بنفسه عن التدخل في العملية الانتخابية (أي صيامه عن الكلام) انسجاماً مع موقفه الذي أعلنه في السابق بتعليق نشاطه السياسي وبعزوفه عن خوض الانتخابات من دون أن يدعو إلى مقاطعتها، تاركاً الحرية لجمهوره في اتخاذ القرار المناسب ترشيحاً واقتراعاً.
وأكدت المصادر في «المستقبل» أن عزوف الحريري عن خوض الانتخابات سيؤدي إلى إعادة خلط الأوراق، وإن كان يترك للنواب الأعضاء في كتلته النيابية من غير المنتمين إلى التيار الأزرق الحرية في الترشح وإنما على مسؤوليتهم، مع أن خروجه من المنافسة الانتخابية شكل صدمة للمجتمع الدولي وأحدث قلقاً لدى معظم السفراء العرب والأجانب الذين يراقبون حالياً رد فعل المزاج الشعبي في محاولة لمعرفة من سيتولى ملء الفراغ في البرلمان.
وبدورها، كشفت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» بأن الحريري بموقفه أقلق ما تبقى لديه من حلفاء حاليين وسابقين اضطروا إلى مراجعة حساباتهم بعد أن اصطدموا بحائط مسدود في إقناعه بإعادة النظر في موقفه، وقالت بأنه لا مجال للعودة عن الموقف الذي كان أعلنه بعزوفه عن خوض الانتخابات، ولفتت إلى أن موسكو انضمت إلى المساعي في هذا الخصوص لكنها لم تتمكن من تنعيم موقفه. وتوقفت المصادر نفسها أمام الاتصال الذي أجراه الممثل الشخصي للرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف بالحريري، وقالت بأنه شدد على دوره محلياً ودولياً، وأن هناك حاجة إلى وجوده في البرلمان اللبناني على رأس قوى الاعتدال في مواجهة التطرف.
كما توقعت توجه بوغدانوف إلى أبوظبي للقاء الحريري بعد أن تعذر عليه الحضور إلى عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة للقائه في الشهر الماضي بسبب إصابته بكورونا، وذلك للتأكيد بأن علاقة موسكو بزعيم «المستقبل» لن تتأثر بعزوفه عن خوض الانتخابات، وستبقى كما كانت وإلى مزيد من التواصل. ورأت أن الحريري لن يدعو محازبيه وجمهور التيار الأزرق للمشاركة في الانتخابات، وقالت بأنه لم يطلب منهم مقاطعتها ليعود عن قراره بدعوتهم للإقبال على صناديق الاقتراع، مؤكدة في نفس الوقت بأنه ليس مستعداً لتقديم خدمات انتخابية مجانية لهذا الفريق أو ذاك، وتحديداً لمن انقلب عليه. ومع أنها تستبعد مبادرته إلى تعديل موقفه، قالت بأن زيارته لبيروت ستكون خاطفة قد تستمر لساعات وسيتخللها لقاء برئيس الحكومة نجيب ميقاتي وبرئيسي الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام من دون أن ينقطع عن التواصل مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وعدد من أركان الحرس القديم في تيار «المستقبل».
وكان تردد بأن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع لن يترك هذه المناسبة من دون أن يبادر للتواصل مع الحريري، وهذا ما تصدر اللقاء الذي عقد بين السنيورة وبين الوزير السابق ملحم الرياشي في محاولة لرأب الصدع الذي أصاب علاقته بـ«المستقبل»، لعل هذه المبادرة في حال حصولها ستؤدي إلى فتح الباب أمام إنهاء القطيعة السياسية بينهما من دون أن تبدل، كما تقول المصادر، من واقع الحال السياسي الذي أوصل علاقتهما إلى الافتراق.
كما أن المصادر نفسها لم تستبعد بأن يطرح في لقاء الحريري بنادي رؤساء الحكومات الخطوط العريضة لمواجهة مرحلة ما بعد عزوفه عن خوض الانتخابات، وإنما ليس على أساس وضع خطة يراد منها توفير الدعم لخوضها بلائحة تحظى بتأييد الحاضنة السنية.
لكن لا يبدو على الأقل في المدى المنظور بأن رؤساء الحكومات يتوجهون إلى تشكيل لائحة تخوض الانتخابات في بيروت يمكن أن تدفع باتجاه إخراج الحراك الانتخابي من الركود المسيطر حتى الساعة على الدائرة الثانية التي تتمتع بثقل انتخابي يعود للطائفة السنية. أما في حال تقرر عدم إخلاء الساحة البيروتية أمام بعض القوى السياسية وأبرزها «حزب الله» لاجتياح معظم المقاعد المخصصة للسنة، فإن هذا لا يعني، بحسب المصادر، أن هناك من يعد العدة لوراثة الحريرية السياسية، وإن كان مثل هذا القرار لم يحسم حتى الساعة ودونه صعوبات لئلا يفسر بشكل أو بآخر بأن زعيم «المستقبل» يلتف على قراره ويعود لخوض الانتخابات بالمراسلة ومن خلال وجوه بيروتية على خلاف مع «حزب الله» وحلفائه في محور الممانعة. لذلك لن يقف رؤساء الحكومات في وجه من يرغب بالترشح، شرط ألا يخوضها تحت لافتة التيار الأزرق بالإنابة، كما تقول المصادر، عن أهل البيت، وإن كانت تتوقع تراجع نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع، مع أن «جمعية المشاريع الإسلامية» (الأحباش) لا تحبذ التحالف مع الثنائي الشيعي الذي يتمثل بقوته الضاربة أي «حزب الله» الذي يتمتع بحضور انتخابي يفوق حليفه حركة «أمل».
فـ«الأحباش» تنأى بنفسها عن الانخراط في تحالف مع «حزب الله» حرصاً منها على عدم استفزاز الشارع السني لأنه يراهن على تسجيل اختراق ولو بنسبة رمزية للحريرية السياسية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجماعة الإسلامية التي نفت مصادرها، كما تردد سابقاً، ما كان تردد بأن خلافها مع الحزب لا يعني بالضرورة الانغلاق عن التحالف الانتخابي معه، وهذا ما ينسحب على النائب فؤاد مخزومي الذي كان السباق في إعلانه الحرب السياسية عليه.
كما تردد أن سفير لبنان السابق لدى الأمم المتحدة نواف سلام الذي عين أخيراً قاضياً في محكمة العدل الدولية في لاهاي الذي يدرس حالياً إمكانية خوضه للانتخابات في مواجهة اللوائح الانتخابية التي تتناغم مع محور الممانعة بقيادة «حزب الله»، لكن تبين بأنه غادر بيروت أمس للالتحاق بمقر عمله بعد قيامه بزيارة خاطفة التقى فيها مجموعة من الأصدقاء.
وكان سلام رشح في السابق لتولي رئاسة الحكومة، وقوبل ترشيحه من أصدقائه بـ«فيتو» من «حزب الله» الذي شن عليه حملة سياسية بذريعة أنه مرشح الولايات المتحدة الأميركية لهذا المنصب، مع أن الحزب يجهل تاريخه السياسي وبادر إلى «محاكمته» على النيات بتحريض من يدور في فلكه لقطع الطريق عليه.
وعلمت «الشرق الأوسط» بأن سلام استطلع الموقف في زيارته الخاطفة لبيروت ولن يرضخ للابتزاز، وأنه لا نية له بالترشح ما لم يشكل نقطة للتلاقي بين الحراك المدني والبيئة السنية الحاضنة له.
وعليه، فإن الانتخابات في الدائرة الثانية في بيروت لا تزال أسيرة الغموض الذي يكتنفها في ضوء استطلاعات الرأي التي أجريت حتى الساعة والتي ترجح عدم الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع، مع أن المعنيين بالعملية الانتخابية آثروا التريث بعدم الكشف عن أوراقهم التحالفية بانتظار ما سيقوله الحريري اليوم، رغم أنه قرر أن يلوذ بالصمت مكتفياً بما أعلنه في رسالته إلى اللبنانيين وجاءت تحت عنوان تعليق عمله السياسي وعزوفه عن خوض الانتخابات.



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.