مؤتمر «المحيط الواحد» في بريست: قرارات طموحة والعبرة في التنفيذ

بحضور الرئيس المصري ورئيس الحكومة المغربية ورئيسة الحكومة التونسية

TT

مؤتمر «المحيط الواحد» في بريست: قرارات طموحة والعبرة في التنفيذ

استضافت مدينة بريست الواقعة على المحيط الأطلسي، غرب فرنسا، لثلاثة أيام قمة دولية تحت عنوان «محيط واحد» جاءت في إطار رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي. وعكست المشاركة الواسعة، إن حضورياً أو عن بعد، القلق من تداعيات التلوث التي تصيب البيئة البحرية التي تشكل 75 في المائة من مساحة الكرة الأرضية. وخُصص يوما الأربعاء والخميس للخبراء والمنظمات الإقليمية والدولية وكبار المسؤولين لشركات النقل البحري وممثلين عن قطاع الصيد وجمعيات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والهيئات المهتمة بمستقبل الغلاف المائي للأرض فيما شهد يوم أمس الجمعة مداخلات رؤساء الدول والحكومات إما حضورياً أو عن بعد. وتشكل قمة بريست الحلقة الأولى من مجموعات حلقات متتابعة هذا العام التي ستركز جميعها على ملف البحار والمحيطات أولها اجتماع تحت رعاية الأمم المتحدة أواخر الشهر الجاري الذي سيركز على كيفية التعامل مع كميات البلاستيك الهائلة التي ترمى في البحار والمحيطات كل عام والتي لها تأثير حاسم على البيئة البحرية والتنوع البيولوجي والبيئي وعلى صحة الإنسان يليه في شهر مارس (آذار) إطلاق المفاوضات للتوصل إلى معاهدة دولية لحماية أعالي البحار. وبعد ذلك، سوف تستضيف لشبونة، العاصمة البرتغالية، نهاية يونيو (حزيران)، قمة الأمم المتحدة للمحيطات. وسيكون مسك الختام، قمة البيئة التي ستستضيفها مصر نهاية نوفمبر (تشرين الثاني). وحضر الرئيس عبد الفتاح السياسي شخصياً إلى بريست وكان له لقاء مع الرئيس إيمانويل ماكرون. ومن بين المسؤولين العرب، حضر رئيس الحكومة المغربية ورئيسة الحكومة التونسية. وعلى هامش المؤتمر، حصل اجتماع جماعي عبر الهاتف ضم الرؤساء الفرنسي والأميركي والبولندي والمستشار الألماني ورئيسي الحكومتين البريطانية والإيطالية، إضافة إلى رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية والأمين العام للحلف الأطلسي خصص للملف الأوكراني وللأوضاع متزايدة التوتر. جاءت لقاءات بريست بالغة الأهمية. ومنذ البداية أرادت فرنسا «الجهة المنظمة» أن تضم كافة الأطراف الفاعلة في ملف المحيطات وأن يتم التركيز، وفق مصادر الرئاسة الفرنسية، على أربعة ملفات، أولها المفاوضات الخاصة بالمعاهدة المتعلقة بمحاربة التلوث البحري والبلاستيك. وثانيها تطوير المحميات البحرية وثالثها التوصل إلى خاتمة للمحادثات الخاصة بملف حماية أعالي البحار وآخرها التصديق على معاهدة تعزيز أمن سفن الصيد البحري تعزيز مفهوم «الاقتصاد الأزرق المستدام» وأهمية حماية المحيطات لما لها من علاقات مع التغيرات البيئية والتصحر وارتفاع حرارة الأرض. وأسفرت قمة بريست، وفق بيان رسمي، عن التوصل إلى تبني «التزامات» واضحة من جانب 100 دولة مشاطئة بحراً ومحيطاً، تمثل أكثر من نصف مساحة المناطق البحرية الخالصة وذلك بمشتركة أمين عام الأمم المتحدة والأمين العام للمنظمة البحرية العالمية ومديرة عام منظمة اليونيسكو. وأطلق على الوثيقة «التزامات بريست من أجل المحيط». وأشارت الوثيقة إلى أن الالتزامات المذكورة انبثقت من «وعي المسؤولين أن الأجندة السياسية الدولية» لا تأخذ كفاية بعين الاعتبار، دور المحيطات في التوازنات البيئية والاجتماعية الكونية ولا التهديدات التي تطأ بثقلها على البيئة البحرية. من هنا، فإن القادة والمسؤولين المجتمعين، عمدوا «سريعاً» إلى اتخاذ التزامات ملموسة لوقف تدهور حالة المحيطات وآثروا العمل من أجل المحافظة على التنوع البيئي ووضع حد للاستغلال المفرط للثروات البحرية ومحاربة التلوث وإبطاء التغيرات البيئية. تأتي حماية التنوع البيولوجي وثروات المحيطات على رأس «الالتزامات» التي والطريق إليها محميات بحرية. ووفق آخر تعداد، فإن 84 دولة «منها 34 دولة إضافية» تعهدت بالتوصل إلى حماية 30 في المائة من مساحة الأرض مياهاً ويابسة بحلول عام 2030. والمؤسف أن 45 في المائة من مساحة المحيطات لا تتمتع حتى اليوم بمحميات بحرية ما يبين ضخامة التحدي الذي يواجهه «الملتزمون». وأطلقت أمس دول الاتحاد الأوروبي الـ27 و16 دولة إضافية «التحالف من أجل حماية أعالي البحار» هدفه التوصل خلال العام الجاري لمعاهدة عالمية حول استخدام أعالي البحار فيما التزمت 14 دولة بتشديد التدابير لمنع الصيد المشروع. وأعلنت العديد من الدول الأوروبية انخراطها في ملإطلاق مهمات برحية خارجية لتعزيز الرقابة على الصيد غير المشروع الذي يمثل خمس الصيد العالمي. إحدى المعضلات الرئيسية وأحد أكبر مصادر التلوث عنوانه النقل البحري. ولذا، فإن 22 شركة نقل بحري أوروبية التزمت باحترام معايير «البحرية الأوروبية الخضراء» لخفض الإساءات للبحار والمحيطات المترتبة على النقل البحري مثل التلوث بالمازوت والضجيج والانبعاثات الجوية المسببة للاحتباس الحراري... فيما 35 ناقلاً عالمياً وأوروبياً التزموا بتوفير الكهرباء في المرافئ لاستخدامها طاقة بديلة. والتزمت الدول المتوسطية، بمشاركة ودعم دول الاتحاد الأوروبي، إيجاد منطقة متوسطية منخفضة انبعاثات الكبريت بحلول عام 2025، ولأن البلاستيك يشكل الآفة البحرية الكبرى حيث 9 ملايين طن منه ترمى سنوياً في المياه، فإن مجموعة من البنوك الأوروبية الإقليمية والوطنية التزمت بإطلاق «مبادرة المحيط النظيف» وتوفير 4 مليارات دولار حتى عام 2025. ولذا، سيكون التركيز على تنشيط «الاقتصاد الدائري» أي معالجة النفايات البلاستيكية وإعادة استعمالها ما يقوي «برنامج الأمم المتحدة للبيئة».
يبقى أن ملف المحيطات سياسي بالدرجة الأولى ولذا يتعين أن يصبح أولوياً على الأجندة العالمية. لكن ما بدا واضحاً أن الأطراف المشاركة في الأيام الثلاثة الأخيرة في مناقشات بريست حرصت على تجنب النواحي السياسية الخلافية في ملف بالغ التعقيد وفضلت التركيز على التهديدات التي تهم الجميع. وأمس، اقترحت فرنسا وكوستاريكا تنظيم مؤتمر الأمم المتحدة القادم للمحيطات في عام 2024، إلا أن هذا الموعد يبدو بعيداً إذا كان الغرض متابعة تنفيذ الالتزامات التي توافق حولها المؤتمرون. ولذا، ثمة حاجة لـ«آلية» دائمة لمراقبة تنفيذ التعهدات حتى لا تبقى وعوداً لا مستقبل لها وتتواصل الممارسات المسيئة للبحار والمحيطات منذ اللحظة التي غادر فيها المؤتمرون صالات المؤتمر.
في كلمته الافتتاحية، قال الرئيس ماكرون ما يلي: «لو توفرت لنا الإمكانيات، فسنكون قادرين على اتخاذ قرارات تاريخية وهذا يتعين أن يبدأ اليوم في بريست». القرارات اتخذت يبقى التنفيذ.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».