الجريء إسكندر رياشي يعود مع «نسوان من لبنان»

الكاتب الذي باح بكل موبقاته فعوقب بالنسيان

رسم لرياشي منشور في كتابه
رسم لرياشي منشور في كتابه
TT

الجريء إسكندر رياشي يعود مع «نسوان من لبنان»

رسم لرياشي منشور في كتابه
رسم لرياشي منشور في كتابه

تحار أيُّ صفة تطلقها على إسكندر رياشي، بعد أن تقرأ كتابه «نسوان من لبنان». «دون جوان»، «بلاي بوي»، «ماجن»، «ظريف» أم «متهتك». فالرجل كان صحافياً معروفاً، وله قلم جريء، يصل أحياناً حدّ الوقاحة. وُلد في الخنشارة، المتنية، عام 1890. وفي عمر العشرين من عمره سافر إلى أميركا وأسّس جريدة «الوطن الجديد» في نيويورك. بعد ثلاث سنوات عاد رياشي إلى لبنان، وراسل جريدة «الطان الفرنسية»، من بعدها أسس جريدة «البردوني» في زحلة، وأوقفها ليتولى أول أيام الانتداب وظيفة مستشار في المندوبية العامة لحاكم زحلة الفرنسي. أسس سنة 1922 جريدة «الصحافي التائه» بعد أن استقال من وظيفته. وأصبح إسكندر رياشي نقيباً للصحافة اللبنانية سنة 1947 حيث مارس أعمال النقابة دورتين متتاليتين حتى عام 1950.
لكنّ كُتُب إسكندر رياشي اختفت من التداول أو أشبه منذ سنوات طويلة، إذ لم تعد طباعة غالبيتها. وقد شغف المغدور به لقمان سليم، في سنواته الأخيرة كباحث بـ«الصحافي التائه» وأعجب بجرأته، وعكف على قراءة ما توفر من أعماله، بعد عملية بحث مضنية، وبدأ العمل على كتاب «نسوان من لبنان» راغباً في إعادته إلى الحياة، أفضل مما كان. ومن حسن الحظ أن لقمان كان قبل اغتياله، كان قد أنجز مقدمة طويلة للكتاب عنوانها «عن لبنان وشفعائه الشياطين» جمع فيها نتاج بحثه عن رياشي، ورؤيته لمساره وكتاباته.
وبمناسبة مرور سنة على اغتيال لقمان سليم أصدرت «دار الجديد»، «نسوان من لبنان» بالاعتماد على نسخة «دار الأندلس» للنشر عام 1966 مع تشكيل كامل، مرفقة بمقدمة لقمان سليم وهوامش وافية.
يصف رياشي مؤلفه هذا بأنه «كتاب عظات سياسية واجتماعية متحلية بحكايات ومغامرات غرام صاخبة، يأتي فيها الكثير من تاريخ لبنان الحديث». وهذا صحيح، فهو حكايات، مكتوبة بأسلوب سلسل، مشوق، حيوي، لمغامرات رجل أحب الحياة، والنساء، والمجازفة حد توريط نفسه. لكنه في كتاباته الغرامية هذه، وهذا من ميزاته، يحرص على رسم الخلفية الاجتماعية، وأحياناً السياسية للمرحلة التي يكتب عنها، مما يجعلك تقرأ بمعيته، ما قد لا تجده في كتب التاريخ التي غالباً ما تعتمد على الروايات الرسمية أو ما يشبهها. والقصص التي ينطوي عليها الكتاب تدور بين نهاية المرحلة العثمانية، مروراً بالحرب العالمية الأولى والانتداب الفرنسي على لبنان.
في القصة الأولى من الكتاب «صانعة المستشار» يتحدث رياشي عن فساد «المستشارين وكبار الموظفين الفرنسيين في بلادنا الذين كانوا في فرنسا أهل نزاهة ونظافة» ويضيف: «لا شك أن أكثر الفرنسيين الذين باعوا واشتروا وتاجروا وارتشوا عندنا، نحن الذين علّمناهم هذه الطرق، ونحن الذين جعلناهم يخرجون عن نزاهتهم». ويتحدث عن رشى الانتخابات وتدفق خيرات الفساد، وهو أحد هؤلاء الفاسدين، راوياً طريقة ولوجه طرقاً ملتوية للإفادة المادية، وبناء علاقات نسائية.
ويذكر رياشي أن خادمة المستشار الفرنسي التي كان على علاقة حميمة بها، أخذ يتقاسم معها الأموال، وهي توحي للمستشار بدعم مَن يدفع بسبب قربها منه، وهؤلاء يصبحون نواباً. «وهنا يجب على العارفين أن يتذكروا أن تلك الخادمة أصبحت معروفة في ذلك الحين بصانعة النواب».
في قصته «آخر أميرات بني غسان» معلومات مهمة عن علاقة الدولة العثمانية بالدروز واليمن، حيث يقول: «كان للدولة العثمانية شيطانان: جبل الدروز واليمن... كانت حتى اليوم الذي انفصلت فيه البلدان العربية عنها، ترجع دوماً مكسورة من جبل الدروز واليمن. وكانت تحاربهما كي تُخضعهما، تقريباً كل عشر سنين مرة». وفي الكتاب بعض التفاصيل عن هذه الحروب ومن كان يشارك فيها.
في أكثر من قصة يتحدث رياشي عن الحرب العالمية الأولى، والمجاعة التي عاشها لبنان، وما رافقها من ممارسات اجتماعية، وانحدار أخلاقي. يروي أن «ثلث أهالي جبل لبنان ماتوا جوعاً في تلك الحرب، الثلث الثاني لم يمت جوعاً لأنه هاجر للبقاع بعدد ضعيف، وهاجر لدمشق وحوران بعدد أكبر حيث سهول القمح ومراعي المواشي، والأراضي الفياضة بمياهها ومزروعاتها، وأما الثلث الثالث فقد استطاع أن يعيش بوسائله الخاصة، ومتاجراته واستثماراته وتجويعه للغير، وأغنياء أمواله السياسية. وكان من الثلثين الأولين فئة معروفة قليلة العدد ولكن كثيرة الوقاحة، عاشت متحدية الجوع والشقاء». ويشرح أنه «في ذلك الوقت، لم يكن هناك فرق كبير بين النبالة والقذارة». ولا يستثني رياشي نفسه من الدناءات والقذارات، بل لعله يذكر هذا ليبرر لنفسه مسالكه الوعرة: «نحن لم نَجُع، لكننا لم نشبع. لم نجع لأننا عرفنا بوسائلنا الخاصة الطريقة لأن نبقى في هذا العالم، فامتهن الواحد منّا كل المهن التي كانت الأقدار تؤديه إليها، دون أي فارق إن كانت تلك المهن شريفة أو غير شريفة، حقة أو مجرَّمة».
هذا غيض من فيض ملامح تلك الفترة العصيبة التي سبقت الاستقلال، عايشها رياشي ويكتشفها القارئ في الكتاب. وهي وإن بدت مذكورة على هامش القصص فإنها في غاية الأهمية. أما مغامراته مع النساء، فهي صلب الكتاب وأساسه، وعلّة وجوده. فهو لا يتوقف عن طلب الوصال، أينما حلّ وارتحل: في الحروب والمجاعات، على متن باخرة، أو مروراً بمدينة، في المغترب أو على أرض الوطن.
وأنت إذ تقرأ مغامراته النسائية، ومدى ثقته بنفسه، وهو يشرح أنه الرجل الذي لا يُردّ، وأن النساء حتى أكثرهن تمنعاً لا يلبثن أن يقعن في شباكه، تسأل نفسك إن كان كل ما تقرأه صحيحاً، أم أن الكثير منه نسج من بنات أفكار رياشي ومخيلته الولعة بالمبالغة. وهو على أي حال وكأنه يتوقع من قارئه مثل هذه الأسئلة يجيب: «هذا الكتاب وقائع حقيقية، قام بها كاتب يريد أن يأخذ من الدنيا مباهجها، تاركاً الزهد، والتكفير والخوف من جهنم ومخاوف الدهر».
لكن بصرف النظر عن صحة إيقاعه بعشرات النساء، كما يورد في قصصه، لا بد أن تسجل بأنك أمام كاتب يعترف هو نفسه بأنه مدّعٍ: «كنت في أوائل الصبا، طويل القامة، حَسن الهندام، أسمر اللون، كثيف الشعر، كثير التأنق والادّعاء، أعتبر وأؤمن باهتمام الحسان بي... كنت من أولئك المعشاقين الذين لا تستطيع امرأة أن تمر بهم دون اكتراث». وهو يتحدث في الكتاب أكثر من مرة عن كذبه الذي أوقعه في مطبات صعبة: «لقد كنت أريد لنفسي، منذ بدأت أميّز الأشياء والأمور، ودخلت الرابعة عشرة، كنت أكبر عقلاً وتفكيراً من عمري بكثير - أريد أن أعيش في فردوس دائم للغرام ومغامراته، وللروايات ومدهشاتها، وللخيالات البعيدة الملونة البراقة وتأثيراتها». هذه المجازفات لم تتسبب له فقط في مشكلات بل وصل الأمر إلى حد اتهامه بجريمة قتل، حين حامت حوله الشبهات، وكان أول من استُدعي إلى التحقيق في قصة «القتيل في الحديقة»، بعد مقتل عامل في أحد بيوت الذوات التي كان يرتادها، بسبب شبهات بأنه على صلة بصاحبة البيت.
في كل قصة في الكتاب، يوقع إسكندر بامرأة، وفي أغلبها يوقع بهن جملة، لهذا ربما غاب ذكر إسكندر رياشي عن المكتبات، مع أن طبعات قديمة من بعض كتبه متوفرة. وقد يكون غُيّب عن الذكر، لأنه يكشف، ويكتب عمّا لا يحب أن يقرأه أو يعرفه كثيرون. ولا شك أن لقبه «الصحافي التائه» ظلمه أيضاً، فهو أكثر من ذلك. لقد كان صحافياً وأديباً ومترجماً، وله علاقاته السياسية، لا بل كان حاضراً لا ينقطع عن موائد السياسيين والنافذين في زمنه. يشير لقمان سليم في مقدمته إلى عدم استساغة مجايلي الرياشي لصراحته في القَصّ، علاوة على نفورهم من أسلوبه في الكشف. ونجد الجواب دائماً عن رياشي نفسه، وهذه المرة في كتابه «الأيام اللبنانية»: «قد يلومنا بعض قرائنا، كما أخذوا يفعلون منذ بدأنا في نشر مذكراتنا زاعمين أننا ندأب في كتاباتنا دوماً لتوسيخ واستصغار مواطنينا، ولكن ما دامت الحقيقة هكذا، و ما دام هؤلاء موسخين وصغاراً، فليس مطلوباً منّا أن نقول عنهم إنهم نظفاء وكبار».
وصفه أحدهم بأنه «فولتير الشرق»، وقال عنه أنسي الحاج «إنه لا يتمسخر، بل يضع حاله على الورق. إباحته لذاته هي المصدر، والسخرية فرع من المصدر. طرافته أنه يتعرى أمامك بالكامل، ويتحداك أن تجاريه. لم يجاره أحد من أهل الصحافة ولا من أهل الأدب».
لإسكندر رياشي إضافةً إلى «نسوان من لبنان» عدة مؤلفات أهمها: «قبل وبعد»، و«رؤساء لبنان كما عرفتهم»، و«الأيام اللبنانية»، و«نعيش مع الآلهة» (بالفرنسية)، و«أهل الغرام»، و«مجانين ومجنونات الحب» وغيرها. وكان قد تزوج من ماري قهوجي عام 1920 وأنجب سبعة أولاد، وتوفي عام 1961 ودفن في مسقط رأسه في الخنشارة.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).